الحكومة العراقية تواجه تحديات كبيرة على الصعيد الاقتصادي والمالي، فالوضع الاقتصادي ينذر بأزمة مالية حقيقية أخذت تلوح في الأفق ومنذ العام 2014، ولابد من ان تتكاف الجهود من اجل وضع خطة انقاذ اقتصادي، ونسأل ما هي التحديات التي تواجه الحكومة العراقية اقتصادياً والتي تنذر بأزمة اقتصادية ومالية كبيرة وتهدد بإفلاس الحكومة؟

التحدي الأول: انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية فسعر البرميل هوى الى اقل من 50 دولار مما ترك تداعياتها في انخفاض عائدات تصدير النفط العراقي وبالتالي تزايد عجز الموازنة العراقية لعام 2015 والى أكثر من 21 مليار دولار، وان الحكومة العراقية لديها خطة عمل وبرنامج حكومي تريد تنفيذه وعلى كافة الأصعدة الاقتصادية والامنية والسياسية وفي ظل عجز الموازنة لن تتمكن الحكومة من تنفيذ برنامجها المعلن وللفترة من عام 2014 الى 2018.

فهناك دعوات من اجل تقليص الأنفاق العام وتوقف المشاريع الاستثمارية واللجوء الى الاقتراض الخارجي والداخلي والدعوات من اجل إصدار سندات دولية واذونات خزانة من اجل تمويل جزء من العجز في الموازنة العامة.

التحدي الثاني يتمثل بمحاربة تنظيم الدولة (الإسلامية) المعروف بتنظيم داعش، فإدامة العلميات العسكرية تتطلب تمويل وإنفاق عسكري ودعم لوجستي قوي.

وفي ظل مطرقة تهاوي اسعار النفط عالميا وقلة إيرادات العراق المالية من العملة الصعبة (الدولار الأمريكي) وعجز الموازنة العامة وسندان الحرب ضد داعش ومتطلبات الأنفاق العسكري وشراء الأسلحة والطائرات وغيرها، كل ذلك جعل العراق في وضع اقتصادي مضطرب.

وفي ظل هذا الوضع الاقتصادي ولد التحدي الجديد المتمثل بارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الدينار العراقي اذ وصل الى 1400 دينار للدولار الواحد بعد ان كان 1125 دينار للدولار الواحد وارتفاع الدولار له اثار كبيرة على الداخل العراقي من خلال تأزيم الوضع الاقتصادي للمواطن العراقي ونتوقع ارتفاعات جديدة اذا لم تتخذ الحكومة اجراء عاجلة وحازمة، فالحكومة ستواجه ثالوث اقتصادي يتمثل بانخفاض اسعار النفط وزيادة العجز بالموازنة وارتفاع سعر صرف الدولار ونحن في ظل الحرب مع داعش احوج ما نكون الى وضع اقتصادي ومالي مستقر وهنا نورد أسباب نلخصها بالاتي:

أ‌. ان سعر الدولار الأمريكي أصلا شهد ارتفاعا قياسا بالعملات العالمية الأخرى اذ نجد الدولار الأمريكي ارتفع بنسبة 2,2% تجاه اليورو وارتفع بنسبة 1،2% عن الين الياباني وبنسبة 4،8 % عن الروبل الروسي وهذا الارتفاع جاء نتيجة تعافي الولايات المتحدة الامريكية من أزمتها الخاصة برفع سقف الدين التي اثرت على التصنيف الائتماني للولايات المتحدة.

ب‌. انخفاض متحصلات العراق من الدولار حيث ان ارتفاع سعر صرف الدولار عالميا ادى الى انخفاض اسعار النفط عالميا فهناك علاقة عكسية بين سعر صرف الدولار وسعر برميل النفط، وانخفاض اسعار النفط دفع الى انخفاض حجم ايرادات العراق من العملة الصعبة والذي دفع بدوره الى زيادة عجز الموازنة وتقليص الانفاق العام وهذا دفع باتجاه التأثير على الطلب الكلي داخل الاقتصاد بشقيه الاستهلاكي والاستثماري اي ولد حالة من الركود الاقتصادي.

