تجددت العمليات العسكرية بين حكومة أديس أبابا و"جبهة تحرير شعب تيغراي"، وأكدت وسائل إعلام سودانية، الجمعة الماضية، عودة الاشتباكات إلى إقليم "تيغراي" شمال إثيوبيا، في حين تزداد أعداد اللاجئين بسبب الأوضاع المتوترة فيه. يشار إلى أن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، كان قد أعلن في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، توقف العمليات العسكرية التي يخوضها في إقليم تيغراي، التي بدأت في الرابع من الشهر ذاته، وعلى الرغم من ذلك، إلا أن الاشتباكات بين الطرفين لا تزال تندلع بين الحين والآخر. فقد وصل عدد اللاجئين الإثيوبيين للسودان 61 ألف لاجئ، وذلك عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و"جبهة تحرير تيغراي". وأكد موقع "سودان تربيون" أن هناك توقعات بدخول 20 ألف آخرين في الأيام المقبلة، فارين من معارك تيغراي إلى السودان.

ما يشير إلى أن جائزة نوبل التي حصل عليها رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، كانت تتعلق فقط بالعلاقات العامة لتشكيل صورة دولية حميدة، وهنا لابد من الإشارة إلى أن التكريم مفيد خلال الهجوم الأخير على تيغراي، حيث تعمدت وسائل الإعلام الغربية بشكل روتيني ذكر جائزة نوبل التي حصل عليها إلى جانب مزاعمه بإجراء "عملية تتعلق بالقانون والنظام" ضد "جبهة تحرير شعب تيغراي"، حيث تمنحه جائزة نوبل مصداقية حيوية، ودونها، يمكن رؤية أفعاله بشكل أوضح على حقيقتها، واعتبارها جرائم ضد الإنسانية، فمنذ مجيء آبي إلى السلطة، دخلت أثيوبيا في اضطرابات واشتباكات عنيفة بين مجموعاتها العرقية.

جدير بالذكر، أنه وبعد أسابيع من فوز رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد بجائزة نوبل، رفضت "جبهة تحرير شعب تيغراي" الانضمام إلى الحزب الحاكم الجديد لآبي أحمد، الذي أطلق عليه اسم "حزب الرخاء"، متذمرة مما عدته تهميشاً واستهدافاً غير عادل عبر تحقيقات في شأن الفساد. وعاد قادة جبهة تحرير شعب تيغراي إلى منطقتهم، ليتهمهم آبي أحمد بمحاولة زعزعة استقرار البلاد. وعندما قرّرت الحكومة المركزية تأجيل الانتخابات التي كان مقرّراً إجراؤها في شهر آب 2020، على خلفية فيروس كورونا على الرغم من احتجاجات المعارضة، بدون تحديد موعد جديد. قرّر إقليم تيغراي تحدّي سلطات آبي أحمد من خلال المضي في إجراء الانتخابات الخاصة به في 9 أيلول الماضي، وصنّفت أديس أبابا حكومة تيغراي بأنها غير قانونية، في حين لم يعد قادة تيغراي بدورهم يعترفون بإدارة آبي أحمد لأن ولايته انتهت. وأثار التصويت مخاوف من أن الجبهة كانت تمهد الطريق لإنشاء دولة منشقة، مع تولي البرلمان والحكومة السلطة دون موافقة الحكومة الاتحادية، لكن الجبهة أكدت إنها ملتزمة بإبقاء الإقليم داخل إثيوبيا، وأوضحت أنها ستدافع عن "الحكم الذاتي"، وتعارض ما وصفته بمحاولة آبي أحمد لبناء دولة "موحدة" قوية. ومن جهتها قرّرت الحكومة تقليص الأموال الفدرالية المخصصة للمنطقة، وهو ما عدته "جبهة تحرير شعب تيغراي" بمثابة "عمل حربي". وأدّى اشتداد القتال إلى فرار الآلاف إلى السودان المجاور، فيما طالبت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي بإنهاء القتال.

وللتذكير، فإقليم تيغراي يمثّل أحد أقاليم إثيوبيا العشرة، ويمثل سكانه نحو 6 بالمائة من مجموع سكان البلاد، الذين يتجاوز عددهم نحو 100 مليون نسمة، يتوزّعون بين نحو 80 مجموعة إثنية. وتعدّ "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" أبرز تنظيم مسلّح ظهر منذ ثمانينيات القرن المنصرم، عندما تردّت الأوضاع إبان حكم الرئيس منغستو هايلي ماريام، ذو التوجهات اليسارية، وأدّت لانتشار مجاعات ذهب ضحيتها نحو 8 ملايين من سكان البلاد. وظلّت المجموعات المسلّحة التي كانت تنتمي لقومية محدّدة تقاتل عبر عمليات صغيرة، والاستثناء الوحيد كان هو الجبهة الشعبية لتيغراي، حيث كانت أكثر تنظيماً، ولديها تحالفات خارجية أبرزها التحالف مع "الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا". وفي عام 1988، عقد مؤتمر لـ "المعارضة" داخل الأراضي السودانية، ضمّ ممثلين عن أربعة عشر تنظيماً إثيوبياً مسلّحاً، وأعلنت هذه التنظيمات أنها ستقاتل موحدة لإسقاط منغستو، وأعطيت قيادة التحالف لتيغراي، لأن قواتهم كانت الأكثر تدريباً وتسليحاً وتنظيماً.

