فرانز فانون (1929-1961) طبيب وفيلسوف اجتماعي ومناضل ثوري، ولد في المارتينك، وجاء إلى فرنسا طالبا يدرس الطب في ليون، عمل كطبيب عسكري في الجزائر، والتحق بجيش التحرير الوطني الجزائري، عندما يلتقي الطبيب بالمرضى من كل الأصناف، فهذا الأمر يترك انطباعا في أفكاره عن جرائم الاستعمار والآثار النفسية للمرضى، ومحنة المستعمرات التي تعاني ويلات الاستغلال الاقتصادي، والمسح الثقافي للهوية والثقافة الأصلية، شأن ذلك ما يكابده سكان المارتنيك الذين أصبحوا فرنسيين بالجنسية، وشأن الجزائر التي كانت تريد فرنسا أن تجعلهم كذلك، خانعين وتابعين.

الاستعمار واحد كما يقول، سواء وجد في المارتينيك أو في الجزائر، أهدافه مكشوفة، ولعبته تعني إرغام الشعوب على نفي ذاتها والسماح للمستعمر بالإقامة الدائمة، والهيمنة على خيرات هذه الشعوب بالقوة، ولا سبيل في مقاومة أهدافه إلا بالقوة المسلحة والنضال الثوري، قناعات فانون نابعة من تجربته الميدانية ومن إحساس الرجل بمعاناة العالم الثالث، والنزعة الاستعلائية للاستعمار، وانتمائه للطبقة البورجوازية في بلده الأصلي أتاح إمكانية فهم الاستعمار ونفوذه في المستعمرات.

أهل شمال إفريقيا كما روج لذلك الاستعمار مجرمون بالفطرة، والحل يكمن في الحداثة وثقافة الأنوار، واللحاق بركب التقدم على الطريقة الغربية، كما ينبغي لهؤلاء أن يتشبعوا بالروح الديكارتية والعقلانية العلمية النقدية، صورة الطيب المتوحش والإنسان البدائي الذي لازال يعيش على التقاليد والعادات الضاربة جذورها في إفريقيا، ببساطة أن تتحول هذه البلدان إلى الرأسمالية، وبالتالي يجب خلق نواة المجتمع البورجوازي والطبقة البروليتارية على خطى الماركسية، ومنطلق العمل ظهور الطبقات الاجتماعية من خلال خلخلة التركيبية السكانية، وبناء نواة المدن الصناعية الكبرى، وتغيير الفكر الإقطاعي والقبلية بشكل جدري حتى يتمكن الاستعمار الفرنسي من إرساء النظام الرأسمالي في المستعمرات.

ويبدأ من هنا تقسيم العمل بين الدول المنتجة للمواد الخام والدول المصنعة، كما عمل الاستعمار على خلق شروط مناسبة في الاستغلال والسيطرة على الخيرات عندما هيأ الأرضية المناسبة للبورجوازية المحلية والنخبة التابعة أيديولوجيا، طموح هذه البورجوازية في خدمة مرامي الاستعمار غير المباشر، والحفاظ على مصالحه، واحتكار الوظائف التي كان يستأثر بها الأجانب في الاستعمار المباشر.

قراءة فرانز فانون للفكر الغربي الفلسفي بمختلف ألوانه، المحافظ والراديكالي، وقراءة في مخططات الاستعمار وأهدافه المعلنة والخفية، الثورة هي الطريق الوحيد لتحرير الإنسان، والشعب يتبدل أثناء الكفاح المسلح، والوعي الذاتي لا يأتي دفعة واحدة، بل في غمار المقاومة يتبلور هذا النوع من الوعي الخاص بالحرية والعيش بكرامة، وإن كان الوعي الطبقي عند ماركس لا يتبلور إلا في واقع هيمنة البورجوازية وإحساس الطبقة العمالية بالقهر والاستلاب.

المجتمعات المستعمرة لم تكن بهذا الشكل من الوعي الطبقي لأنها لازالت مجتمعات قبلية مشتتة، لا يمكن أن يجمعها إلا فكر ديني أو فكر يساري يؤمن بالثورة والتضحية. لا يترك الاستعمار مشكلة إلا وقام بحلها حتى يتمكن من السيادة والسيطرة، النظام الاستعماري الفرنسي شيد مشروعيته في الهيمنة على القوة، وزرع الشقاق، وتغذية الانقسامات الدينية والزعامات المحلية، ولا يرفع الاستعمار يده إلا بالقوة المضادة، ترغمه القوى المناضلة على الحوار والقبول بشروط اللعبة الجديدة، والرجل الأبيض عندما دخل إلى إفريقيا وجد فيها شعوب مسالمة تعيش على طبيعتها، ولا تعاني من مركب نقص في ثقافتها وقيمها، لم تطلب هذه الشعوب الأنوار والحداثة الغربية، وبالمقابل لم تكن على استعداد للمقاومة، ولا بالذكاء الذي ينم عن الاحتراز الأولي من هيمنة الآخر.

الكنيسة الخاصة بالرجل الأبيض تتماهى وسياسة الاستعمار في القضاء على التخلف والوثنية كما تدعي، وإدخال جموع من الناس للمسيحية أي الدعوة إلى طريق الرجل الأبيض. خلق الاستعمار بورجوازية محلية خانعة، وبعد ذلك أحزاب سياسية تابعة ومسالمة، تنادي بالإصلاح، وتناصر في حقيقة الأمر النظام القائم، بورجوازية محافظة ومنكمشة على ذاتها ومصالحها الخاصة، انتماء فانون للطبقة البورجوازية في المارتنيك وخدمة فرنسا أيقظ في نفسه الأفكار القديمة التي استوعبها من إيمي سيزار الناطق باسم السود وهوية الزنوج، أحد رواد الحركة الزنجية ومناهضة الاستعمار، إضافة للتأملات العميقة في الفكر الغربي وأهدافه في المستعمرات، وقربه من الفلاحين والمرضى النفسيين، وما يرمي إليه الاستعمار الفرنسي في إفريقيا، من طمس للهوية واجتثاث الناس من قيمهم واستغلال أرضهم بالقوة.

نقل فانون المعركة من الخطاب الصامت وما هو داخلي إلى القلم والكتابة، عندما أصبح محررا لمقالات في صحيفة "المجاهد" الناطقة باسم جبهة التحرير الجزائرية، ومهمات تنظيمية، أصبح ناقدا للنموذج الغربي الذي يقدم للآخر فلسفة الأنوار كخطاب، وفي الواقع هناك جرائم بشعة، وأقنعة يلبسها الاستعمار في اقتلاع جذور الإنسان الإفريقي، عنصرية قاتلة ومقيتة أساسها اللون والثقافة، ولن تتمكن المجتمعات الضعيفة من التحرر إلا بوسيلة واحدة يفهمها الاستعمار الغربي، وهي الكفاح المسلح والقوة، وما يقدمه الشعب للمقاومة المسلحة من دعم، وإيقاظ الشعور القومي، والوعي الطبقي لدى الفلاحين، والأقنعة التي يرتديها المستعمر، كما ناقش الفكر الغربي في جدلية الصراع بين السيد والعبد، ويكون هذا الصراع فكريا كما يقول هيجل، ولا يكون الإنسان إنسانا بكامل الإنسانية إلا في ظل اعتراف الآخر، ويجب أن يكون هذا الاعتراف متبادلا، ولذلك لا ينطلق الاستعمار الغربي من هذه الجدلية، لان الوعي الذاتي في سعيه نحو الحرية والتحرر واستقامة العلاقة لأجل المنفعة المشتركة.

يجب أولا أن تكون القوة متكافئة بين الطرفين، ولن يكون الاعتراف مشروعا بالنسبة للشعوب المستعمرة إلا في واقع الصراع الوجودي، الذي ينهي الاستعمار، وهذا العنف الهمجي لا يمكن مقاومته إلا بعنف مضاد، ومن هنا يكتسب العنف المشروعية، من حق الشعوب في تقرير مصيرها، حق الإنسان في طرد الدخيل المهيمن على الخيرات، والعنف المضاد حسب فانون، لا يستهدف الاستعمار بآلياته الحربية ومشروعه العسكري، بل بكل ما يفرضه الاستعمار من منظومة قيمية وفكرية، يعمل على ترسيخها وتنميتها والإبقاء عليها حتى في مغادرته، يترك طبقة مهيمنة تضمن استمرارية مصالحه، ومن خلال نخبة سياسية وثقافية مستلبة، ترفض مواجهته والتحريض العلني على وجوده، وتختار خطاب مسالم يروم التسامح والتعايش، وهذا ما يسميه المفكر الجزائري مالك بن نبي بالقابلية للاستعمار، وكل من خبر عقلية المستعمر وأهدافه الصريحة والكامنة يدرك تحايل سياسته للبقاء مدة طويلة في بلد ما.

يناقش فانون في كتاب "معذبو الأرض" البورجوازية المحلية التي أصبحت تابعة للاستعمار، وحامية لمصالحه، والتي تستمد سلطتها من الاتفاقيات المبرمة مع الاستعمار القديم، بورجوازية تافهة في أعمالها وأفكارها، همها الوحيد الاستفراد بالسلطة، وتكريس الطبقية والزيادة في جرعة الاستلاب والتبعية، وليست بورجوازية وطنية تستلهم أصولها من القيم ونضال الشعوب، حتى يمكنها التفاوض باسم الشعب ولصالح الأمة في استقلال حقيقي مبني على الاعتراف والمنفعة المشتركة.

فالحقيقة التي كان يرمي إليها فرانز فانون الوعي بالمقاومة، وكل ما يوحد الشعوب ويقوي الأمم، ليس بالبشرة السوداء واللون الواحد، بل من خلال وحدة القضية ضد الهيمنة والاستغلال، وبعد خروج الاستعمار المباشر من إفريقيا، ترك خطة أخرى تنوب عنه في الحفاظ على مصالحه الحيوية والدائمة، ولم يشف الاستعمار غليله عندما سحب الجيوش والشرطة، بل ترك خطة محكمة، وزعيما مدافعا عن مصالح البورجوازية الوطنية والشركات الاستعمارية، وبقيت خطته في قمع القوى الحية والمناهضة للاستغلال، مطالب الشعوب في الإصلاح والتحرر من التبعية والعودة للهوية والذات بدون تقليد أوروبا في محاولة كما يقول فرانز فانون لخلق الإنسان الكلي التي عجزت أوروبا عن بنائه.

أن يلبس الإنسان في كل مكان جلدا جديدا، ويعبر عن رغبته في العيش بدون الحاجة للأنوار بالقهر والإكراه، والمثقف المزيف في البلاد المستعمرة ينفق طاقته للتشبه بالعالم الرأسمالي، مستلب دون أن يدرك ذلك، في ميله لإعادة تكرار ما يريده الاستعمار من خطاب مناقض والميدان، جاءنا الاستعمار ليحررنا من التقاليد، وينقلنا للحداثة واللحاق بالركب، وجد الاستعمار فينا ترسبات من الماضي السحيق، ولازلنا لم نركب أمواج التقدم، وعلينا اختيار العقلانية، هكذا يتوهم بعض المثقفين فكرة التقدم، والحسم مع التقاليد والجمود. المثقف هنا مطالب بالكشف عن نوايا الاستعمار، ولو أراد هذا الاستعمار الخير لشعوبنا لسلك منطق التثاقف والانفتاح دون قيود الإكراه والاستلاب.

الاستعمار لا يمكن اقتلاعه بالكلمات والخطب الرنانة، وعملية التجييش دون مقاومة مشاريعه في البقاء، الجزائر خير مثال على نوايا هذا الاستعمار في عدم الرحيل والبقاء للأبد. ولولا النضال والزيادة في المقاومة المسلحة لما أمكن للاستعمار الفرنسي التفكير مليا في الرحيل، مهما كانت نتائج المقاومة لكنها خير وسيلة للمجابهة، سلوك الاستعمار الترحيل والقتل والأعمال الشاقة والاستعباد، والتقليل من شأن أصحاب الأرض، ولا شك أن فانون خبر نفسية الاستعمار باعتباره طيبا نفسيا ومفكرا اجتماعيا، وقارئا للفكر الغربي، ومن خلال تجربته الميدانية في البليدة بالجزائر، ورؤيته عن قرب للاستعمار ونواياه، اهتدى الرجل متغلغلا في أعماق الاستعمار ودراسته، ثم الانقلاب عليه، والأسباب واضحة تعود لما هو ذاتي، يتعلق ببلده الأصل، والأفكار التي تولدت لديه عن قناعة أن الاستعمار واحد، وتلك الأسباب الموضوعية التي خبرها من خطط الاستعمار وعلاقة الخطاب بالفعل في العالم الثالث، وقادته تجربته أن يكون مناصرا للقوى التحررية.

وقوفا عند حالة الاغتراب الذي يعانيه الإنسان الإفريقي من شعور بالضياع والتيه في المسح الكلي للثقافة الأصلية، والنقص الذي يركبه الاستعمار في المستعمر حتى يشعر أن ثقافة الاستعمار من مكاسب الحضارة والتمدن، ويختفي بذلك أو يقل الوعي الجمعي، ويذوب المستعمر في ثقافة الغالب، فهذا الأمر عاينه فانون في المارتنيك وفي إفريقيا، كما عاين الجماهير المناضلة والقيادات الخائنة، وصعود الأحزاب الإنتفاعية، ومواصفات البورجوازية التافهة في العالم الثالث، والزعامة قبل الاستقلال وبعده، واستخلص النتيجة الأهم، أن كل ما أخذ بالقوة لا بد أن يسترجع بالقوة، ولا بديل عن النضال والمقاومة للاستعمار، وعي الذات يعني الثبات على الفكرة الراسخة عن الاستعمار ومعارك الكفاح توقظ في الشعوب الوحدة وعشق الحرية، لذلك قال فانون في كتاب "معذبو الأرض" هيا يا رفاق،لقد انتهت لعبة أوروبا تماما، وعلينا أن نجد شيئا آخر، إننا نستطيع اليوم أن نفعل كل شيء، شريطة أن لا نقلد أوروبا تقليدا أعمى وأخرق، شريطة أن لا تحاصرنا الرغبة في اللحاق بأوروبا ".

إنه الاستعمار ولا شيء يقدمه للشعوب المستعمرة غير الاستغلال، وسياسة التفرقة، والتقليل من قيم الآخر، وتعميم النموذج الرأسمالي، وتقسيم الأوطان لطبقات متنافرة، وهكذا لا يجب الركون والاستسلام، والوسيلة الوحيدة القوة والكفاح المسلح، رسالة واضحة للغزاة، وأوروبا التي تدعي حقوق الإنسان وقيم الحداثة مجرد أكاذيب، وخطاب للاستهلاك الداخلي، وبالتالي عليها إزالة الأقنعة حتى تنكشف لذاتها وللعالم، وبمجرد حمل السلاح للمواجهة يسقط المشروع الاستعماري، ويلتف الاستعمار على حيل أخرى عندما يقوي من القوى المحلية حتى يبقي على مصالحه ويعمل على دوامها.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1