منذ عام 2010، أن لم يكن قبل ذلك، كان من المفترض أن يكون العراق مُهيَّأ لحركات شعبية او أن يشهد حركات احتجاج واسعة، وقد بدأت تلك الحركات بالفعل بعد عام 2011، واستمرت على وتيرتها "بشكل متفاوت" حتى ما قبل انطلاق حراك تشرين في نهاية العام الماضي، وهو حراك تراكمي، يفّسر كل مشاكل السنوات التي تلت مرحلة التغيير السياسي.

ولاسيما من قبل الفئات العمرية التي لم تعاصر حقبتي النظام السياسي السابق، ومشاهد الحرب الطائفية بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003؛ مما جعلهم يتجاوزون حدود التصدع الطائفي والخطوط المذهبية والقومية، التي حكمت العراق بحقبتيه (الديكتاتورية والديمقراطية)، رافضين بذلك كل المفاهيم الايديولوجية التي عاصرتها الاجيال السابقة، والمفاهيم التي سوقتها الاحزاب السياسية إلى قواعدها الشعبية في عصر الديمقراطية، التي اصبحت بمثابة الكونترول في ضبط السلوك الشعبي، ولاسيما مع تفاقم الأزمات السياسية وعدم الاستقرار، وتنامي الإرهاب، فضلاً عن الاضطرابات الأمنية، التي أصبحت معلم من معالم الحياة اليومية للمجتمع العراقي.

لقد انفتحت تفاوتاتٌ واسعة النطاق في السنوات الماضية، السنوات التي سبقت انتفاضة تشرين، بين اغلب طبقات المجتمع، سواء بين المتعلمين تعليماً عالياً والفئات الأخرى، أو على مستوى القطاعات الأخرى، بين رأس المال والعمال، والسلطة والمجتمع، والطبقة السياسية والقواعد الشعبية؛ مما خَّلقت هوَّةً واسعةً بين طبقات المجتمع، بين الثراء الفاحش، والفقر المحدق. ولا يمكن لأيِ نقاش جاد حول العِلل السياسية التي حلَّت بالعراق بعد عام 2003 أن يتجاهل تلك الأخطاء التي وقعت بها العملية السياسية، أو تلك التي تسببت بها القوى السياسية العراقية (بقصد وبدون قصد) والأعطاب الاقتصادية التي أصابت كل طبقات المجتمع العراقي.

ولاسيما الطبقة الوسطى، التي تقاسمتها القوى السياسية بالحقن والتخدير الوظيفي، متجاهلة بذلك، دور وطموح وتطلعات الفئات العمرية القادمة، التي نشأت مابعد 2003، أو ما يمكن أن نسميها الطبقة الوسطى الجديدة "البعيدة عن الايديولوجيات الحاكمة والمفاهيم الجاهزة"، التي ترافقت والتقت مع تطلعات النخب السياسية والفكرية والاجتماعية، الساخطة على اخطاء العملية السياسية؛ مما اسهم في زيادة حجم السخط المجتمعي والشعبي العام، الذي ترافق مع كل خراب وتداعيات العملية السياسية بمراحلها المختلفة، الذي نمّىَّ بدوره من مشاعر الغضب والإحباط لدى الطبقة الوسطى الجديدة، ولاسيما تلك المشاعر المرتبطة بأصل عدم المساواة الاقتصادية وفقدان الهوية الوطنية، التي أصبحت مصدراً للتقلُّبات والتحولات الثقافية والسياسية والاجتماعية فيما بعد، وشعاراً قومياً لدى المحتجين.

لهذا ربما تكون كل مراحل تحولات مابعد 2003، هي عبارة عن بذور شعبوية، مهدت بشكل أو بأخر لانتفاضة تشرين، التي انطلقت شرارتها الأولى نهاية عام 2019، ولاسيما اذا ما عرفنا بأن الحركات الشعبوية تزدهر في مناخ عدم المساواة والاستياء من النخب السياسية لفشلها في تلبية الطموحات، وتراكم الأزمات وغياب الحلول وتنامي دور الجماعات المسلحة وتغييب حكم القانون... وتكون اكثر راديكالية في دول العالم الثالث أو في الدول المتخلفة اتجاه مفهوم الدولة والحكومات؛ لكونها تمزج ممارسة السلطة بمفاهيم ايديولوجية–ثيوقراطية، وتضيف صفة التقديس على سلوكياتها.

وعلى الرغم من أن الشعبوية تعد ظاهرة عالمية قديمة، تنامت مع الدعاية الانتخابية للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، وانتعشت مع وصوله للبيت الأبيض وخطابه السياسي، وتزامنها مع تصاعد مظاهرها السياسية في اغلب الدول الأوروبية، إلا أنها لم تكن حكراً على القارة الأوروبية والأمريكية، بل هي ظاهرة تكاد تكون متواجدة في كل شعوب العالم، وقد تنامت في أوروبا وأمريكا جراء تنامي المفاهيم السياسية الحديثة، وتغلغل السياسة الليبرالية النخبوية وسياسات العولمة في كل مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

ففي الوقت الذي استغل فيه ترامب عام 2016 تفاقم كل حالات القلق والإحباط والشكاوى القانونية التي لم تتمكن الأحزاب السياسية السائدة من تقديم حلول مقنعة لها، واستطاع أن يوظفها لدعايته الانتخابية ومكنته من البيت الابيض، فإن انتفاضة تشرين كانت بمثابة الانتفاضة التي القى بها المحتجون العراقيون كل حالات القلق والاحباط واليأس والفقر، التي تنامت عند عامة الشعب العراقي، جراء السياسات الفاشلة، التي رافقت العملية السياسية بعد عام 2003، ولاسيما مع التشوهات التي اصابت اعمدة العملية السياسية، وركائز الدولة العراقية (الدستور، الانتخابات، مفوضية الانتخابات، المؤسسة العسكرية، الحكومة، البرلمان...وغيرها).

إن خبو انتفاضة تشرين وانسحاب المعتصمين من خيم الاعتصام وساحات الاحتجاج، لا يعني انتهاء الاحتجاجات، بقدر ما ينذر بتداعيات تأجيلها أو الانتقال إلى مرحلة سياسية اخرى، قد تكون سلمية أو غير سلمية، سواء من خلال الانتخابات أو من خلال الاحتجاج والمواجهة، لاسيما في حال كانت الأولى "الانتخابات" كسابقاتها، وفشلت في تغيير التشوهات التي رافقت عملية بناء الدولة على كافة المستويات (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الأمنية)، حينها ربما لم يعد تحريك سياسة الاحتجاج والمقاومة كافياً، وربما تكون المظاهر التي تترتب عليها وخيمة جداً، فمن الخطأ النظر إلى التعصب الأعمى في الاحتجاجات الشعبوية فحسب، أو إظهارها كمجرد احتجاج اقتصادي؛ إذ يفتقر ذلك إلى فهم الحقيقة، أو غض النظر عنها لدواعِ سياسية ومكاسب اقتصادية، وأن انتفاضة تشرين هي استجابة سياسية لفشل سياسي مركب ذي أبعاد مختلفة، فشل سياسي غَيّب كل مفاهيم الدولة والمواطنة والهوية العراقية؛ لذلك كثيراً ما كان حراك تشرين قومياً في شعارته اتجاه الهوية الوطنية العراقية.

والتجارب تفيد، "إن التحركات الشعبوية، التي تفضي الى تجمعات واسعة، يجب أن تكون محترزة من استدراجها الى مستنقع الاقتتال البيني، ومن ذلك ان خطاب دونالد ترامب في حملته الرئاسية، وحمله بشائر الشعبوية اليمينية، صاحبه التحذيرات من حرب أهلية أمريكية. وفي روسيا لاحت ملامح العنف في مطالبات تحرير الفلاحين الروس 1870. والتزم الشعبويون احتجاجات الريف الأمريكي ضد البنوك والشركات الرأسمالية. وقبل كل ذلك، كانت اثينا منبرا اعتلاه الشعبويون من أمثال "كليون"، ضد ديموقراطية اليونان النخبوية، وما خلّفتهُ من فوضى".

بالمجمل، يمكننا أن نضع الاحتجاجات العراقية أو انتفاضة تشرين في خانة الاحتجاج الشعبوي الساخط على القوى السياسية العراقية وخطط الحكومة والسياسات الفاشلة، وهي احتجاجات معبرة عن مطالب الطبقات الفقيرة، الداعية إلى تحسين الاوضاع بمختلف جوانبها، شبيه بحركة اصحاب الستر الصفراء في فرنسا التي شاركت بها الطبقة الوسطى ايضاً، ويرى اكثر المتخصصين ان الشعبوية العراقية سوف تكون صاحبة الدور في صياغة المرحلة القادمة في تعزيز المسار الديمقراطي، والتأسيس لنظام وظيفي واجتماعي واقتصادي، يستعيد الثقة بين الجماهير والسلطة، وأن فشل هذا المسار، بموازاة فشل القوى السياسية في إعادة بناء نفسها والمتغيرات الجديدة، سيضعنا أمام سيناريوهات خطيرة جداً، ولاسيما مع ديمومة حركة الاحتجاج بشكل مستمر، وتزامنها مع الظروف الراهنة بشكل عام.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2020
www.fcdrs.com

اضف تعليق