منذ تولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء تحولت طاقات الدولة وخطابات المسؤولين من الحديث عن الإرهاب ومخاطره الى الحديث عن الإصلاحات وطرق تحقيقها، وطرح العبادي عدة مشاريع اصلاحيه، تبعها بخطابات سياسية تدعم رؤيته الإصلاحية، لكنه لم يحقق الا خطوات بسيطة لا تكاد تستحق الذكر، بدلالة التظاهرات التي خرجت في البصرة خلال الأشهر الأخيرة من مدته الدستورية في منصب رئاسة الوزراء، واستخدامه القمع بقوة ضد المتظاهرين، كما ان التظاهرات نفسها استمرت وعادت من جديد بعد تنصيب عادل عبد المهدي خلفا للعبادي، وقد طرح عبد المهدي حزمة إصلاحات قال انها جذرية، واعتمد على الفضح العلني وبالأرقام عمليات الفساد خلال أيامه الأولى في المنصب، وكحال رفيقه العبادي خرج عبد المهدي من الباب الخلفي بتظاهرات مليونية ولم يستطع تحقيق الإصلاح.

تولى مصطفى الكاظمي رئاسة الوزراء خلفا للمستقيل عادل عبد المهدي، بعد اشهر من التظاهرات الشعبية رافقتها اعمال عنف أدت الى استشهاد ما يزيد عن 500 متظاهر ورجل امن، فضلا عن الاف الجرحى، ونصب المتظاهرون الخيام في بغداد وكربلاء والنجف وبابل والناصرية واغلقوا المدارس والجامعات والطرق الرئيسية في المحافظات التي يتواجدون فيها، كل ذلك جاء كتعبير عن الرغبة الجامعة في تحقيق الإصلاحات، وتحت الشعار الأول "نريد وطن" هذا الشعار تتفرع منه مطالب عدة ابرزها انهاء سطوة المنظومة السياسية الحالية وإصلاح النظام الاقتصادي وابعاد العراق عن الارتهان لمصالح دول الجوار، فضلا عن انشاء منظومة سياسية واقتصادية جديدة تحقق مصلحة الشعب.

مدى قدرة الكاظمي على تحقيق الإصلاح

عند الحديث عن الإصلاح في العراق لا بد من طرح سؤال مركزي، من هو القائد الفعلي للإصلاح؟ لان الزعامة تلعب دورا محوريا في دولة تعيش أجواء الفوضى السياسية وعدم استقرار نظامها السياسي، وبالتالي لا يمكن لزعيم الإصلاح ان يكون شخصا قليل الخبرة، او قليل الرغبة في الإصلاح، ولنستفيد من تجارب الدول الإصلاحية مثل سنغافورة التي قادها لي كوان يو وحولها من مستنقع الى احدى اقوى الدول اقتصاديا، وبجواره استطاع مهاتير محمد تحقيق نقلة نوعية لدى ماليزيا واستطاع تطوير الاقتصاد والتعليم عبر برامج إصلاحية ومتابعة شخصية منه.

فهل ان رئيس الوزراء الحالي هو نفسه المحامي الفذ الذي انقذ سنغافورة او الطبيب الذي انقذ ماليزيا، لحد الان لا توجد هذه المواصفات في رئيس وزرائها الحالي، فهو خاضع للأحزاب بل ولم يستطع حتى الثبات على قرارات بسيطة فكيف يمكنه الثبات امام صراعات كبيرة، من حجم الكتل السياسية الكبيرة، او الصراعات الدولية على الأرض العراقية.

البيئة السياسية

وقد يكون من غير الصحيح مقارنة العراق بهذه الدول لان كل تجربة تختلف بظروفها عن الأخرى، وهذا ما نريد ان انصل اليه، فالعراق انموذج فريد من نوعه، ولا يمكن للإصلاح ان يحدث عبر استخدام نماذج جاهزة، وقد بدأ الاعتماد على النماذج الخارجية منذ التجربة السياسية الجديدة التي وضعت أسسها الولايات المتحدة الأميركية والتي جمعت بين القواعد الديمقراطية والممارسات التوافقية بحجج عدة من اجل تبرير الأخطاء الجوهرية بدأت منذ اليوم الأول لتهديم المؤسسات السياسية المركزية مثل جهاز الجيش والشرطة، وما تبعها من اهمال للتعليم والاقتصاد، فالبيئة السياسية اليوم يعرفها الجميع ويعرفون الأخطاء والتشوهات الولادية التي لا يمكن لشخص مثل رئيس الوزراء الحالي ان يعالجها، لانها تشوها في جوهر النظام ولا يمكنه القفز عليها ابداً.

لنأخذ مثالا واحدا على حجم التحديات التي تواجه رئيس الوزراء، فهو بنفسه قد جاء بخرق دستوري واضح، اذ تجاوز انتخابه المدة الدستورية كما تجاوز انتخاب المرشحين الذين سبقوه، ثم رشحته احدى الكتل البرلمانية بينما يعيش البرلمان حالة التشظي ولا يعرف حجم الكتلة الأكبر فيه، هذه البيئة السياسية والدستورية لا تعطي مساحة كبيرة للمناورة لرئيس الوزراء لتجاوز الازمة أولا ثم القيام بالإصلاحات ثانيا.

اما على المستوى الخارجي فربما يكون هو الأهم، لان رئيس الوزراء العراقي عندما يتم تنصيبه لا يتم الاحتفال به كرئيس يحقق طموحات الشعب، بل كانتصار لصالح إيران او لصالح اميركا، فعندما عين عبد المهدي قيل انه انتصار لإيران، وبعد تعيين الكاظمي اعتبر انتصارا للولايات المتحدة الأميركية، فاين العراق من كل هذا؟ هل يمكن تحقيق الإصلاح وسط هذه البيئة الدولية، هل نعرف الان حجم الضغوطات التي يتعرض لها رئيس الوزراء من قبل طرفي الصراع الإيراني والأميركي، وهل يمكنه تجاوز هذه الضغوطات من اجل تحقيق عملية الإصلاح، فاذا كان العراق يفتقد للوظائف ونظام الاقتصادي قائم على عوائد النفط، ونسبة عالية من الشباب يعيشون البطالة، وبعد كل هذا تكون احدى اهم أولويات الحكومة هي اجراء حوار استراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية، والمطالع الخبير يعرف جيدا ان أي حوار مع الدول الكبرى يجرى من اجل تحقيق مصالح تلك الدول وليس مصالح الدول الصغيرة مثل العراق.

والولايات المتحدة نفسها لم تلتم باي اتفاقية لا تحقق مصالحها، حتى وان اكتشف ذلك لاحقا، ولدينا من الأمثلة الكثير من الانسحابات من الاتفاقية النووية مع ايران ومرورا باتفاقية باريس للمناخ، وليس انتهاء بتهديداتها للمنظمات الدولية التي لا تحقق مصالحها، فكيف يمكن للعراق ضمان حقوقه الان.

على المستوى الاقتصادي، فلا حاجة للارقام، يكفي ان يكون الإعلان عن توزيع رواتب الموظفين في القطاع الحكومي خبرا عاجلا تتداوله وسائل الاعلام، بل ان عائدات النفط لم تعد تكفي لتوزيع الرواتب فقط للقطاع الحكومي، فكيف يمكن لاقتصاد كهذا ان يدعم الإصلاح، بالطبع الوضع الاقتصادي العراقي يفتقد للقواعد الأساسية للنهوض بنفسه، ومن ثم سيكون الاقتصاد هو أحد اهم المعوقات امام حكومة الكاظمي.

على الكاظمي ان لا يرفع من سقف طموحاته، وان يعلن للشعب وبكل صراحة ان وظيفة حكومته ليس تحقيق الإصلاح بل تسيير الاعمال الى حين تجاوز الازمة الحالية وبانتظار حكومة جديدة وخطة جدية وشاملة للإصلاح، لان الأوضاع الداخلية لا تسمح بإجراءات جذرية دون حل الازمة المالية الخانقة والعبور بالشعب سالما من جائحة كورونا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

21