ت‌. الركود الاقتصادي دفع بدوره الى توقف المشاريع مدعوما بارتباك الوضع الأمني بسبب الحرب ضد داعش ومثلما ادى الوضع الامني المتأزم الى النزوح والهجرة دفع أيضا الى نزوح وهجرة العملة الصعبة الى الخارج مما ولد شحة في حجم التداول بالعملة الصعبة داخل العراق بعد زيادة الطلب عليها.

ث‌. حالة عدم الثقة التي تولدت بالبيئة العراقية الامنية بسبب الحرب ضد تنظيم داعش ولد حالة من الخوف والقلق باتجاه ضرورة تامين عملة الدولار والاحتفاظ بها عن طريق خزنها بشكل شخصي لتلافي اية اوضاع غير متوقعة مستقبلا وهذه ولدت طلب متزايد باتجاه التحول نحو الدولار بل ان اغلب الموظفين سحبوا رواتبهم من خلال بطاقة (الكي كارد) بالدولار الامريكي من مكاتب الصيرفة وليس بالدينار العراقي كما هو معتاد وهذا ادى الى قلة المعروض او ثباته مقابل زيادة الطلب على الدولار.

ج‌. انخفاض أسعار النفط عالميا دفع باتجاه انخفاض حجم الاحتياطي من العملة الصعبة لدى البنك المركزي العراقي والذي يقدر بـ64 مليار دولار فقط وهذا الانخفاض في حجم الاحتياطي النقدي اثر على قدرة البنك المركزي في المحافظة على سعر صرف العملة العراقية مقابل الدولار الأمريكي فالبنك المركزي العراقي كان يحافظ على استقرار السوق من خلال مزاد بيع العملة وذلك من خلال حجم الاحتياطي الاجنبي المتراكم لديه الا انه وبسبب انخفاض الاحتياطي جعله في وضع يصعب مع الاستمرار بمزاد بيع العملة وهذا دفع باتجاه ارتفاع سعر صرف الدولار.

ح‌. ما جاء بقانون موزانة عام 2015 من تحديد حجم مبيعات البنك المركزي من العملة الصعبة بــ 75 مليون دولار يوميا مما ادى الى قلة المعروض من الدولار الامريكي في التداول. وهذا سبب ارتفاع سعر الدولار بسبب زيادة الطلب عليه وقلة المعروض منه.

خ‌. قيام البنك المركزي بإصدار تعليمات تقضي بفرض تأمينات ضريبية على شراء الدولار، أدى الى ان يفرض المضاربون هامش من الفوائد على الدولار المباع في المصارف وشركات الصيرفة مما اسهم برفع سعر الدولار في السوق المحلية.

د‌. المضاربون والمتنفذون والمافيات المصرفية (نخب السلطة السياسمالية) التي لها دور كبير في التأثير على حجم الكتلة الدولارية في السوق العراقية مستغلة حالة المخاوف من انخفاض حجم الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي واحتمالات إيقاف مزاد بيع العملة والوضع الأمني والاقتصادي المضطرب كلها عوامل دفعتهم إلى تحويل مبالغ كبيرة من العملة الصعبة الى خارج العراق بل ان بعض المصارف توقفت عن التسديد بالدولار الأمريكي وكذلك مكاتب الصيرفة خلت من عملة الدولار وأعربوا عن امتعاضهم عن توقف البنك المركزي عن تزويدهم بالدولار الأمريكي.

وعليه فان ارتفاع سعر صرف الدولار الامريكي له تداعيات سلبية كبيرة على الداخل العراقي وهذا يتطلب اجراءات عاجلة يجب ان يتخذها صانع القرار الاقتصادي ونشير هنا الى اهم الطرق التي يجب ان تنطوي عليها خطة الإنقاذ الخاصة بإيقاف تدهور انخفاض سعر صرف الدينار مقابل الدولار الامريكي وهي:

1. استمرار ضخ البنك المركزي العراقي للدولار الامريكي في السوق العراقية من اجل زيادة المعروض من الدولار الامريكي وتعليق ما جاء بقرار الموازنة العامة لعام 2015، الخاص بتحديد حجم مبيعات البنك المركزي وهذا الاجراء سيسهم حتما في زيادة المعروض من الدولار وبالتالي تلبية الطلب المتزايد عليه وذلك من خلال زيادة تداولات مزاد بيع العملة.

