لا يمكن لنظرية السيادة الوطنية ان تهبط من قصرها العالي في المخيال الرسمي والشعبي الى ارض الواقع المضطرب، لأنها رهينة للتدخلات الخارجية بشكل غير مسبوق، كما ان السيادة الخارجية على ارض العراق لا يمكن لها ان تتحقق بشكل كامل حتى لو انفقت الدول الأخرى جميع اقتصادها للسيطرة على هذا البلد.

قبل أيام هددت الولايات المتحدة الأميركية بغلق سفارتها في بغداد، ونقل اعمالها الدبلوماسية والعسكرية الى أربيل شمالي العراق، وبالفعل سرعت من وتيرة اعمال بناء قنصليتها هناك التي تعد الأكبر في الشرق الأوسط، واثيرت ضجة سياسية وإعلامية تجاه الموضوع وسط مخاوف عراقية من انزلاق البلاد الى ما هو أسوأ وتعرضها للقصف العسكري من قبل الجانب الأميركي ورد الفعل المتوقع من حلفاء إيران في العراق، أي ان العراق سيتحول الى ساحة حرب فعلية.

المعلومات والتحليلات تشير الى صعوبة نقل السفارة الأميركية وتركها بغداد، كما تشير أيضا الى صعوبة بقائها وأداء عملها بالشكل الذي ترغبه الولايات المتحدة الأميركية، فان انتقلت الى خارج بغداد ستفقد السيطرة ويتحول العراق الى محمية إيرانية بشكل رسمي مع تعرضها المستمر للقصف، وان ابقيت الأوضاع على ما هي عليه الان فهي محاصرة من كل الجهات بطوق من الفصائل المسلحة على اسوار المنطقة الخضراء مع استمرار تدفق الصواريخ بشكل شبه يومي، فحتى وان توقف القصف لعدة أيام لكن لا توجد ضمانات فعلية لتوقفه بشكل كامل.

والحال ذاته ينطبق على حلفاء إيران في العراق، لكن بصورة معكوسة، هم يعانون الامرين، انتقال السفارة الى أربيل يعني نصرا إعلاميا لهم يقابله مخاطرة بالتعرض للعقوبات والقصف الجوي بشكل يومي، وربما تدمير المقرات العسكرية كما تشير المصادر الأميركية التي حددت 120 هدفا للقصف، اما إذا أبقت السفارة على وضعها الحالي فهي تمثل خصما لا يمكن الوثوق به وبقدراته على التحكم في مسار الاحداث العراقية.

هي معادلة معقدة لا سيطرة فيها لاحد على حساب الاخر، ولا يمكن لاحد تحقيق المزيد على حساب الاخر، وكأن الطرفين يخنقان بعضهما البعض وكلما زاد الأول بالخنق قابله الثاني بنفس المستوى، لا سيادة لاحد على حساب الاخر، ولا سيادة للعراق أيضا الا في إطار محدود وهذا ما يهمنا في هذا المقال.

السيادة العراقية تتكون اليوم من مثلث كامل، كل ضلع فيه يمثل دولة معينة وحصة العراق لم تكن حصة الدولة الأولى بقدر ما كانت حصة مقتطعة من حصص الدول الأخرى، الجزء الاول فيه لسيادة الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، اذ انفقت الدولة العظمى الأولى في العالم ثلاثة ترليون دولار على العراق منذ تدخلها وغزوها للعراق عام 2003 وحتى الان، ورغم انسحابها المعلن الا ان سفارتها في بغداد تعد الأكبر في العالم، وفيها حتى منظومات صواريخ مضادة للطائرات، وهذا يعد مخالفة صريحة لقواعد العمل الدبلوماسية ويجعلها شبيهة بالمقرات العسكرية.

اما الضلع الثاني فيمثل إيران وحلفائها، فهي تدعم بشكل مباشر وغير مباشر عشرات الفصائل المسلحة العراقية، ولديها حليف موثوق في البرلمان تمثله كتلة الفتح النيابية، وقرارها يتوافق بشكل دائم مع المصلحة الإيرانية.

الضلع الثالث والاضعف يمثله العراق صاحب الأرض والشعب والموارد الاقتصادية والبشرية الكبيرة، وحكومته كما يفترض ان تكون ممثلة للشعب، لكننا نرى في كل انتخابات احاديث عن انتصار للمحور الأميركي او الإيراني او تعادلهما، كما حدث في اكثر من انتخابات، وابرزها الانتخابات الأخيرة التي سجلت كأول انتصار ساحق لإيران ضد الولايات المتحدة الأميركية، ما دفع الأخيرة لاستخدام طرق متعددة لكسر هذه الخسارة، وبالفعل استقالت حكومة عادل عبد المهدي المحسوبة على ايران، واختير مصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء الذي يوصف بانه متناغم مع المصالح الأميركية او على اقل تقدير بانه لا يعارض النفوذ الأميركي في العراق.

لا تستطيع أطراف الصراع في العراق عمل المزيد، لا تستطيع اميركا طرد الوجود الإيراني بشكل كامل، ولا تستطيع الولايات المتحدة فعل نفس الامر، كما لا يمكن للعراق التخلص من التدخلين الإيراني والأميركي، فكلاهم يحكم سيطرته على جزء من السيادة العراقية، لذلك فان الحديث عن سيادة الدولة العراقية وهيبتها مجرد وهم لا واقع له.

على الحكومة العراقية التفكير جديا بكيفية التخلص الجزئي من التدخلات الخارجية عبر خطة طويلة الأمد تستمر لعدة سنوات، وهذا يفرض وجود اتفاق بين القوى السياسية الرئيسية على برنامج موحد تسير عليه الحكومات المقبلة، أي تفعيل استراتيجية وطنية شاملة، اما البقاء على السياسيات الانية والمرتجلة، فلا نفع فيها وتزيد من التدخلات اكثر مما تنهيها لان الأطراف الدولية عندما تشعر بالخطر تعمق تدخلها من اجل حماية مصالحها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

11