الأذنان اللتان ظهرتا في الصورة وهدّد المسلحون في الشوارعِ بقطعِها، ليستا أذنَي مصطفى الكاظمي، بل أذنا الدولة العراقية متمثلة برئيس وزرائها الرسمي الذي لم يكنْ يصلُ رئاسةَ الوزراء لولا الرافعةُ الشيعية المكلفةُ بايصالِ المرشّحين الى هذا المنصب.

فالكاظمي ليسَ مسؤولا عن احتلال العراق ولا نفوذ ايران ولا نهبِ البلاد ولا غيابِ التنمية ولا مزابل الثمانية عشر عاماً، ولا استشراء الفساد ولا انشاء الميلشيات ولا تدمير الموصل.

الكاظمي لحد 2014 شاب يبحث عن دور ما وفرصة مناسبة فجاءته مثلَ طير السعد الذي حط في ظروف غامضة مرتين متتاليتين على رأسه. ليجدَ نفسَهُ فجاة على رأس أعقد دائرةٍ أمنية في الدولة، ثم رئيساً لكل من عرفهم سابقاً، وكانوا أقوى منه وأكثر منه حضوراً ومالاً وسلاحاً وحواضنَ حزبية.

يمكنُ أنْ يكونَ هذا مبهِجاً لكنه مفزعٌ أيضا!، كيف يمكنُ قيادةُ هؤلاء والتفاهمُ معهم؟، فرئيسُ الوزراء في العراق وأي مسؤول لا ينشغلُ اليوم بمشاكلِ الدولةِ الفعلية، بقدْر ما يبحثُ عن إجابةٍ للسؤال الأزلي: كيف أتفاهمُ مع هؤلاء؟ وللأسف حتى الآن لا يستطيعُ الرجل الأجابةَ رغم المؤسساتِ الكبيرة الواسعةِ في الأمن والاقتصاد وشؤونِ البلادِ والعباد التي تحتَ قيادته، لايجرؤ على ردعِ فلان فبيدِه كلُّ شيء، ويترددُ في معاقبةِ علاّن لأنّ بيدِه كلّ شيء أيضا. يحاولُ أن يُبرزَ مدنيتَه وثقافيتَه وحسنَ أخلاقه، فيبدو كمنْ يقرأ نشيداً أمام كواسرَ تُطلق النار! لايثأر من أحد لأي أحد، يهدد بعدم التهديد مكتفيا بدم الضحايا.

وكأي رئيسِ وزراء عراقي يفهمُ الفيلم مضبوط بعدَ شهرٍ أو شهرين من تسنّمه المنصب، فيبدأ بتجنّب الشر، وكلّما حدثتْ كارثةْ أو جريمة أو عدوانْ قال: دفع اللهُ ماكانَ أعظم!.

الناس المتعطشةُ للحلول بسببِ آمالها المتورمة، تتوهّم أن من يأتي بديلاً لمن سبقَه سيأتي بالمعجزة العراقية .. ثم يتبيّنُ أنّه من أهل الله الاصليين الذين لاحول لهم ولا قوة، لا أعرف، وانا أصف الموقف بهذه المرارة، ارى أن مشكلة العراق والدولة والهيبة والمؤسسات الملفقة

والهياكل المحتالة على الدولة أكبر بكثير من أحلامِ الكاظمي ودفترِ ملاحظاتِه لادارةِ ملفاتها.كلّما حرك الرجلُ بيدقاً على الرقعة ولمّح لنجاحٍ داخلي أو خارجي عمليا كانَ أم رمزياً، شنّت الضباعُ هجوماً على بيدقِه فأكلته وأحرجَت اللاعبَ الذي حرّكَه.

مشكلة فعلا، نحيطُها بالتحليل تارة وبالدراسة المعمّقة أو الندوات والإحصاءات والحمولات تارةً أخرى، لكنّ خيوطَ اللعبة كلَها أصبحت واضحة تماماً، ويمكنُ لأي مواطنٍ اعتيادي حتى وإن كان غير متعلمٍ، يشرح لك بعلميّة ومنطق وتحليل كيف تمشي الأمور في الدولة العراقية، وماهي مراكزُ النفوذ التي تحرّكها بل يعطيك الحلَ أيضاً.

لكنّه للأسف حلٌ بلا حيلة ولا أدوات، حلّ ذهبي لاتنجزة الا قوة القانون وقوة الدولة وسيادتها على جميع مواطنيها والمقيمين على أراضيها، حتى الدم الذي دفعه الشباب قرباناً لهذا الحل لم يلقَ احتراما لدى صناع القرار. الذينَ رمَوا كلّ مشاكل الدولة وثعابينها في سلّة الكاظمي، ووضعوه في دائرة الإتهام والخطر لمجرّد أن يقلقوه ويرهبوه! بل راح بعضهم يتجرأ على شخصه، فيما يمثلّ شخصُه ارادتَهم حصرياً.

ليجعلوه محرَجاً وهو الذي جاء بنصفِ حكومة ونصفِ ولاية ونصف امكانيات ونصف صلاحيات، مثله مثل اي مواطن يعاني من التهديد ويرسل رسائل ايجابية امام اوضاع متوترة .. بأنْ لا أحدَ يمكنُ أن يهدّدَ الدولة َبالسلاح، ولا أحد يمكن أنْ يقطع آذانَ الدولة، وأنّ مهمتي هي اجراء الانتخابات التي اتفقتم عليها، لاقول لكم بعد انجازها: هذه حكومتكم رُدّت اليكم، العبوا بها ماتشاءون.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق