لكي يدافع عن فكرته حول معنى الحياة يستخدم أبيقور (341-270 ق.م) مفهوم الطبيعية، وهي العقيدة الفلسفية بأن الكون مركب بالكامل من قوى طبيعية. في رسالته الى هيرودوتس، يشرح أبيقور بوضوح حجته في الطبيعية (Epicurus and Strodach,p91، فن السعادة، 2013). يبدأ ابيقور بتأسيس مقدمته التي يؤكد بها عدم امكانية ان يأتي شيء للوجود من لا شيء. هو يتابع هذا بالقول انه لو ان اي شيء تغير بالحجم او اللون وفُني في النهاية (اصبح لا شيء)، عندئذ فان كل شيء في العالم يمكن ان يحدث له نفس الموقف. من الواضح ان هذا ليس صحيحا، لأن الاشياء لاتزال امامنا موجودة. وهكذا، يعلن ابيقور انه لا يمكن اختزال شيء ما الى لا شيء. بعد ذلك، يؤكد ابيقور ان الكون موجود دائما كما هو الان وسيبقى الى الأبد موجودا بنفس الطريقة. هذا بسبب عدم وجود شيء خارج الكلية ("كل شيء") يجعل الكلية تتغير نحوه او تتغير الى شيء آخر(ص93).

بعد ذلك يطرح أبيقور الادّعاء بان الواقع مصنوع كليا من أجسام ومكان. هو يوضح ان أحاسيسنا تخبرنا بوجود أجسامنا، واننا نستطيع ايضا الإحساس بالأجسام الصغيرة جدا. كذلك، نحن عقلانيا نعرف ان المكان موجود لأنه لو لم يوجد مكان فسوف لن يتوفر لأجسامنا اي مكان تتحرك فيه. من هذه الأجسام، تتشكل مركبات، والباقي عناصر لهذه المركبات. هذه العناصر هي الذرات – الوحدة الاساسية في المادة. ابيقور يصف الذرات بكونها "غير قادرة على التحلل والفساد". وبناءً على ادّعائه المبكر ان المادة لا يمكن القضاء عليها، سندرك ان الذرات يجب ان توجد كأصغر العناصر في الأشياء لأنه عندما يتحلل الشيء، ذلك يعني منطقيا، ان شيئا ما يجب ان يُترك في الخلف. في قصيدة للوكريتوس، الباحث الايبيقوري يدافع فيها عن هذه الفكرة بالجدال انه لو كان ممكنا قطع شيء ما بالنصف الى عدد لامتناهي من المرات، عندئذ سوف لن يكون هناك اختلاف بين "المجموع الكلي للأشياء وأصغرها"(ص118). وهكذا، يجب ان تكون هناك أصغر وحدة مثل الذرة تشكل الاساس في كل شيء.

ومن هنا، يتشكل جدال ابيقور في الطبيعية. حالما يتأسس هذا، سنكون قادرين للانتقال الى جوهر فلسفة ابيقور. ابيقور اعتبر المعاناة هي المشكلة الرئيسية، وسعى لإيجاد طريقة للتخفيف منها. هو وجد ان اكثر معاناة الانسان الذهنية تأتي من الايمان اللاعقلاني بالروحانية. هو شاهد الآخرين وهم يعيشون حياتهم في خوف من العقوبة الدينية والجحيم او فقدان الإحساس في ما بعد الموت، ووجد ان ليس لدينا سبب لكل هذا. ابيقور يرى ان غالبية الناس يصفون الآلهة باسلوب زائف. هو يقول ان الآلهة مقدسة جدا وهم بدلا من ان يكونوا مهتمين بالحياة القصيرة للناس، نراهم غير مهتمين كليا بحياة الانسان. بسبب هذا، ليس لدينا سبب للخوف من عقوبة الآلهة (ص156).

وكما ذكرنا سلفا، يعتقد ابيقور ان كل شيء موجود هو مركب من ذرات وهذا يتضمن الروح(الذهن). ولذلك، عندما يموت الفرد، فان روحه "تتبعثر ولم تعد تمارس وظيفتها العادية". بدون روح او وعي بعد الموت، يعني لا وجود لحياة ما بعد الموت: اي، لا جحيم يُخشى منه. ويستمر أبيقور في الادّعاء ان ما كان يتحلل الى ذرات ليس له إحساس، وما هو أهم من ذلك، لا يجب ان نشغل انفسنا بمنْ ليس له احساس. لذلك، فان الموت هو ليس شيئا يُخشى منه (ص173).

السؤال هو لو كنا نعيش في عالم طبيعي مادي خالص مصنوع من ذرات فقط ومكان، واننا غير مهتمين بالآلهة او الموت عندئذ ما هو الهدف من الحياة؟ بالنسبة لايبقور معنى الحياة هو متابعة المتعة اثناء فترة الحياة. المتعة هي ببساطة غياب الألم. هو يفضل الاعتدال على الافراط، في ضوء حقيقة انه عندما يعتاد المرء على التمتع بالمتع البسيطة، فان نقص المتع الكبيرة سوف لن يسبب عدم السعادة. من هنا، يعلن ابيقور ان الأحكام الجيدة هي أعلى قيمة وان كل الفضائل الاخرى تنبثق منها. هو يؤكد انه عندما يفهم المرء تعاليمه فهو سيعيش كالاله بين الناس، وهذا شيء ليس فقط قابل للتحقق وانما هو سهل.

جدال ابيقور هو صحيح لكنه غير تام بالضرورة. يمكن الجدال ان مقدمات معينة في جداله قد لا تكون صحيحة. (Travis Timmerman، "مأزق الايبيقورية"، دراسات فلسفية، 2019) يعارض فكرة ان "الموت لا يعني شيئا لنا". هو يرى من المعقول تماما للمرء تجنّب الموت او في بعض الحالات الرغبة فيه. هو يصف موقفين مختلفين: واحد فيه الفرد له الخيار بين الذهاب وبحوزته 2 مليون دولار او ان يُقتل، وآخر فيه يختار الفرد بين القتل فورا او التعذيب لعدة سنوات قبل ان يُقتل في النهاية. في الحالة الاولى، اختيار الموت سيحرم الفرد من حياة اطول واكثر متعة. في الحالة الثانية، اختيار الموت سينقذ الفرد من سنوات من الألم بدون متعة، بما يجعل الموت شيئا مرغوبا. (تيمرمان) يدّعي ان هاتين الحالتين توضحان إمكانية ان يعني الموت شيئا لنا، وهو ما يتعارض مع موقف ابيقور من الموت. وهكذا، لكي تصبح الايبيقورية صالحة، يجب ان تأخذ هذين النوعين من المواقف في الحساب.

الفيلسوف (Brian Magee) ايضا يرفض الايبيقورية. ابيقور ادّعى صراحة اننا نستطيع معرفة ان العالم هو مادي كليا- هذا يتناقض مع عقيدة ماجي. موقفه هو "من المستحيل تحقيق السيادة الفكرية على العالم"(ماجي ص16). تفكيره، هو اننا كبشر غير قادرين على فهم اي شيء غير مُدرك لحواسنا. هو يقول نحن تعبير عن عدتنا وادواتنا، يعني اننا نستطيع فقط معرفة ما نحس به بأنفسنا. هو يؤيد وجود المتجاوز، اي، الاشياء التي "توجد بدون ان تكون حقيقة في العالم التجريبي(ص19)". المثال الذي يعطيه لتوضيح هذا هو العالم المرئي لمن يولدون عُمي عند الولادة.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1