آراء وافكار - مقالات الكتاب

دور اللاعنف في اعتدال النظام العالمي

قراءة في منهج اللاعنف للإمام الشيرازي

بين الفينة والأُخرى تبرز على الساحة العالمية تيارات جارفة تكتسح العالم وتجذب العطاشى من الباحثين عن الحق والحقيقة، والأمن والأمان، والكرامة والرفاه، والسعادة والسلام، وبغض النظر عن نوايا الحاملين للأفكار والأيدولوجيات، فإنَّ غالبية الشعارات المرفوعة من قِبلهم برَّاقة ولها من الجاذبية التي تمنحها القدرة لتبقى فترة من الزمن يتداولها الأفراد والأُمم، لكن بمرور الزمن وبعد أن يُكشف القناع عن حامليها وبسبب عدم ارتكازها على أساس قويم سرعان ما تندثر وتزول وتفقد بريقها وجاذبيتها.

ولقد شهد العالم المعاصر ظهور ثلاثة تيارات رئيسية من هذا النوع:

١. التيار اليساري؛ المتمثِّل بالشيوعية أو الإشتراكية أو مثيلاتها والتي كانت ترفع شعار المساواة وإنقاذ الطبقات الضعيفة.

٢. التيار الرأسمالي الغربي؛ الذي يرفع شعار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

٣. التيار (الديني)؛ الداعي إلى بسط العدل ورفع الحيف والظلم عند "الخاصة"؛ ونموذجه بعض الحكومات ذات الولاية المطلقة.

أو العودة إلى ما يُسمّى بـ (السلف) عند "العامة"؛ ونموذجه داعش والقاعدة.

ورغم الاختلاف في الدرجات إلا إنّها جميعًا واجهت مصيرًا واحدًا حيث ولّى المد الشيوعي دون رجعة، وفقد الغرب مصداقية شعاراته بسبب انحصار السلطة بيد فئة خاصة داخل حدودها، أما في خارج الحدود فإنَّ المصالح هي التي تحكم ولا أثر لتلك الشعارات، بينما جوبه التيار (الديني) بالردة والتراجع بسبب ممارسات فئة حاكمة استولت على الحكم بصعودها على أكتاف الدين دون أن تلتزم به، وقد أدّى ذلك إلى خروج الناس أفواجًا من دين الله.

وبناءً على ما سبق؛ يُطرح هذا التساؤل؛ ما هو البديل الذي يمكن أن يعيد ثقة الأفراد والأُمم بشكل عام في العالم؟، وهل بقي شيء في جعبة الإيديولوجيات لتقدِّمه؟

وبخصوص ما يرتبط بالتيار الديني القائم على ركيزة حقيقية؛ ما الجديد الذي يملكه هذا التيار في رصيده لمخاطبة الناس لإعادة المد الديني وهو يرى فرارهم من الدين؟

لا شك إنَّ الدين الإسلامي هو نفس الدين الذي جاء به رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم قبل حوالي إثنان وأربعون وأربعة مائة وألف عام، والذي جاء للناس كافة ولم يختص بأُمة دون أُخرى، كما أنه جاء خاتِمًا للديانات، ولذلك فإنّه يلبّي حاجة البشر في كل زمان ومكان، ولم يكن ليحتاج إلى تغيير أو تجديد، وليس له أن يتبدَّل أو يتحوَّل، مهما طغت عليه سلوكيات من تقمّص مقامًا ليس مقامه أوحكم باسم الدين وهو بعيد عن مبادئه.

من هنا فإنَّ البديل هو؛ تطبيق منهجه الكامل، ولقد قام الإمام السيد محمّد بن المهدي الحسيني الشيرازي بتأطير واختزال هذا المنهج في مصطلح هو مترادف مع مفردة "الإسلام"؛ ألا وهو "اللاعنف"، فطرحه كـ إيدؤولوجية عقائدية وسياسية واجتماعية ورؤية تعلو جميع الرؤى والنظريات المعاصرة وتصلح لعلاج أزمة العصر الراهن، حيث يقول: "إنّ البشر اليوم هم نفس البشر، وزماننا الراهن هو نفس الزمان بالنسبة إلى ضرورة تطبيق القوانين الإسلامية، فإذا أردنا إنهاض المسلمين وهداية غيرهم احتجنا إلى نفس منهج اللاعنف الذي ورد [بألفاظ مختلفة]؛ السلم والرفق واللين ونحوها..". (١)

وبذلك يمكن القول أنَّ نظرية "اللاعنف" بحد ذاتها تصلح أن تكون مدرسة فكرية أو تيار مستقل فتحوّلت إلى "تيار رابع" إن صح التعبير، والذي بقي مضمورًا في ظل ممارسة أصحاب التيارات الثلاثة الآنفة الذكر، ورأى النور كردة فعل لتلك الأفعال.

وبما أنها جاءت من قِبل زعيم ديني معاصر، فبإمكانها أن تعيد مجد المد الديني، خاصة في الوقت الراهن حيث الأجواء معبأة بشكلٍ ما ضد حالات التديّن، وفي نفس الوقت تصلح أن تكون بديلا عن الفراغ الحاصل نتيجة تراجع المدراس الأُخرى.

وفي هذا الصدد يقول الإمام الشيرازي: "إنَّ العولمة الغربية الرأسمالية بهذا الشكل الموجود هي كالعولمة الشرقية الشيوعية في أنها لم تؤسَّس على أُسس عقلية ومنطقية، ولا على قواعد إنسانية وأخلاقية، وأي شيء يكون كذلك لا يكتب له البقاء والخلود، وإنما يُسجّل لنفسه الزوال والسقوط، كما سجلت العولمة الشرقية الشيوعية لنفسها ذلك بعد أن فسدت وأفسدت كل شيء ثم زالت إلى غير رجعة". (٢)

من هنا؛ فإنّ طرح هذه النظرية وتبنيها لم يأتِ بطرًا أو ترفًا، أو مجرد درس في الأخلاق، وإنما كضرورة ملحّة، وكما يظهر فإنَّ الإمام الشيرازي قد وصل إلى هذا المفهوم بعد أن نظر إلى العولمتين ومآليهما، فأخذ يبحث في المفاهيم الإسلامية القائمة على العقلية والمنطقية والأخلاق والإنسانية فنظَّر معاني؛ كـ الأُخوّة والحريات والشورى والتعددية واليقظة الإسلامية، فاستنتج أنّ "اللاعنف" يختزل جميع تلك المفاهيم. (٣) ولعملية الاختزال هذه كثير من التفاصيل، حيث لو دُرست فإنّها تتطلب أكثر من ألف مجلد وكرّاس ومحاضرة، وقد تبنّاها الإمام الراحل في موسوعته الفكرية.

من هنا؛ فإنّه يُمكن القول أنّ الذي يريد أن يمارس الخطاب الديني في هذا الزمن فإنَّ السبيل الأنجح هو طرق باب "اللاعنف" وتعريفه على أنه يمثِّل روح الإسلام، وبذلك فإنَّ الطرف الآخر، سواءً من الخصوم أو غيره الذي يدّعي العلمنة والليبرالية "Secularism"، فإنّه ليس باستطاعته أن يعادي هذا الطرح، وإلّا فهو يناقض نفسه بنفسه.

وفي العالم المعاصر هنالك من سبق واتخذ من "اللاعنف" وسيلة للوصول إلى الهدف؛ كـ غاندي ومانديلا ومارتن لوثر كينغ، إلا أنَّ الأمر لم يتجاوز عندهم أكثر من كونه وسيلة للنضال وفي إطار إقليمي محدود، بيد أنَّ الإمام الشيرازي قد وسَّع المفهوم ليكون وسيلة وهدفًا في آنٍ واحد دون أن يحدِّده لمجال معين، ولم يقيّده بزمان أو مكان، كما أنه قد أرجعه إلى منبعه الأصيل حيث يقول: "يجب التمسك باللاعنف كمنهج في جميع الأمور كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرون صلوات الله عليهم أجمعين"(٤)، مما جعله مؤهلًا ليبرز على شكل تيار جارف، وبذلك فإنّه الرائد الأول في هذا المضمار.

ويستشهد الإمام الشيرازي بأهم حادثة مرّت على التأريخ على الإطلاق وأشدّها تأثيرًا على الوجود، ألا وهي حادثة الطف عام ٦١ للهجرة، حيث يرى منهجية سيد الشهداء وأبا الأحرار الإمام الحسين عليه السلام كانت قائمة على "اللاعنف" المطلق، فلو أراد الإنتصار على طريقة أصحاب السياسة والمصالح لكانت جميع الوسائل والسبل متوفرة لديه؛ كإعطاء الوعود، والمناورات السياسية، ومنع الماء عن الجيش الذي جاء لمحاصرته بقيادة الحر، والبدء بالحرب وسائر أساليب الالتواء، لكنه كان يراها أساليب غير مشروعة، فانتهج عكسها حيث سقى أفراد الجيش المعادي مع خيولهم التي كانت بمثابة معدّات عسكرية، وامتنع عن البدء بأي قتال رغم أنه لو كان يبدأ لكانت المعادلة تتغيّر لصالحه، وسائر ما قام به حتى قُتل مع أصحابه وأهل بيته وطفله الرضيع في سبيل مبادئه.(٥)

وهكذا فإنَّ الحرب التي تبرز أفضل وأسوأ ما لدى الطبيعة البشرية إلى الظهور، فإنّها قد أبرزت أسمى معاني الإنسانية من قِبل سبط نبي الإسلام فكانت ظاهرة اللاعنف، وأسوأ الصفات من جهة خصمه فكان العنف.

وفي العصر الحاضر؛ فإنّه لا دليل أقوى من ضرورة بروز هذا التيار -اللاعنفي-، إلا وضع العالم اليوم المبتلى بكل أنواع العنف؛ من الإرهاب والاستبداد والفقر، بل وحتى الوباء العالمي الأخير "كوفيد-١٩" الذي انتشر في كل أرجاء المعمورة وأدّى إلى فقدان التعاون والأمن الطبي والتنافس غير السليم بين الأقوياء وهو أيضًا من مظاهر العنف.

إنَّ نظرية "اللاعنف" قد أخذت على عاتقها معالجة مواضع الخلل من جميع الجوانب، ولم تغفل حتى عن أبسط مظاهر العنف حتى على مستوى اللسان أو القلم أورفع الشعار؛ وفي هذا الصدد يقول الإمام الشيرازي: " يلزم على الحكومة ترك مظاهر العنف حتى في الشعار، كالموت للدولة الكذائية، وما أشبه"،(٦) كما أنه يرفض العنف الرمزي كرمي الحجارة في الاحتجاجات والمظاهرات، (٧) أو حتى المقاطعة والحصار الاجتماعي، بل وينبغي أن لا يمد الإنسان يده نحو الإيذاء ولو بالنسبة إلى أقوى خصومه، ولو كان المد لرد الاعتداء مستندًا إلى قوله تعالى: "وأن تعفوا أقرب للتقوى". (٨)

ويرى الإمام الشيرازي أنَّ "العنف" هو من ثالوث التخلّف، حيث "الغرور" و"فقدان منطق اليوم" ضلعيهما الأُخريين، فالأُمة وإن ترى أنّ الحق معها وأن من يعاندها مغتصِب، إلا أنها حينما تنتهج نهج العنف فإنَّ ذلك سيؤدي بها إلى سوء التصرّف ويكون أداة هدم لبنائها. (٩)

ويتنبأ الإمام الشيرازي أنَّ المستقبل يبشر بخير، وأنَّ اللاعنف سيكون سيد الموقف، وفي هذا الصدد يقول: "لو ضغط الرأي العام العالمي على أن يبدل الرؤساء، آلة الحرب والهدم بآلة السلم والبناء، لكان للعالم اليوم وجه آخر وصورة أخرى تخلو إلى حد كبير من الفقر، والجهل، والمرض، والفوضى، والبطالة و...، وقد لا يصدِّق أحد: أن يتخلى العالم عن ترساناته العسكرية والنووية في الوقت الحاضر، لكن العقل يحكم بذلك في السنوات القادمة.. فإذا صار العقل سيد الموقف، انهارت تلك المؤسسات العسكرية، ونشأت مكانها المؤسسات العمرانية والاقتصادية التي نحن اليوم في أمس الحاجة إليها". (١٠)

وعليه وبناءً على ما سبق؛ فإنَّ نظرية "اللاعنف" قادرة على أن تحفظ الأخلاق والقيم السامية في المجتمع، وتعيد النهضة لدى الأُمم وتلبّي طموحاتها من جديد، وبذلك يُقام مجتمع مدني عالمي.

.........................................
الهوامش.
(١) الإمام الشيرازي؛ اللاعنف في الإسلام، ص٧.
(٢) الإمام الشيرازي؛ الفقه: العولمة، ص٦٦.
(٣) الإمام الشيرازي؛ رؤى عن نهضة الإمام الحسين عليه السلام، ص٦. والحسين عليه السلام مصباح هدى ص ٣-٧. والصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام.
(٤) الإمام الشيرازي؛ التيار الإصلاحي، ص٣٢.
(٥) الإمام الشيرازي؛ اللاعنف في الإسلام، ص٥١-٥٢.
(٦) الإمام الشيرازي؛ فقه السلم والسلام، ص١٥ و٢٩.
(٧) د. سعد إمارة؛ نظرية اللاعنف عند الإمام الشيرازي، دراسة مقارنة، ص٥٣.
(٨) الإمام الشيرازي؛ إلى الوكلاء في البلاد، ص٩٩.
(٩) الإمام الشيرازي؛ نحو يقظة إسلامية، ص ٨ـ٩.
(١٠) الإمام الشيرازي؛ الغرب يتغيَّر، ص٢٣.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

14