2. إعادة إطلاق حصص مكاتب الصيرفة من العملة الصعبة (الدولار الأمريكي) والغاء القيود المفروضة على المصارف الاهلية التي تقيد عملها.

3. نقترح اعطاء الرواتب للموظفين بالدولار الأمريكي يسهم في زيادة حجم التداول بالدولار على غالبية الشعب العراقي أفضل مما يتم تركيزه بيد قلة مالية مصرفية ومتنفذين سياسيين يقومون بتحويلها الى خارج العراق.

4. الحد قدر الإمكان من حجم التحويلات الخارجية الا لتلبية متطلبات تخص الأمن الاقتصادي العراقي أي الحد من الاستيرادات التي تعد عنصر تسريب للعملة الصعبة للخارج وهذا يجب أن يكون وفق خطة يتم وضعها من قبل البنك المركزي وبالتعاون مع المصارف الأهلية والحكومية.

5. العمل على زيادة حجم الاحتياطي النقدي العراقي من العملة الصعبة من خلال مزيد من انتاج النفط وبالتعاون مع الشركات الأجنبية من اجل الحصول على عائدات إضافية تعوض حالة انخفاض أسعار النفط وبالتالي الحصول على مزيد من الإيرادات بالعملة الصعبة.

6. الشروع وبشكل جدي من اجل الحصول على قروض سواء من المؤسسات الاقتصادية الدولية او المصارف الدولية والدول من اجل تمويل العجز في موازنة الدولة خاصة للعام القادم 2016 وبالتالي اعطاء نوع من الثقة بالوضع المالي للدولة العراقية ويحافظ على استقرارية أسواقه في الداخل وبالتالي تبديد المخاوف بشأن الضائقة المالية التي يمكن ان تتعرض لها الحكومة بسبب عجز الموازنة العامة.

7. العمل على تنويع مصادر ايرادات العراق المالية من العملة الصعبة وان لا يبقى العراق معتمدا فقط على عوائد النفط كمصدر رئيس لتمويل ميزانيته، فهناك قنوات عديدة يمكن ان تقوم الحكومة العراقية بتوظيف ما تحصل عليه من عوائد نفطية مستقبلاً في تلك القنوات ومنها الصناديق السيادية العالمية التي تدر اموال كبيرة تشكل مصادر دخل مضاف الى جانب النفط، وكذلك الدخول في اسواق المالية واسواق السندات الدولية او سوق الاقراض المصرفي متوسط الاجل وهذه ايضا تدر عوائد لابأس بها الى جانب العوائد النفطية او القيام بشراء الذهب او الدخول في اسواق العقارات الدولية او القيام بالاستثمار الاجنبي المباشر بالتالي تعد اصول انتاجية مملوكة للعراق تعمل على ادخال عوائد الى العراق كذلك اعادة النظر في السياسات الضريبية والكمركية لتأخذ دورها باعتبارها مصدر للإيرادات الى جانب النفط وبالتالي الحد قدر الامكان من عجز الموازنة للاعوام القادمة.

7. الضرب بيد من حديد لكل من يحاول الأضرار باقتصاد العراق ويعمل على خلخلة وضعه المالي والاقتصادي وخاصة المافيات المصرفية والمدعومة من قبل بعض نخب المال والسياسة الفاسدين والذين لا يهمهم سواء مصالحهم وعملياتهم المشبوه التي يبغون من وراءها إفشال الحكومة من خلال تأزيمها اقتصاديا بقصد او بدون قصد وهنا نؤكد على ضرورة قيام محكمة الخدمات المالية بدور فاعل في هذا المجال.

* باحث اقتصادي/شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4