ملايين العبوات الناسفة تجدها مزروعة في صفحات تاريخنا المستباح، تنفجر إذا ما تقرب منها الإنسان أو لمجرد تواصله معها بفكره عن بعد، ولذا أتجاوز الكثير منها، لكي لا أثير الغبار؛ الذي يدخل في عيون البعض ممن لا يريدون التنحي بعيدا عن مصادر القلق، فيجبرهم على البكاء، وتوجيه السباب إليَّ، ولكني أعجز بالتأكيد عن تجاوزها جميعها، لأن الكثير منها أقوى كثيرا مني، وهذه بالذات هي التي تجبرني أن اكتب ما أكتب؛ من كتابات تثير حنق البعض ممن جمدوا على حقيقة وجود العبوات، وباتوا يعدون وجودها امرأ طبيعيا.

من العبوات التي لا يمكن تجاوزها على سبيل المثال لا الحصر، قيام الخلفاء الأمويين بمطاردة وتشريد وقتل أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وقيام خلفاء الدولة العباسية بتفجير قبورهم بالمواد التي كانت المتاحة لهم يومها.

وكان الخليفة المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد، أحد هؤلاء الذين أدمنوا تفجير العبوات. قال عنه ابن خياط في تاريخه: "استُخلِفَ المتوكل، فأظهر السنة، وتكلم بها في مجلسه.. وبسط السنة، ونصر أهلها"

وقال عنه الذهبي: "وفي سنة 234 أظهر المتوكل السنة.. واستقدم المُحدثين إلى سامراء وأجزل صلاتهم فرووا أحاديث الرؤية والصفات. فكانت هذه الأحاديث أحد أسس الخلاف الإسلامي بين المذاهب.

مع التدين الظاهر للمتوكل، نجده لا يرعوي عن تفجير عبوة خطيرة أخرى بعد سنتين من تنصيبه، يوم أمر أعوانه بتفجير قبر الحسين (عليه السلام) دونا عن كل القبور الأخرى، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: "وفي سنة ست وثلاثين (236هـ) هدم المتوكل قبر الحسين (رض). فقال البسامي أبياتاً، منها:

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا

في قتله فتتبعوه رميماً

هذا العمل المشيع، دفع الذهبي، ليقول: "وكان المتوكل فيه نصب وانحراف، فهدم هذا المكان وما حوله من الدور، وأمر أن يُزرع, ومنع الناس من انتيابه. ولتأكيد خبر هدم القبر الشريف، قال ابن خلكان في الوفيات: "هكذا قاله أرباب التواريخ" وكأنه يريد أن لا يعطي المشككين فرصة إنكار هذه الجريمة.

إن العبوة المتوكلية الثانية؛ هي التي ألهمت الدواعش فلسفة التفجير على مر العصور، وهي التي ألهمت دواعش العصر؛ أبناء أولئك الدواعش التاريخيين القدماء فكرة تفجير وتدمير قبور الأنبياء والأئمة والصالحين، فلو دخل أجدادهم جحر ضب لدخلوه، حذو القذة بالقذة، يتقربون إلى ربهم بتدمير الإسلام والتطاول على رموزه الخالدة، وكما خابت مساعي أجدادهم الأولون، ولم ينجحوا في النيل من عزة الإسلام، هيهات لأحفادهم المجرمين أن ينالوا من عزة الإسلام وهيبة الرموز، فالله تعالى تعهد بالحفظ: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، هذه الآية العظيمة لا تخص القرآن الكريم وحده، فبما أنه لا (ذكر) بلا (دين) ولا دين بلا (رموز)، إذا هي إشارة إلى حفظ الرموز والدين والذكر، لكي تكتمل الحلقة، وهذا وعد الله سبحانه، والله لا يخلف وعده. به نؤمن، وبه نصدق، وبه ننتصر، وسيخيب ويخسأ من سار وراء وعد الشيطان؛ الذي وعدهم من قبل وأخلف وعده!.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0