قد لا تختلف حياتهما الخارجية كثيرا. احدهما درامي اشتهر بالذكاء واللباقة، اما الآخر فهو فيلسوف انعزالي عاش وكتب في غموض نسبي، ولكن بالنتيجة والى مدى معين، كل منهما إعتقد بنفسه كشاعر. كلاهما ايضا، وبطريقتهما الخاصة، اهتمّا بتأسيس فلسفة تقوم على فن الحياة، ملتفتين الى اليونان القديمة في مُثلهما الجمالية، واعتبرا فرنسا المعاصرة هي الوريث لتعقيديتها الحسية.

كلاهما وبسبب طبيعتهما التحريضية منذ الولادة، كانا مثيران وبلا مهادنة للتمرد الثقافي واحتفظا بنقدهما المدمر لـ "مواطني البلد". رغم معاصرتهما، كانا غير واعين ببعضهما البعض، لكنهما كلاهما جاء بشخصية ملتهبة وأقوالا تجسّد التوترات والخصومات التي كانت سائدة في اوربا في نهاية القرن (نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين).

في الأدب، يميل المحتوى لإملاء الشكل، لذا كان من اللافت ان يعبّر وايلد ونيتشة عن نفسيهما بطراز مشابه: الأمثال، القصائد، الأقوال المأثورة. هذه الأشكال كانت قد اختُرعت عمليا من جانب فلاسفة ما قبل سقراط في اليونان، واُتقنت من جانب الأخلاقيين الفرنسيين. الأفكار الواسعة يمكن حملها مكثفة في هذه الأوعية التي تبدو (احتيالا) خفيفة.

كذلك، بلاغتهما التعبيرية ضمنت ان يبقيا في الذاكرة: "ايّ كان من يكتب بدم وتذوّق لا يريد ان يُقرأ وانما لكي يُتعلّم بالقلب. في الجبال، أقصر طريق هو من القمة الى القمة: ولكن هنا يجب على المرء ان تكون لديه سيقان طويلة. الأقوال المأثورة يجب ان تكون قمماً، كما يذكر نيتشة في (هكذا تكلم زرادشت) وفي افول الاصنام (Twilight of the Idols): "الأمثال التي انا الاستاذ الاول بها بين الألمان، هي اشكال من "الخلود"، طموحي هو ان أقول في عشر جمل ما يقوله اي شخص آخر في كتاب و ما لا يقوله اي شخص في كتاب".

كإسلوبي، أدرك نيتشة انه كان جيدا لدرجة أفسد أذواق قرّائه، طالما هم لا يمكنهم الاستمتاع بأي أحد بعده، وانه الى جانب الشاعر هين (Heine)، سيُعتبر أعظم اسلوبي في اللغة الألمانية (الأخير أضاف غوتة لهذه القائمة الحصرية). وايلد ايضا إعترف بهذا التقييم العالي لنفسه، في جواب شهير له لمسؤول الجمارك في الولايات المتحدة، "هل لديك شيء غير مسموح به؟" كان جوابه "فقط عبقريتي". في رسالة مطوله له من السجن، وصف وايلد أعمال حياته: "انا لخّصت كل الأنظمة في جملة والوجود في قصيدة". لكن الشيء المذهل هو مدى التشابه تقريبا بين بعض قصائد وايلد ونيتشة، أغلبها يمكن استخدامها بشكل متبادل شكلا وجوهرا. فمثلا:

ما لا تحطّمه النيران تقوّيه. (وايلد)

ما لا يقتلني يجعلني أقوى. (نيتشة)

الحقيقة البسيطة هي التي لا يكمن بها الشك. (نيتشة)

الحقيقة نادرا ما تكون صافية ولن تكون بسيطة ابدا. (وايلد)

الرأي العام يوجد فقط عندما لاتوجد هناك افكار. (وايلد)

لكي أقولها مرة اخرى، الآراء العامة، كسل خاص. (نيتشة)

نحن نمتلك فنا لكي لا نهلك من الحقيقة. (نيتشة)

قول الأشياء الجميلة وغير الصحيحة هو الهدف الملائم للفن. (وايلد)

الضمير والخوف هما حقا نفس الشيء. (وايلد)

لا ترتكب الجبن كرد فعل لعمل احد ما، لا تتركه يندفع الى الامام. لدغة الضمير غير لائقة. (نيتشة)

الإستياء هو أول خطوة في تقدّم الانسان او الامة. (وايلد)

كل تقدّم عظيم يجب ان يسبقه قليل من الضعف. (نيتشة)

هذه الكلمات الثقيلة اُلقيت برشاقة، لم يُقصد بها كثيرا إظهار الكاتب كما لو انه يؤسس قناعا. "persona" تعني حرفيا (صوت من خلال) حيث ان per تعني "خلال" و sona تعني "صوت" لأن الممثلين اليونانيين تكلموا من خلال قناع. في حواره الافلاطوني (النقد كفنان) يكتب وايلد "اعط الرجل قناعا وهو سوف يخبرك الحقيقة". نيتشه ايضا يعترف، "كل روح عميقة تحتاج قناع" و "الحديث الكثير عن شخص ما يمكن ان يكون ايضا وسيلة لإخفاءه ".

من المدهش، ما يبدو من شخصيتين متفاوتتين جسّدهما وايلد ونيتشة خرجتا الى العالم لتوضيح فلسفات متماسكة (وان كانت رخوة). غير ان هاتين الشخصيتين المزدحمتين يشتركان بعدة مزايا رئيسية:

الاسلوب Style

أحد المبادئ المركزية التي تمحور حولها كل من وايلد ونيتشة كان أهمية الاسلوب. في مثل بعنوان "شيء واحد ضروري"، يعلن نيتشة استراتيجيته: "ان تعطي اسلوب لشخصية ما – فن عظيم ونادر، يمارسه ليفحص كل ما تجسّده طبيعته من قوة وضعف ومن ثم يصوغها بخطة فنية حتى يظهر كل شيء كفن وفكر، وحتى الضعف سيسر العين".

لكي يكيّفا شخصيتهما المتعددة الأبعاد، كلاهما وظّفا اسلوب متعدد الابعاد، يشجع منتقديهما للاشارة اليهما كتباين كبير لأعظم كاتبين. بالضد من القانون الاخلاقي الالزامي، انهما ولأسباب اسلوبية كلاهما استعارا الرعد والايقاعات الانجيلية، نيتشة في زرادشت، ووايلد في سالوم، مكيّفان عبارات دينية لتناسب مزاجهما الغريب. من الجدير ملاحظة انهما كلاهما آمنا بافراط بالرؤى العالية عن أعمالهما. وايلد كان اكثر فخرا بسالوم (هذه القطعة اللامعة التي كتبتها في مزاج غريب) من أي مسرحية اخرى، ونيتشة أعلن وبلا شك ان زرادشت "أعظم هدية للبشرية".

كشخصيتين اسلوبيتين محترفتين، هما كلاهما كتبا جيدا لمصلحتهما سامحين لنفسيهما ليكونا منزعجين بموسيقاهما الخاصة المثيرة عاطفيا وكلامهما المطوّل. كانا في انسجام عال مع موسيقية الكلمات، هما في اوقات معينة ربما سمحا للاسلوب في إملاء المحتوى، او في إخفاء الجوهر. في رسالة كُتبت عام 1884 لصديق قديم، ارن روهد Erwin Rohde، يعترف نيتشة، "اسلوبي رقصة، انه يعزف مع كل انواع التشابهات، فقط ليقفز فوقها ويستهزئ بها. هذا ينطبق حتى على اختيار الحروف المتحركة".

ان نقد الروائي الفرنسي غيد Gide لإسلوب وايلد ربما ايضا ينطبق على نيتشة: "لمعان السطح يجعل ذهننا يفقد الرؤية للعواطف الاساسية العميقة". اما برنارد شو فقد وافق على هذه العواطف بشأن وايلد، مجريا القليل من التعديل عليها: "كان وايلد محبا جدا للاسلوب، لدرجة انه لم يدرك الخطر ابدا في التعبير باسلوب اكثر مما تتحمل قضيته". نيتشة أطلق اتجاهه (العلم المرح). انه رؤية عالمية في تمجيد رقة القلب او الروح (ذكاء ظريف).

اشترك وايلد في هذه الفلسفة المرحة التي حرضت على الوفرة والابتهاج وادامة الروح العالية المرح. (نيتشة كان يكره ايضا المرح الشيطاني الخبيث). هما كلاهما احتفظا بدرجة عالية من القدرات الطفولية للدهشة، المرح، والايمان بالمستحيل. هذا تأكد في العديد من اقوال وايلد وشخصيته السعيدة بعدم النضج الصبياني، بنفس مقدار ما كان في قصصه القصيرة الساحرة للاطفال. الشاعر الارجنتيني والمؤلف Jorges Luis Borges تحدث عن "البراءة المنيعة" لوايلد. وفي ما وراء الخير والشر يعرّف نيتشة الرجولة الناضجة بـ " اعادة اكتشاف الجدّية التي امتلكها المرء كطفل في مسرحية". الى جانب البراءة، "براءة" نيتشة ووايلد ايضا مثلت لامبالاة وعدم احترام، احساس بالمرح واجازة للسخرية. "ليس بالغضب، وانما بالضحك، نحن نمرح. تعال، دعنا نُفرح روح الجاذبية" (هكذا تكلم زرادشت). في النهاية، جوابهما للمشاكل العميقة كان اسلوبيا: الجمالي فوق الاخلاق. لتحقيق هذا، هما عادة وجدا من الضروري العودة الى سطح الاشياء.

عالم الظهور

فوق كل ذلك، كان نيتشة ووايلد محبين عظيمين للحياة، من المفارقة التاريخية لليونانيين هي في عبادتهم للشمس كقوة للحياة وفلسفتهم المفرطة في الحيوية المشبعة حسيا بهذه الروحانيات الدنيوية. كذلك، في ايمانهم العميق بحكمة الجسد وحيث رددوا الحكمة اليونانية القديمة في اعتماد الذهن الصحي على جسم صحي: "اولئك اليونانيون، عرفوا كيف يعيشوا. ما كان مطلوبا هو الوقوف بشجاعة عند السطح، عند الجلد، المظهر الذهبي، الايمان بالاشكال، بالنغمات، بالكلمات، في المظهر الكلي للاولمب. اولئك اليونانيون كانوا سطحيين في انطلاقهم من العمق"(1). هذا ليس حماس شعري لوايلد، وانما حماس الفيلسوف نيتشة. بالطبع، هذه ايضا نفس الفلسفة الجمالية التي تبنّاها وايلد: "الناس الضحلين فقط هم من لا يحكموا بواسطة الظهور"(صورة دوريان غراي)(2). كذلك، الصقل والذوق جرى تمجيدهما: يقول نيتشة في هكذا تكلم زرادشت "كل الحياة هي صراع حول الذوق والتذوق". مثل هذه الجمالية لم تكن فقط تفسيرا للحياة، وانما فلسفة للحياة.

نيتشة ووايلد ربما كانا "سطحية من العمق" ولكن بطريقة اخرى، لو اعتبرنا ان تفضيلهما للظهور تأثر بنقد كانط الذي جاء في نقد العقل الخالص(1781). طبقا لهذا المذهب، نحن لانعرف ابدا الاشياء كما هي، وانما فقط كما تبدو لنا. في هذا السياق، موقفهما في الوقوف بشجاعة على السطح قد يبدو حكيما.

وعلى مستوى آخر، طبقا لدراسة الاكسندر نيهام Alexander Nehama عن نيتشة (الحياة كأدب)، كشفت ان جمالية نيتشة انطوت على نزعة ينظر فيها للعالم عموما كعمل فني، وكنص أدبي بالذات، تشغله شخصيات ادبية، بما فيها هو ذاته. قراءة وكتابة الكلمات، بالاضافة الى ما تعلّمه من الكتب والجدال معها. يكتب نيهام، "استعماله وتأكيده على الاسلوب هو ذاته جزء من جهوده لتجاهل الفرق بين الشكل والمضمون في الحياة وكذلك في الكتابة".

دمج الحياة مع الادب كان الطبيعة الثانية لوايلد ايضا، الذي اعترف بها علناً لكي يؤدي حياته. هو شعر ان الحياة فنا مقلّدا اكثر من ان تكون العكس، وقال لاندريه غيد Andre Gide، "حياتي تشبه عمل الفن". وايلد اعترف في من الاعماق (De Profundis): "انا تعاملت مع الفن كواقع أسمى والحياة كمجرد طريقة للخيال". او، كما ذكر في (الناقد كفنان)، "عندما يتصرف الانسان، فهو دمية. وعندما يصف، فهو شاعر". هناك الكثير من نيتشة ضمن هذا الكون اللفظي يؤكد سيادة اللغة، مستعيدا السلطة من المصير من خلال التعبير البليغ والواضح.

في نيتشة نحن لدينا الفيلسوف كفنان اداء، يتصل من خلال النكات، الألغاز، الامثال، القصائد، الأغاني او الأقوال المأثورة. في وايلد، هناك الفنان مؤديا فيلسوف، كونه جعل "الفن فلسفة والفلسفة فنا" كما كتب في (من الاعماق)، او في الثناء الفخم غير المعهود لجورج برنادشو، " بمعنى معين، السيد وايلد بالنسبة لي هو الكاتب المسرحي الشمولي الوحيد. هو يعمل مع كل شيء: مع الفلسفة، مع الدراما، مع الممثلين والمشاهدين، مع كل المسرح "نشرة يوم السبت، reviewing wild’s An Ideal Husband، 12جنوري 1895". بعد وفاة وايلد كتب صديقه ماكس بيربوم: "هو جاء كمفكر، ناسج للافكار.. بناء مسرحي، احساس بالاثار المسرحية، كان كل ذلك بفطرته"(مراجعة السبت، 8 ديسمبر، 1900)

الصراعات الشخصية

في كلا الرجلين كان التناقض بين الحقيقة الخاصة والمظهر العام واضحا. وراء الاسلوب، كانت هناك صراعات ذاتية وذبول في الشخصية. اعترف نيتشة "انا في ساحة المعركة كجسم وروح اكثر مما ككائن بشري". وايلد ايضا كان مليئا بالدوافع المتصارعة. مع ذلك، اذا كان هناك ضعف بنيوي في تفكير وايلد او نيتشة، فهو بسبب ان صروح فلسفتهما بُنيت على المنطقة الرخوة او خط الصدع.

من المفارقة، بالرغم من شخصيتهما العنيفة، لكن كلاهما نظر الى الذات كشيء يُخشى منه وغير موثوق به، وسعيا الى تجاوز الشخصي وإذابة شخصيتهما من خلال توظيف الأقنعة. وفي عداء شديد لما كان مرتبط به بشكل عميق، استنكر نيتشة بصوت عال ما كان تجذّر به بعمق و حاز عليه بافراط: اي، الشفقة، الأسف، التقوى والاخلاق. في محادثة مع نيتشة، لاحظت سالوم Lou Salme (التي اشارت له كتوأم الروح) منذ بداية التعارف بينهما (1882) انه كان ذو طبيعة دينية. لاحقا هي كتبت، "اليوم انا اريد التأكيد على هذا التعبير مضاعفا.. نحن نشعر بذلك وانه سوف يتقدم كمدّع لدين جديد، وحيث سيكون كمنْ يجنّد الابطال ليكونوا تلاميذه".

وعن سالوم ذاتها، نيتشة ذو الاسلوب الذاتي "اللااخلاقي" يكتب في مسودة رسالة لصديقهما المزدوج بول ري: "هي اخبرتني ذاتها انها لا تمتلك اخلاقا – وانا اعتقد انها لديها، كما لدي من الاخلاق الشديدة اكثر من اي شخص اخر". نيتشة سقط في الشارع، متأثرا بانهيار عصبي، حينها بكى وذراعاه ملتفان على حصانه المتعب، كانت صورة حزينة مثيرة للشفقة. ملاحظات نيتشة اللاذعة حول الشك والضعف والمثالية، او نقده القاسي للثقافة الألمانية عامة، هي ايضا تُفهم بشكل افضل كتهديد باطني. لأنه، رغم الاستعارات الجنسية المشحونة للغاية، وإدانته لمواعظ الامتناع عن الجنس كخطيئة ضد الحياة، لكن حياته بقيت اساسا باردة جنسيا. وكذلك في جميع احتفالاته ومدحه المتكرر للرقص، هو لم يشرب ولم يرقص ابدا (رغم انه اثناء سنوات جنونه مارس شكلا انطباعيا للرقص). ككاتب اكثر سلطة من المتكلم، كلا القدرتين يبدو انصهرتا اثناء الشهور الاولى من جنونه. وبعد وقت قصير من انهياره العصبي عام 1889، كان نيتشة قد حضر في صف لطلاب الطب، احد الطلاب لاحظ، "نحن لم نسمع ابدا رجلا يتكلم بهذه الطريقة... انا شعرت بالقوة السحرية لاسلوب نيتشة لأول مرة. هو تحدّث كما لو انه كتب: جملا قصيرة مليئة بكلمات غريبة ونقائض متقنة".

التجارب مع القيم

يصف برنارد شو شهرة وايلد ومكانته بعد وفاته كشهيد: كيف كان يمكن ان يُنظر الى وايلد من قبل الأجيال القادمة لو مات قبل مأساته (فضيحته والسجن)؟. في تقييم برنارد شو، "وايلد سيبقى في الذاكرة كلبق ومدهش، وستبقى له مكانة في الدراما الى جانب المسرحي الانجليزي (كونغريف). نسخة من أمثاله ستبقى مصداقيتها شاهدة على رف المكتبة الى جانب الاخلاقي (Rochefoucauld)(3). ماذا لو مات نيتشة بدون مأساته (الموت بالجنون)؟ ذلك من الصعب معرفته، ولكن سيبقى محطما الرقم القياسي في سجلات الادب وعلم النفس، وسيبقى له مكانا الى جانب الفلاسفة الحديثين ايضا. كمتطرفين، كلاهما اعترف بان التطرف أقرب اليهما من المسار الأوسط للاعتدال الذي استعصى عليهما. او حسب كلمات نيتشة "المواقف المتطرفة لا تأتي من المواقف المعتدلة، وانما تورثها المواقف المتطرفة المضادة".

في (الرغبة بالسلطة)، هو يذكر، "السحر الذي يقاتل لمصلحتنا، عيون فينوس التي تسحر وتعمي حتى خصومنا، هو سحر التطرف، الإغراء الذي يتبنّى كل شيء متطرف.. نحن غير اخلاقيين- نحن الأكثر تطرفا". كلا الرجلين كانا مفتونين بالتطرف في هذه الطريقة، وانهما في رؤية كلا جانبي الجدال في وقت واحد، عادة يخاطران في ان يُصابا بالحول الفلسفي. النتيجة كانت وجود افكار لا تبدو فقط ملتبسة بعمق وانما مربكة ايضا.

في (شوبنهاور كمعلم)، كتب نيتشة، "انا اهتم بالفيلسوف فقط الى المدى الذي يصبح فيه قادرا على ان يكون مثالا". هذا يبرز من نصوص نيتشة ووايلد: كل واحد في طريقته غير العادية نجح في ان يخلق لنفسه مثالا مذهلا جسّد للأجيال القادمة شخصيته الغريبة والتي كانت أعماله جزءا منها. في تركيزه على وايلد كقاص موهوب ومتحدث لامع، وصفه (غيد) "أعظم مدلل.. كما هم فلاسفة اليونان، وايلد لم يكتب وانما تحدث وعاش حكمته".

بالنسبة لنيتشة، كتب الناقد جورج براندس "سؤالي الاول هو: ما قيمة هذا الرجل، هل هو مثير للاهتمام، ام لا؟ اذا كان كذلك عندئذ فان كتبه هي بدون شك تستحق المعرفة. اسئلة حول الصحيح والخطأ نادرا ما تطبّق على العوالم الفكرية العالية... نحن لسنا اطفالا نبحث عن تعليمات، وانما شكاك في البحث عن الرجال". هذا الموقف الناضج يمكن تبنّيه تجاه كلا الرجلين. بالتأكيد هما مثيران للاهتمام سواء كانا على صواب او خطأ. السؤال عن قيمتهما هو سؤال أكبر. بدون شك، نحن لانجدهما عنيفين كما كانا في أحاسيس القرن التاسع عشر، وانما في عصرنا المشكك بالمطلقات والعرضة لتعددية التفسيرات، نحن نعتبرهما معاصرين في ادراكهما لقيم تعكس قيمنا. حتى في أعمالهما المتناقضة نحن نعترف بالاعمال المدهشة والمعقدة لنفسية الانسان. وهكذا كعاملي تجديد يعيشان فينا، قبولهما يجدد قيمهما ويجعلهما على الأقل ملائمين اليوم كما كانا قبل قرن.

The Twin souls of Oscar wild&Friedrich Nietzsche, philosophy Now

...................................
الهوامش
(1) هنا هو يمتدح اليونانيين للعيش السطحي المنطلق من العمق، بمعنى، قرار ان تعيش سطحيا هو ذاته شيء عميق (مع ان العديد من الناس يعيشون بسطحية فقط لأنهم لايعرفون طريقة اخرى). نيتشة يشجع العيش السطحي – او العيش بخفة، بمرح، مثمناً الأشياء كما تبدو لنا، بدلا من ان نُثقل بالافكار والشكوك حول أنفسنا والعالم. هذا قد يبدو مفارقة طالما اعتقد نيتشة وبعمق في عدة قضايا، لكنه يرى انه بالإمكان لبعض الناس التفكير في الأشياء وبعمق لوقت قصير ثم العودة للعيش في حياة سطحية. هو يقول: انا أعتقد انه من الأحسن لك التعامل مع المشاكل العميقة كما لو كنت في حمام بارد – الدخول بسرعة والخروج منه بسرعة (TGS 381).
(2) صورة دوريان غراي هي قصة حول شاب لم يتأثر جماله بالعمر والفساد طالما وُضعت روحه في لوحته. الإنقسام في هذه الطبيعة الثنائية في دورين غراي يتعمق عندما هو يتفاعل مع باسل هالورد و لورد هنري. القصة تخبر القرّاء عن بطل الرواية، عن حياة دوريان غراي التي كانت مليئة باللااخلاقية والفساد كنتيجة للبحث عن المتعة والجمال الخارجي. دوريان غراي يحطم حياته عبر البحث فقط عن "جمال الجسم" وينتهي به الحال الى "فساد الروح"(Douglas 273).
(3) فرانكوس دي لاروشفوكولد اخلاقي فرنسي ولد عام 1613، يجسد بأفضل صورة الروح الفرنسية. أقواله وحكمه هي في الحقيقة تركز على النكات، الملاحظات او الاقتباسات الساخرة حول العواطف الانسانية والتفاهات ومآسي الانسان. احد هذه الاقتباسات الشهيرة: "هناك نوع واحد فقط للحب، لكن هناك ألف نسخة مختلفة له".
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق