في مثل هذه الايام اندلعت الحرب. حرب امتدت عملياتها من 20 آذار-مارس إلى 1 آيار- مايو تخللها احتلال بغداد بالكامل واسقاط النظام الذي يحكمها. حرب تستكمل حروبا مرتجلة في تفاصيلها، منظمةً مخططاً لها في الأبعاد السياسية الدولية التي تضع المنطقة على طاولة التشريح وتراقب عللها الداخلية وأبرز تلك العلل اخطاء انظمتها السياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي. لتدير عن بعد بلداناُ مهمةً تجثو على مخزون من الطاقات الطبيعية والطاقات البشرية والتعقيدات الايديولوجية الدينية والمدنية.

حرب استنزاف وحصار جائر

النظام الديكتاتوري في العراق الذي اشعل حربين كارثيتين في المنطقة بارادته المباشرة أو مدفوعا من جهات استثمرت طموحاته غير المدروسة جيدا، وفر فرصة ثمينة لادخال الجسد العراقي الضخم في مختبر التشريح الدولي هذا وتحديدا الامريكي الذي تقف وراءه مخططات كبرى لتغيير وجه هذا البلد ذي الاهمية الكبيرة.

واذا ماكانت الحرب العراقية الايرانية بداية الاستنزاف للبلدين الاساسيين في المنطقة ايران والعراق، فان حرب احتلال الكويت بداية نهاية العراق كدولة ذات سيادة وتركت للمؤامرات الدولية فرصة البدء بذلك التشريح.

وحتى يتم القضاء على اي بريق للقوة الكامنة لدى الدولة وشعبها، اتخذ قرار الحصار الجائر على العراق، حصار لم يحصل في التاريخ حرم العراق من اي ادوات للتنمية او التقدم، وجعل الشعب لاهثا لمجرد ان يبقى على قيد الحياة منعدم الفاعلية.

حتى جاء قرار الحرب في اذار مارس عام 2003 تحت ذرائع شعبية بانقاذ الناس مما هم عليه من حكم استبدادي وخسارة تاريخية للحاق بركب العالم المتقدم، وانهاء اضطهاد المكونات غير الموالية – هكذا كان تعميم الدعاية الحربية النفسية – وذرائع قانونية ناقصة صاحبتها اهانات غير مسبوقة للنظام الحاكم بمسؤوليته عن احداث 11 ايلول سبتمبر وبامتلاك اسلحة الدمار الشامل التي كان يعلن عنها علنا قبل الحرب في مستوى هابط من الامية السياسية التي تتطلب السرية والحذر وباطنية عمل الدولة المحترفة.

وهي المسوغات التي تنصل عنها كبار المسؤولين في الادارة الامريكية مثل كونداليزا ريس وجورج تينيت وكولن باول في مذكراتهم فضلا عن حلفاء امريكا كما يرد في مذكرات رئيس الوزراء البريطاني الاسبق غوردن براون الذي شغل منصب وزير المالية اثناء الغزو الذي انكر اي تنسيق رسمي بالوثائق بين الولايات المتحدة والحكومة البريطانية مؤكدا أن (البنتاغون) كان على علم بأن “بغداد” لا تملك أسلحة الدمار الشامل ولم يُبلغ “لندن” بذلك.

الدعاية واوهام البدائل

ليس مهما الاشارة هنا الى غزو الكويت وضرب ما سمي بالتضامن العربي وتفاصيله وتبريراته السطحية، لكنه اعطى مبررا تاريخيا خطيرا بدخول الولايات المتحدة بكل اسلحتها الى المنطقة او ما سمي استراتيجيا بدخول المياه الدافئة، التي على حد تعبير وزير الخارجية الاسبق هنري كيسنجر ”لا يمكن للولايات المتحدة دخول المنطقة الا بتحقيق مستحيلين الاول حرب عربية عربية في المنطقة، ونهاية الاتحاد السوفيتي كقوة موازية ” في تقرير شهير له عن دخول الولايات المتحدة لمنطقة المياه الدافئة، واخير حقق صدام حسين وغورباتشوف هذين المستحيلين. واصبحت امريكا مدعوة من بلد عربي ضحية لضرب بلد عربي اخر المعتدي.

وبذلك تختصر الاحداث ليصبح العراق اعتبارا من 20 آذار 2003، بلدا بلا ذات ولا سيادة تتلاعب به طموحات احزاب المعارضة العراقية متعددة الولاء للخارج فاقدة القوة واغلب منتسبيها من الضحايا الهاربين، وتصديق قسري او ذاتي بان ما يأتي بعد الحرب اهون بكثير مما قلبها، وبين تردد شعبي ومخاوف من تبعات الحرب التي ترى العراق ميتا في الحالتين الحرب او بدونها وان ما يحدث هو (ترجيح لمرض السرطان على مرض السكتة القلبية!) على حد معارضين رفضوا مباركة الحرب حينذاك.

