أخطرُ ما في الدولة حين يرى جميع الفرقاء فيها أنهم على حق وفوق القانون مهما فعلوا. وانهم جاهزون لاسترداد حق أو حفاظ على مكتسب بأي ثمن.

وظيفة الصوت الثالث هي ان يُقنع من يرى نفسه على حقّ بانه على باطل من اجل مصلحة الجميع. وهي وظيفة معقدة في كونها تفضي بالنزاعات الى نتائج لا خاسر فيها ولا ضرر على المصالح العامة.

وأهمية دور الصوت الثالث في الحروب والنزاعات والسياسة والاقتصاد والمعاملات التجارية وحتى في الخلافات الانسانية المحدودة انه يوفر لمن يجنح للسلام حفظ ماء الوجه، ولمن يريد التراجع مبدأ فضيلة الاعتراف، ولمن يرمي السلاح قيم الاخوة والعدل والتسامح، ولمن يريد أمن الوطن، استتباب السلم الاجتماعي دون المساس باي من المتنافسين والاهم من ذلك يوفر للمخطئ والموهوم ان ما جرى تجاوَز الحدود.

مشكلة العراقيين في جميع مراحل الدولة العراقية، انهم عادة ما يعدمون الصوت الثالث في اول مراحل النزاع الداخلي والخارجي. فيجد الجميع انفسهم على حق يدفعون كلهم دماء واموالا وتعطيلا للحياة مقابل مكاسب شكلية افتراضية لا تعني شيئا. خارجين منهكين محطّ عطف او تدخل الدول الاخرى لحمايتهم من بعضهم وتوجيه جهودهم كمقابل لذلك.

من هو الصوت الثالث، ليس بالضرورة ان يكون الصوت الثالث دولة اجنبية. أو راعي وداعم، او قيم احترام الناس والخوف على حياتهم، بل ربما يكون صحفيا مخلصا، او صورة مؤثرة تحرك الراي العام، او اية ذريعة تتمسك بها الجهات المتنازعة بوصفها سببا حاسما لايقاف الحرب.

لكن اهم انواع الصوت الثالث هو التاريخ نفسه، التاريخ الذي تعلم منه الفرسان الخالدون وتجاهله الحمقى الموهومون، فكان عونا لأولئك، وسخرية من هؤلاء.

التاريخ هذا منجم للاعتدال، لاسيما بعد حروب القرن العشرين الابادية الدموية التي صُنعت لعيونها الاسلحة والادوات الفتاكة، وتطورت اليوم الى الاسلحة الذكية ونظام الاتصالات المعقد العجيب، هذا المنجم اليوم سيقول لك، (لا توجد حرب تفضي الى نتيجة) ولذلك لن تجد دولتين مجازتين كدول من الامم المتحدة يتحاربان مباشرة، لا توجد دولة تحارب دولة بعد اليوم، شكل الحروب تغير الى الحروب بالنيابة، متمثلة بتحريك الجماعات واستخدام الانظمة في المواجهة مع شعوبها، كما اصبح البحث عن عناصر الفناء والشر داخل العقيدة الواحدة وتغذية الخلافات والتعددية داخل المجتمع الواحد من مستلزمات حروب المستقبل الغامضة.

هذا يعني ان اي تورط في حرب داخلية انما هو انتحار. او محاولة انتحار نتيجتها العوق الابدي. لاسيما ونحن نستعيد من القرن الماضي (حرب الكوريتين الشقيقتين واليمنين الشقيقتين والقبرصين الشقيقتين ودولتي العراق والكويت الشقيقتين، أو العراق وايران الصديقتين، ونتأمل ملايين القتلى واهدار ثروات التنمية في حروب فاشلة تافهة حرّكتها العقائد وصناعة الضغائن والمصالح الاجنبية… قبل ان أختم موضوعي الذي انتهى، لات فرطوا بالصوت الثالث، واعيدوا قراءة المقال.

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق