المُؤتَمَر في اللغة اسم جمعه مؤتمرات وهو مجلس يجتمع للتشاور والبحث في أمرٍ ما، ويغلب عليه طابع الأمور العلميّة أو السياسيّة، مثل مُؤْتَمر القمَّة ويعني اِجْتماع رؤساءِ الدُّول، أو مؤتمَر صحفي أي لقاء شخصِيَّة سياسِية أَو فكرِية مع صحافِيين لإصدار بيانٍ ما والإِجابةِ عن أَسْئِلتهم، وهو اسم المفعول من ائتمرَ.

وهناك تعريفات للمؤتمر بحسب الموضوع أو الهدف الذي يتصدى له، فالمُؤْتَمَر يمكن تعريفه على أنه تجمع ثقافي تحت عنوان أو موضوع محدد يُدعى إليه المتخصصون في مجال ما ويُقدّمون أبحاثاً وأوراقَ عمل تعالج قضية ما من قضايا المؤتمر.

عادة ما تُنظمُ المؤتمرَ مؤسسة تعليمية كالجامعات أو مراكز البحوث، وعادة ما يَمتد لأيام يَتمُ خلالها مناقشة الأبحاث وأوراق العمل. ثم تختتم فعالية المؤتمر بقراءة التوصيات الختامية، وهي النتائج التي يَتوصّل إليها المؤتمرون من خلال أبحاثهم وأوراق العمل التي قدموها خلاله، وعادة ما تكون تلك التوصيات عبارة عن عناصر محددة تعدٌ خلاصة لأبحاث المؤتمر وأوراق العمل التي قدمت فيه، وغالباً ما تكون أول توصية عبارة عن كلمة شكر للجهة المنظمة للمؤتمر ثم تكون التوصيات التالية في صميم موضوعاته.

المؤتمر الذي نعنيه في هذا المقال يختلف عن المؤتمرات العلمية أو الثقافية، وقد سمّي بمؤتمر المانحين، وهناك نماذج عديدة لهذا النوع من المؤتمرات، آخرها بحسب التسلسل التاريخي مؤتمر مانحي لبنان، وأطلقته فرنسا بالتعاون مع الأمم المتحدة بعد انفجار مرفأ بيروت قبل أيام، وقبله بسنتين تقريبا مؤتمر مانحي العراق الذي تبنته دولة الكويت وعُقد فيها، وكانت الغاية من هذا المؤتمر والمبالغ التي تمنح فيه لإعادة إعمار المدن المحرّرة في العراق من تنظيم داعش.

تداعيات انفجار مرفأ بيروت

لا تزال أصداء انفجار مرفأ بيروت ساخنة حتى الآن، ولا يزال جرحى هذا الانفجار الذين فاقوا 6000 ستة آلاف جريج يملأون مستشفيات بيروت، أما المباني والعمارات والشوارع المدمرة فإنها تمثل صورة مخيفة عن الخسائر المادية الجسيمة التي ألحقها الانفجار بالأحياء السكنية وبيوت المواطنين وبالعمارات والبنايات الحكومية والأهلية على حد سواءـ فضلا عن عدد الضحايا (القتلى) حيث لا يزال هذا العدد في تزايد إذ بلغ أكثر من 170 مئة وسبعين و واحد وعشرين مفقودا، فيما بلغ عدد الأطفال المشردين أكثر من مئة ألف طفل.

توجد أوجه شابه واختلاف بين مؤتمر مانحي لبنان الأخير ومؤتمر مانحي العراق في الكويت، ولكن يعتقد مراقبون متخصصون إن المجتمع الدولي ليس جادا في دعمه الفعلي، وأن طابع الدعاية الإعلامية يغلب على هذه المؤتمرات، فعلى سبيل المثال بعد أن طوى العراقيون صفحة داعش وتم تحرير مدنهم من هذا التنظيم الإرهابي، هبّت الدول المانحة للمشاركة في دعم العراق لإعادة إعمار مدنه في مؤتمر تبنته دولة الكويت.

لكن واقع الحال لا يؤكد أهداف مؤتمر مانحي مؤتمر الكويت الداعم للعراق، فبعد مرور أكثر من سنة على هذا المؤتمر لا تزال المدن المحررة عبارة عن أطلال وركام فوق ركام، ولا تزال آلاف العائلات ترزح في مخيمات نزوح لا تليق للسكن في أدنى مستوياته، فهي مخيمات خالية من الخدمات الأساسية، وهذا يحتم إنقاذ الأسر النازحة من مأساتها التي طالت كثيرا.

فأين مؤتمر مانحي العراق في الكويت وأين نتائجه، وأين الأموال الضخمة التي تعهدت بها الدول المشاركة في هذا المؤتمر، إن هدف عقد مثل هذه المؤتمرات يبدو كأنه مخصص لامتصاص صدمة العراقيين بعد تحرير مدنهم، وإلا ماذا يعني التلكّؤ الذي جعل من أهداف مؤتمر مانحي العراق في الكويت هواء في شبك.

وما حدث مع مؤتمر مانحي العراق من نتائج لا تزال قيد المجهول أو عدم التحقق، قد لا يكون بعيد الحدوث مع مؤتمر مانحي لبنان، فربما يكون هذا المؤتمر الذي بادرت له فرنسا بالتعاون مع الأمم المتحدة خطوة لامتصاص الغضب الجماهيري العارم في لبنان، وربما هو محاولة لكبح الفوضى التي قد تعم لبنان والمنطقة، لاسيما أن ماكرون الرئيس الفرنسي الذي تبنى المؤتمر، حث الدول المانحة إلى المساهمة الفعالة في مؤتمر مانحي لبنان لانتشاله من الفوضى، ولحماية المنطقة كلها من موجة فوضى لا تبقي ولا تذر.

تجميل وجه المجتمع الدولي الكالح

هذا يعني أن مؤتمريّ مانحي العراق ولبنان هما وجهان لعملة واحدة، وعلى الرغم من أن مؤتمر الكويت الخاص بالعراق لم يكن ردة فعل على كارثة مفاجئة وقوية كما حدث في انفجار مرفأ بيروت، إلا أن أوجه الدمار تكاد تكون واحدة، فعلى سبيل المثال لا تزال آلاف البيوت في الموصل وسنجار وغيرها مهدمة ولم تمتد لها يد المانحين.

فما الذي يمنع من أن يكون مؤتمر باريس المخصص لدعم لبنان حبرا على ورق؟؟، وما الذي يمنع من أن يكون مجرد قطعة إسفنج تمتص الغضب الجماهيري العارم، وبعد أن يخفت تبقى بيروت مدينة أطلال وركام، وقد تحتاج إلى سنوات عدة كي تعود إلى ما كانت عليه؟؟

نحن لا نستنتج مثل هذه الاستنتاجات تحت وطأة اليأس أو السوداوية المغالى بها، بل هو واقع حال يعيشه العراقيون اليوم، حيث لم يلمس أو يتذوق أحد من العراقيين ثمرة من ثمار مؤتمر الكويت لاعمار المدن المحررة التي لا تزال نسبة كبيرة من بيوتها وبناياتها ومرافقها وبنيتها التحتية محطمة بشكل شبه تام.

لهذا قد يصبح مؤتمر مانحي لبنان في فرنسا شبيها بمؤتمر مانحي العراق في الكويت، وهذا ما لا نتمناه قطعا، بيد أنّ هناك شكوكا لدينا بأن يتشابه هذان المؤتمران في كونهما دعاية دولية لمجتمع دولي غير صادق، وغير مؤهل للتكافل العالمي، إلا في حال أثبت المؤتمرون المانحون غير ذلك، أما إذا بقيت الأموال والوعود حبرا على ورق، فإننا سوف نتأكد من أن الغاية منهما تجميل وجه المجتمع الدولي الكالح، ومحاولة بائسة لامتصاص الغضب الشعبي.

اضف تعليق