واستمرّ التحالف يقاتل على مدى ثلاثة أعوام، وعندما اقترب من الإطاحة بمنغستو عام 1990، عقد مؤتمر لندن للمعارضة الإثيوبية برعاية أمريكية بريطانية من أجل تنظيم المجموعات المعارضة تحت لافتة واحدة، ليتفق المؤتمرون مجدداً على قيادة تيغراي للتحالف على الرغم من وجود قيادات تقليدية لمجموعات قبلية بين المشاركين إضافة للقوات العسكرية والسياسية. وبعد عدّة أشهر دخلت قوات تحالف جبهة شعوب إثيوبيا، واستولت على الحكم ونصّب تاميرات لاينه رئيساً للبلاد في 28 أيار1991، وهو من قومية التيغراي، ثم خلفه مليس زناوي في 1995، عقب إجازة دستور جمهورية إثيوبيا الفدرالية. وشغل زناوي المنصب حتى وفاته عام 2012، ما جعل التيغراي يحكمون إثيوبيا على مدى أكثر من 20 عاماً تحت راية تحالف يسيطرون على مفاصله، إضافة إلى أن مليس زناوي استطاع السيطرة على التناقضات داخل التحالف ما جعل حتى الذين يتذمّرون من سيطرة التيغراي من المجموعات الأخرى يكتمون الأمر، ولم تظهر الحالة الاحتجاجية على سيطرة التيغراي إلا بعد وفاة زناوي وانتخاب سلفه هايلي مريام ديسالين، الذي ينتمي لمجموعة تحالف شعوب جنوبي إثيوبيا.

ومن باب الإنصاف، كان استهداف رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد لـ"جبهة تحرير شعب تيغراي" مطروحاً منذ توليه السلطة قبل أكثر من عامين في الإدارات الإقليمية التسع في أثيوبيا، وعندما أصبح آبي أحمد رئيساً للوزراء في نيسان 2018، وهو أول رئيس حكومة من عرقية أورومو، الأكبر في البلاد. وباستلامه فقد التيغراي مناصب وزارية وبعض المناصب العسكرية العليا. والجدير بالذكر، أنّ "جبهة تحرير شعب تيغراي"، كانت تتمتع بنفوذ كبير في الحكم، فقام آبي أحمد بتهميش دورها وقمع سكان الإقليم وممارسة التمييز ضدهم، و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" تتكون من عدة أحزاب إقليمية ذات طبيعة عرقية، والإقليم قريب من الحدود السودانية والأريترية، وتمتلك الجبهة خبرة كبيرة في القتال نتيجة مشاركاتها في الحرب الحدودية التي استمرت سنوات بين إثيوبيا وجارتها أريتريا، وتسيطر الجبهة على القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي الذي يتكون من أربع جبهات، وتقدر المليشيات المحلية في إقليم تيغراي بنحو 250 ألف جندي، وهو ما يشكل خطراً على انقسام الجيش الإثيوبي الذي يتشكل على أسس عرقية.

أما الأسباب القريبة للصدام المثير للقلق في إثيوبيا بين الحكومة الفدرالية والحزب الحاكم في منطقة تيغراي الشمالية، حسب مصادر أثيوبية، فتعود لاشتباه أهل تيغراي في أن رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، هو شخصية حصان طروادة هدفه إضعاف الاستقلال السياسي والاقتصادي لأثيوبيا من أجل إعادة تنظيم الدولة المهمة استراتيجياً بعيداً عن الشراكة مع الصين، لتكون منفتحة على رأس المال الغربي، ومن المفارقات أنه يتهم معارضة التيغراي بالخيانة. هذه هي الخلفية الجيوسياسية لاندلاع الحرب في أثيوبيا، حيث تهدف واشنطن فصل أثيوبيا عن خطط الصين للتنمية الاقتصادية العالمية، المعروفة باسم "طريق الحرير الجديد"، لذلك إن ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان تنغمس في حرب كارثية تهدد بابتلاع القرن الأفريقي.

خلاصة الكلام: مع تمسّك طرفي الأزمة بموقفه وعدم وجود مؤشرات عن وجود أرضية مشتركة لاحتواء محتمل للأزمة، فإن الخوف من استمرار القتال يتزايد. فقد أصرّ آبي أحمد وتعهد بمواصلة القتال... ويخشى البعض أن تنزلق البلاد إلى حرب أهلية بسبب العداء الشديد بين قبائل تيغراي ورئيس الوزراء آبي أحمد الذي ينحدر من قبائل الأورومو الأكبر في إثيوبيا، وللمرة الأولى في تاريخ إثيوبيا تحدث مواجهة مسلّحة مباشرة ما بين إقليم والحكومة المركزية، وما يزيد المخاوف من أن إقليم تيغراي قد يذهب في خطوة أبعد من المواجهة، ويقرر الانفصال عن دولة إثيوبيا المركزية.

وهناك مخاوف من أن الصراع الإقليمي الذي طال أمده سيكون له عواقب وخيمة على المدنيين في إثيوبيا وفي جميع أنحاء أفريقيا، وسيتورّط جيران إثيوبيا في الصراع، ما سيخلق أزمة إنسانية في ظل أوضاع اقتصادية معقدة، وسيدفع المدنيون الذين يعيشون بالفعل في ظروف محفوفة بالمخاطر، الثمن الباهظ لما يجري.

* كاتب صحفي من المغرب

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1