بما ان كل من الرواقية وتعاليم ابيقور هما من بين أبرز الحركات الفلسفية في الفترة الهيلستينية، فان العديد من الباحثين اهتموا بالمقارنة بين الاثنين. كلا الحركتين يجب النظر اليهما كطريقة في الحياة او كمرشد للسعادة (Gr.eudaimonia). بالنسبة لايبيقور، تهتم الفلسفة اساسا بـ "صحة الروح وبالتالي السعادة" (Diognest Laertes X,122). وبالمثل، الرواقي (ماركوس اوريليوس) أعلن صراحة ان الفلسفة وحدها يمكن ان ترشدنا خلال التغيير المستمر في الوجود الانساني (التأملات، 11، 17)، بينما شيشرون كتب بان "الفلسفة هي فن الحياة" (On The Ends,111,4).

هذا العرض القصير يقدم نظرة عامة للاختلافات والتشابهات الهامة بين الحركتين ورؤيتهما لكيفية العيش الجيد. سنقارن اولا بين رؤية الايبيقورية والرواقية للمتعة والفضيلة، بعدها سنناقش اهمية موضوع الموت لدى كل من المدرستين. واخيرا سنوضح كيف ان افكار كلا الحركتين احتوتا على عناصر اجتماعية واخرى غير اجتماعية في أحكامهما على الكيفية التي يجب ان يرتبط بها المرء بالكائنات البشرية الاخرى.

المتعة والفضيلة

اذا كان ابيقور والرواقيون يتفقون على ان الفلسفة طريقة في الحياة، فهم يختلفون في مواصفات الحياة السعيدة. ابيقور يُنسب له الادّعاء الشهير بان المتعة وحدها معيار للحياة الجيدة، حيث ان صحة الروح والحياة السعيدة هما عبارة عن ممارسة أعظم متعة. لكن رؤية ابيقور المفرطة هي اكثر تعقيدا مما تبدو عليه اول وهلة. هو يؤكد اننا يجب ان نكون حذرين ونختار فقط المتعة التي لا تستلزم عودة الألم (بالاضافة الى اننا احيانا يجب ان نختار الألم لانه يعطينا أعظم متعة). النشاطات مثل الطعام الفاخر والشراب تستلزم متعا تعود بالألم، هذه العادات تغرس رغبات لا متناهية بالإسراف غير الضروري والذي يترك الروح قلقة وفي حالة عدم توازن(1).

لو اخذنا هذا في الاعتبار، فان المتعة هي فكرة معقدة بالنسبة لايبيقور. سلبيا، تُفهم المتعة كغياب للألم، ايجابيا، تُفهم المتعة كإشباع للرغبات الاساسية وتحقيق هدوء البال. هذا يُعد هاما بالنسبة لرؤية ابيقور لسعادة الانسان. ابيقور يرى ان الانسان السعيد يمتلك التعقل والحكمة، والذي يعني اساسا انه قادر على الحكم الصحيح حول ما سيجلب له المتعة الحقيقية وما سيجلب له القلق والألم غير الضروري. لكي تكون سعيدا يعني ان تكون حذرا، ولكي تكون حذرا يعني ان تعرف طبيعة المتعة.

هذه الاعتبارات هامة اذا اردنا فهم رؤية ابيقور للفضيلة. ابيقور يعرّف قيمة الفضيلة تبعا لعلاقتها بالمتعة. باختصار، هو أشار الى ما يمكن ان نسميه "الفضيلة المشروطة بالمتعة" hedonistic conditional of virtue. هذه الشرطية تقول اذا كانت الفضيلة لا تجلب لنا المتعة، فنحن يجب ان لا نتصرف وفقا لها. لهذا، ابيقور يرى الفضيلة فقط كقيمة أداتية: من حيث المبدأ، التصرف الفاضل يكون عقلانيا فقط بمقدار ما يجلب لنا المتعة، الفضيلة فعلا تجلب لنا المتعة. طبقا لابيقور، الفضائل "بطبيعتها مرتبطة بالحياة السارة" ولذلك فان العيش الفاضل يكون شرطا ضروريا للعيش بسعادة.

اما في الرواقية، لكي نفهم رؤيتها للمتعة والفضيلة، نحن يجب ان نفهم تمييزها بين 1- مستوى الخير والشر 2- المستوى غير المختلف.

1- مستوى الخير والشر يمكن فهمه وفق الاسلوب الرواقي التالي:

أ- الشيء يكون خيرا فقط اذا كان يساهم في تشكيل السعادة

ب- الشيء الوحيد الذي يشكّل السعادة هو الفضيلة

ج- لذلك، فان الشيء الوحيد الجيد هو الذي يستلزم الفضيلة.

عبر اتّباع هذا المنطق، فان الشيء يكون شرا فقط عندما يتعلق بمنع السعادة ومنع ممارسة الفضيلة (بمعنى، ان الشيء يكون شرا فقط عندما يتعلق بالرذيلة). كذلك، والاكثر اهمية، الفكر الرواقي يعرّف الفضيلة باعتبارها تعتمد حصرا على الذهن. فكما يكتب سينيكا: "السعادة تسكن في مكان واحد فقط، في الذهن ذاته"(Letter LXXIV). بكلمة اخرى، فضيلة الفرد لا تقع في الكيفية التي تجسّد بها الافعال ذاتها في العالم وما تؤدي اليه من نتائج ملموسة مرتبطة بظروف معينة. بدلا من ذلك، الفضيلة تقع حصرا في نوعية الذهن الذي يتبنّى تلك الافعال.

2- المستوى غير المختلف indifferent يُفهم مباشرة في ضوء العلاقة مع مستوى الخير والشر. اي ان كل شيء لا يستلزم الفضيلة ولا الرذيلة (كلا النزعتين اللتين يُعرّفان حصرا بواسطة الذهن) هو غير مختلف. هذا يعني ان اشياءً مثل الصحة والثروة والصداقة والمرض والموت يجب ان لا تُصنف كخير او شر. كل هذه الاشياء ليست تحت سيطرتنا، انها خارجية بالنسبة لأذهاننا ولفضيلتنا، ولذلك هي لا فرق فيها لكي نعيش حياة جيدة(2).

لكي نلخص، وفق الاستدلال المنطقي أعلاه من الواضح انه بالنسبة للرواقي فقط الأحداث او الظواهر التي تتعلق بفضيلة فرد معين، او خصائص ذهنه، يمكنها ان تحمل خصائص الخير والشر. لاشيء آخر، لا شيء خارجي لذهن الفرد يمكنه ان يحوز على مكانة هذه الخصائص.

مما تقدم نستطيع ملاحظة الاختلاف بين أخلاق الايبيقوريين والرواقيين. الرؤية الاخلاقية الثورية للرواقيين ليست الفضيلة وسيلة مثلما تدّعي شروط المتعة الايبيقورية. بدلا من ذلك، الفضيلة هي استحقاق باطني واضح. اخلاق الرواقيين ليس فيها عناصر متعة. فيما وراء هذا المدخل، يعرّف الرواقيون المرح (ابتهاج عقلاني) كمضاد للمتعة، ويعرّفون الحاجة wish (شهوة عقلانية) كمضاد للرغبة desire (Diogenes Laertes V11,116).

بناءً على هذا، فان المتعة والرغبة يُعرّفان كحالات عاطفية غير جيدة. لكي نستنتج، كلا الايبوقورية والرواقية يسعيان الى روح صحية سلمية. ابيقور من خلال غياب الألم والاضطراب من الخوف والرغبات غير الضرورية، الرواقيون من خلال الروح المنظّمة بانسجام، المحكومة بالعقل والتصرف بفضيلة. اختلاف واحد حاسم هو في ان ابيقور، طالما يعتبر المتعة الشيء الوحيد للقيمة الداخلية، فهو يضع الخير والشر في مستوى الاحساس: "كل الخير والشر يتكونان في الاحساس". بالمقابل، الرواقيون يضعون الخير والشر في مستوى الفضيلة القائمة في اذهاننا: الخير والشر يتشكلان فقط من الموقف الذي نتخذه تجاه الاحاسيس. هذا اختلاف هام بين الاثنين.

2- الموت

كل من الايبيقوريون والرواقيون وجدوا الموت موضوعا ضروريا للفلسفة. ابيقور كتب بان "الموت هو حرمان من الإحساس "والذي يعني ان الموت ليس شيئا من الألم الكبير لنا، الموت هو ببساطة لا شيء بالنسبة لنا. كذلك، سينيكا كتب ان "الموت هو تحرّر من جميع المعاناة"، بينما ايرليوس يقول لا يهم ما اذا كان هناك اله ام لا، الفاضل لا يجب ان يخاف من الموت.

وفق المنظور الايبيقوري، عندما نتوقف عن الخوف من الموت ونفهم انه لا يعني شيئا بالنسبة لنا، فان التوقّع المقلق لآلام الموت والرغبة المقلقة للخلود سيختفيان.

وفي المنظور الرواقي، الموت ليس شرا لأنه جزء من عمل الطبيعة وان الرجل الحكيم سوف لن يسمح لنفسه ان يكون لاعقلانيا بالخوف منه. هذا القبول بالموت هو تحرير في كلا الرؤيتين. انه ينهي مرض الخوف ويقدّم فرصة للعيش في الحاضر بمتعة تامة وفضيلة. لكي تتعلم العيش الجيد هو ان تتعلم الموت الجيد (Diogenes Laertes X,126).

في كلا الرؤيتين، ادراك طبيعة الموت هو علامة حقيقية للإنسان الحكيم. في فهم الموت بالطريقة اعلاه، يصبح الحكيم متفوقا على مصيره وقدره. طالما يعيش الحكيم الايبيقوري، هو يبقى حذرا ويعرف ان المتعة يمكن انجازها بسهولة من خلال الحياة البسيطة وان الموت ليس بالشيء الذي يُخاف منه. "في توقّع اي شر قبل ان يتحقق"، الرواقي الحكيم يتحمل كل جروح الهجمات من الحظ ويُبقي روحه منظّمة مع ذهنه المتحرر المحكوم بالعقل. في هذا التفوّق – من الكفاية الذاتية، فان سعادة الحكيم تبدو كمن يشبه الاله. لدى كل من الايبيقوريين والرواقيين(3)، يرحب الشخص الحكيم بالموت ولكن بينما لايزال ينتظره، هو يعيش بكفاءة طبقا لعلاجات الفلسفة.

3- الكائن الاجتماعي

اخيرا، سوف نتطرق باختصار لواحدة من الافكار الهامة في كلا المدرستين. وهي فكرة الكائن الانساني ككائن اجتماعي. كل من الرواقيين والايبيقوريين يطورون ما نسميه عناصر "اجتماعية" pro-social و "غير اجتماعية" non-socialفي وصفهم للكائن الانساني ككائن اجتماعي.

في الرواقية، نجد عناصر اجتماعية هامة في العقيدة بان كل الكائنات الانسانية تشارك بجماعة بسبب حقيقة ان كل الكائنات الانسانية هي كائنات عاقلة- وهي العقيدة المركزية لدى الرواقية. وبدقة اكثر، ان البشر بطبيعتهم يميلون للتعاون والعمل مجتمعين- هم ينجزون وظائفهم في العالم عندما يعيشون من خلال هذه الميول الاجتماعية (Meitations 11,1).

الرواقيون ينظرون الى العدالة في ضوء القانون الطبيعي. طبقا لهم، العدالة توجد في الطبيعة، "الكل هو اجتماعي"، ومهمتنا ان نعيش طبقا لهذه العدالة الطبيعية.

الصداقة الحقيقية – كما يعتقد ارسطو مثلا – ليست شيئا يسمح به الرواقي المتحفظ لنفسه. هذا العنصر جرى التعبير عنه بوضوح في كتابات سينيكا: هنا، الصداقة ليست ذات قيمة هامة ابدا لأن الرواقي يجب ان يكون قادرا على العيش بسهولة بدون صديق ويجب ان يكون قادرا على عمل اصدقاء مع اي كائن انساني (Seneca, Letter IX). الرواقي هو غير اجتماعي بهذا المعنى لدرجة انه سوف لن يستثمر نفسه عاطفيا في فرد آخر. عبر اعتبارات عقلانية بشأن فضيلته الخاصة والعقل المشترك مع كل انسان، فان كل فرد هو بالأساس نفس الشيء بالنسبة له.

بالضد من هذه وفي طريقة اجتماعية واضحة، يصف ابيقور الصداقة بالرغبة العالية – المودة في هذه العلاقة هي متعة عظيمة. مع ذلك، طبقا لايبيقور، الصداقة تبدأ عادة كعلاقة منفعة ومزية متبادلة بعبارات سايكولوجية اجتماعية، ولكن اذا كانت ناجحة فانها سوف تنتهي بارتباط اكثر عمقا كـ "علاقة جماعية". بكلمة اخرى، الانسان عادة يبدأ الصداقات لأنه يريد "الحصول على شيء ما منها"، ولكن اذا تطورت الصداقة بطريقة صحية فان الأطراف تدعم هذه العلاقة لأنها لها قيمة عميقة بذاتها. كذلك، وبالضد من الرواقية، يصف ابيقور العدالة بكونها نتيجة العقد – هي ظاهرة اجتماعية، ليست ظاهرة طبيعية اساسية.

غير ان عنصرا غير اجتماعي يبرز لدى ابيقور عندما يقول "نحن يجب نحرر أنفسنا من سجن الشؤون العامة والسياسة" لأن هذا سوف يزعج هدوء أرواحنا. بالضد من الرواقيين (الذين يؤمنون انه من طبيعتنا ومن الطبيعة عموما ان نكون سياسيين)، ابيقور ينظر فقط للصداقة الودية باعتبارها مفيدة حقا للحياة الجيدة – وان الروابط الاجتماعية الجيدة تعتمد على خصوصيات هذه المودة. وبالعكس، المُثل الرواقية العالمية تعطي الصداقة سمة البناء غير الشخصي: الصداقة ليست استثمارا عاطفيا وانما بناء احتياطي. لكي نلخص، الرواقية تجد الانسان اجتماعيا بالطريقة التي يشترك بها في روابط سياسية عالمية – لا انسان غريب عن الآخر. بالمقابل، ابيقور نصح الناس بالانسحاب من السياسة وان يطوروا بدلا من ذلك صداقات ودية معينة. الفرق الجوهري بين المدرستين يبدو يعتمد على رؤيتيهما لما اذا كان الانسان يطور "علاقات خاصة" بين كل شخص وآخر (ابيقور يعتقد بهذا بينما يرفضه الرواقيون). بكلمة اخرى، السؤال يبدو هل نحن نقصر اجتماعيتنا على افراد معينين، او لجماعة تضم كامل النوع الانساني؟

استنتاج

الآن لاحظنا كيف ان الرواقية وافكار ابيقور يلتقيان ويختلفان في مظاهر المتعة والفضيلة والموت والمسألة الاجتماعية. هذه المقارنة تسلط الضوء على بعض السمات المميزة للمدرستين، وتوضح خصائص كل خط من التفكير. ان تعاليم المدرستين في الحياة الجيدة لا تبدو قديمة اليوم، وكذلك النقاشات حول ما اذا كانت "الحياة الجيدة" هي ان تُفهم حسب ارتباطها بالمتعة (كما يقول ابيقور) ام ليس وفق المتعة (كما يقول الرواقيون)، او بان نكون مواطنين عالميين ضمن العالم (كما يؤكد الرواقيون) او ان نكون افراد محليين بروابط خاصة (كأفكار الابيقوريين).

................................
الهوامش
(1) ابيقور يقسم منهجيا الرغبات الى طبيعية وضرورية وتافهة. النقطة الجوهرية هي اننا لكي نصل الى المتعة، والروح الصحية وهدوء البال يجب ان نسعى فقط الى الرغبات الطبيعية والتي هي ايضا ضرورية، هذه يمكن اشباعها وسوف تجلب للروح أعظم متعة وسعادة.
(2) الأشياء غير المختلفة يمكن تقسيمها ايضا الى اشياء مفضلة (التي يجب اختيارها) واشياء غير مفضلة (يجب رفضها). ضمن الصنف الاول نجد اشياء مثل الصحة والصداقة وما يسميه الرواقيون "الافعال الملائمة" appropriate actions. الافعال الملائمة هي افعال يتم اختيارها بسبب طبيعة المرء او موقعه او واجباته – مع ذلك لاتزال هذه الافعال لا تهم الفضيلة او السعادة مباشرة.
(3) بالطبع، الكثير يمكن ان يقال عن المتعة والفضيلة والموت. فمثلا، العديد من افكار الرواقيين لم يتم التطرق لها في هذا الورقة مثل مناقشة وظيفة الـ hegemonikon او الجزء العقلاني من الروح وكذلك المُثل او قيمة العيش بفضيلة والتي هي تماما مثل العيش وفقا للطبيعة. لكننا نؤكد ان اخلاق كلا المدرستين هي طبيعية، بمعنى انهما تؤكدان على ان السعادة يمكن تحقيقها فقط طبقا للطبيعة وظروفها.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3