يتذكر الرأي العام العراقي حادثة رش الماء الحار على المعتصمين من حملة الشهادات العليا أمام وزارة التعليم والضجة التي أثارتها الحادثة تلك، البعض يعتبرها الشرارة التي انطلقت منها تظاهرات تشرين وما لحقها من أحداث كثيرة، وقبل حادثة اعتداء قوات الأمن على المعتصمين كنت أتحدث مع أحدهم وهو يحمل شهادة عليا، فسألته: هل تتظاهرون من أجل إصلاح التخبط الاداري، أم تتظاهرون من أجل الحصول على وظيفة حكومية فقط؟ فقال بالحرف الواحد "أنا اتظاهر لنفسي ومنذ استلام الحكومة لملف التعيين الخاص بي بدأت أعارض كل من يريد اسقاطها حتى تسير معاملة التعيين الخاصة بي بشكل طبيعي".

عُدت وسألته: اليس في هذه الطريقة بالتعيينات ظلماً للآخرين، إذا اخذنا بنظر الاعتبار ان هناك من لا يستطيع التظاهر وهناك فتيات لا يسمح لهن بالخروج من البيت بينما أنتم تؤسسون لبدعة جديدة في التوظيف الحكومي (أي لا يمكن لاحد ان يحصل على وظيفة بدون تظاهر)؟ فعاد وقال: "خليني اتعين وبعدين سولفلي على المثاليات".

بعد أيام اصدر مجلس الوزراء قراراً بتعيين حملة الشهادات العليا، مع استثنائهم من ضوابط التعيين المذكورة في موازنة عام 2019، ليتحول هذا القرار الى محفز للآخرين لاستخدام ذات الأسلوب، وهو التظاهر ثم الاعتصام ونصب الخيم وفتح سجل للحضور والغياب وبعدها هناك تحصل الانفراجة بقبول المعتصمين فقط وبعض اصدقائهم في التعيينات الحكومية.

التعيينات الحكومية اليوم محصورة بين فئتين، الأولى الواسطة والجهات المتنفذة، والثانية عبر الاعتصامات والتظاهرات، وفي الحالتين استثناء من الضوابط القانونية وقفز على الاستحقاق، فيما يبقى عشرات الالاف من الخريجين بدون عمل لا في القطاع الحكومي ولا القطاع الخاص، بعضهم اقتنع أخيرا بفكرة التظاهر وتنظيم الاعتصامات وهو بانتظار دوره الجديد في التعيينات، فقد تحولت خيم الاعتصام الى بوابة للدخول الى قطاع الوظائف الحكومية، ومن لم يتظاهر ويبيت في الخيم لا يحصل على شيء.

في كل تظاهرة للخريجين تجد هناك من هو مسؤول عن سجل الحضور اليومي، وهناك شخص مسؤول على هذا السجل بانتظار قرار من الحكومة بتعيين من تم تسجيل حضورهم حصرا، وبعض اصدقائهم الذين حشرت أسماؤهم رغم عدم حضورهم للتظاهرة، وخلال الأشهر الأخيرة باتت ظاهرة التظاهرات المطالبة بالتعيينات موازية تماما لنظام الاستثناء والواسطة المعمول به منذ سنوات.

لا ينكر أحد احقية الشباب في الحصول على فرص العمل، لكن هذه الطريقة تقفز على العدالة المفقودة أصلاً وتؤسس لمرحلة أسوأ بكثير من التحاصص الحزبي على المنافذ الوظيفية الشحيحة في البلد، وعلى حكومة السيد مصطفى الكاظمي معالجة القضية عبر سياقات قانونية سليمة تراعي حقوق المتظاهرين ومطالبهم الحقة، لكن دون ان تغفل الفئات الأخرى غير القادرة على التظاهر بسبب ظروفا الخاصة، كما ان معالجة هذه القضية تخلصنا من البدعة الجديدة للتعيينات وهي التظاهر.

الدستور العراقي ذكر صراحة تكافؤ الفرص بين العراقيين ما يعني الأهمية الكبيرة لهكذا مسألة، لكن ما يصدر من قرارات حكومية بين فترة وأخرى يتعارض بصراحة مع نصوص الدستور ويرجح فئة على أخرى لأسباب لا علاقة لها بالكفاءة بل بالقدرة على التظاهر بشكل حصري، وتفعيل القطاع الخاص هو الحل الوحيد المتاح امام حكومة الكاظمي، وهي امام فرصة كبيرة لفتح أبواب القطاع الخاص امام الشباب العاطلين عن العمل عبر منح امتيازات كبيرة لهم وتحقيق الضمانات المالية والاجتماعية وتسهيل القروض وغيرها من الأمور التي يطمح لها أي شاب عراقي يحلم بتكوين اسرة وبناء بيت وشراء سيارة واخذ دوره في المجتمع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

14