وتشتت الرؤى السياسية بين تحرير العراق في الاعلام واحتلال العراق حسب القرار الدولي الذي استحصلته الولايات المتحدة من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1483، الذي اعتمد في 22 مايو 200، لتغطي على خروجها عن قراراته وشنها الحرب دون موافقته واحراج مناوئيها من العراقيين الذي روجوا بان ما يحصل تحرير وليس احتلالا.

في ظل هذه الخارطة الملتهبة من الاحداث والانتكاسات والخوف من ابتلاع النيران كل ما تبقى من امل للعراق في القوة والتحصين واعادة عجلة التنمية، كانت هناك آمال شعبوية عامة بان من سياتون من العراقيين يمكن ان يحتووا المخاطر بتعويضهم فقدان العراقيين الامل في حياة معقولة بين دول المنطقة على اقل تقدير.

العراق بين جنايتين

لكن ما حصل هو انتقال العراق من جناية الدكتاتورية التي اوصلت العراق الى تسليمه منهكا مكبلا ضعيفا الى قوى الهيمنة الدولية، الى جناية الديمقراطية التي جاءت بنصوص مغرية في عناوينها خطيرة سامة في تفاصيلها، فالدستور الدائم واللانتخابات والتبادل السلمي للسلطة والمؤسسات المستقلة وسلطة القضاء وتطهير الجيش من الطارئين على كفاءاته واعادة عجلة الاعمار والتنمية وخضوع العراق لقانون الاحزاب وانهاء العقوبات واسقاط الديون، ووعود اخرى كثيرة لم يبق منها سوى طرائف متناثرة على السن جيل الحرب وجيل مابعدها.

بعد ان عاث الحاكم المدني الامريكي بول بريمر بالعراق فسادا حيث حُل الجيش وفتحت الحدود وتغولت التيارات الدينية على السلطة لتحكم بعقائد متناقضة حسب ميولوها ومناهجها وتبعياتها الفكرية والخارجية، لتغيب تبعية المصلحة الوطنية العليا في ظل ذلك الافتراس، بلد مشوه الخارطة، من اقاليم هي اقليم واحد بموازاة الدولة ودستور انتقامي معبأ بالفخاخ، واستغلال حتى لقضايا الشعب العادلة وحروبه ضد الارهاب الذي اخترق البلاد وكاد ان يبطش بها الى دهور طويلة، حتى هذه الدماء استغلت وتم حصد المكاسب السياسية والمالية باسمها.

ستة انتخابات للدستور والجمعية الوطنية وثلاثة برلمانات وسبع حكومات اثنتان موقتتان وواحده لدورتين وثلاثة اخرى، لتتغول الدول المحيطة في المنطقة على العراق بنفوذ ايراني ونفوذ تركي وتاثير خليجي، امام رقابة امريكا التي انسحبت ولم تنسحب، ليبقى العراق الدولة الوحيدة التي لا تعرف هويتها، هل هي دولة دينية ام علمانية اقتصاد حر ام اقتصاد مركزي؟ هل امريكا صديقة تعيننا على حرب الاقوياء ام عدوة علينا محاربتها؟ من هو الاقوى الجيش ام الجماعات المسلحة ؟، هل الميلشيات شرعية ضمن الدولة تتقاضى رواتبها منها؟، ام انه متمردة على الدولة لا تنسق معها ولا تعنيها سيادتها؟، من هم الحاكمون ومن هم المحكومون؟ هل الحكم للشيعة الذين يسقط ابناؤهم برصاص قادتهم؟، ام للسنة الذين تمتليء مخيمات النازحين بهم؟ ام للاكراد الذين يحسدون على ما هم عليه فيما يعانون من سلطة العشيرة الواحدة على مقدرات الدولة.

وأخيراً هل خسرت أميركا في العراق كما خسر الشعب فرصته في ظل الديمقراطية (العراق- امريكية) كما خسرها في ظل الديكتاتورية؟ أم انها ربحت هي والقوى التي تقف خلفها، وهي ترى بلدا يقتل فيه العلماء وأصحاب الرأي والصحفيين مفضوحاً في تقارير المؤسسات الدولية كاعلى رقم في مستويات الفساد وانتهاك حقوق الانسان ويشهد اسوا مرحلة في مستوى التعليم والصناعة والزراعة وهجرة الكفاءات وفوضى السياسة والسلاح وافراغ المناصب العليا من اهميتها وتاثيرها. ثري في الاحصاءات فقير في الواقع، تواجهه مخاطر تشبه الكوابيس من الضياع وربما الذهاب الى مصائر أخطر بكثير مما هي عليه الان.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق