هناك جيش جديد من الناس يبجل ويقدس بدول سلطوية مثل الصين، كما يقدس ويرفع من شأن الديكتاتورية البعثية في العراق سابقا، وبنفس الطريقة يُسَبّح يوميا باسم دولة سلطوية مرفهة مثل الامارات العربية المتحدة، لماذا هذه الأنظمة السياسية تحديدا؟ انها تشترك في مسألة واحدة، أنظمة تعتمد على زيادة منسوب الرفاهية وتقليل أو تلغي أي شيء له علاقة بالحرية، انها تحول الانسان الى بُلبُل محبوس داخل القفص طوال حياته، توفر له كافة مستلزمات الطعام والشراب والاقفاص الجميلة، لكن يستحيل ان تسمح له بالخروج وممارسة الطيران باعتباره جزءا من تكوينه وطبيعته.

الصين في نظر احباب السلطوية نظام له ميزة تجعله فريدا من نوعه، انه نظام يحقق رفاهية الانسان في زمن الازمات الاقتصادية التي تعصف باعظم الديمقراطيات، لكنها تملك اعظم نظام لمراقبة ادق تفاصيل الانسان الذي يمنع من الحديث بحرية والى الابد، اما في الامارات العربية المتحدة فهي دولة تحولت من النظام البدوي الصحراوي المعتمد على الصيد الى نظام اقتصادي ينافس الاقتصاديات الغربية، وانشأت وزارة للسعادة وأخرى للتسامح، والحقتها بوزارة اللامستحيل، لكن الوزارات تلك لم تستطع ان تقترب من محور مهم في حياة الانسان، وهو الحرية.

ولم تستطع الامارات تأسيس مفوضية عامة للانتخابات، بل انها تتعاقد مع أجهزة مخابراتية دولية لاقتحام خصوصيات الاخرين، الصين هي الأخرى التي تعتبر المصدر الأول للسلطوية تالمرفهة القائمة الى تعظيم المنجزات الاقتصادية وسحق حرية الانسان، انها تخاطب غريزة البقاء لدى الانسان او فلنقل تخاطب الغريزة الحيوانية وتهمل اهم صفة تميزه الانسان عن الحيوان وهي توقه الدائم لتحقيق ذاته عبر حصوله على حقوقه المعنوية وابرزها حق الحيش بحرية.

الانسان الحر لا يخضع لغيره

تؤكد المادة التاسعة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الانسان على ان لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الانباء والأفكار وتلقيها ونقلها الى الاخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود.

هذا النص لم يكن ليطبق في زمن سلطوية البعث الذي يتم التغني به اليوم، ولا يمكن تطبيقه في الامارات التي تحجب عشرات المواقع الالكترونية لمجرد انها تختلف معها سياسيا وتمنع المواطنين من الاطلاع عليها، ونفس الواقع يطبق في الصين بطريقة اكثر تشدداً، كل ذلك يجري من اجل حماية رفاهية الانسان، لكن الرفاهية تلك هي قناع لحجب الأهداف الابعد متمثلة بالحفاظ على السلطة باسم الرفاهية او خلق حلقة دائرية للربط بين وجود السلطوية القامعة للحرية واستمرار الرفاهية الاقتصادية، وهنا لا بد من التذكير ان النظم الاقتصادية العظيمة غالبا ما تنتج في الديمقراطيات اما رفاهية السلطوية فلا مجال لاستمراراها مهما كانت قوية وعظيمة كما هو حال الاتحاد السوفياتي سابقا وديكتاتورية البعث في العراق.

قد يقول البعض ان العيش بأمان وضمان لقمة العيش وتوفير فائض من المال اهم من الحرية التي لا تتعدى الحديث في السياسة، الا ان الأمور ليست بهذه البساطة، فالانسان يختلف عن الحيوان بكونه يبحث عن أشياء معنوية، الانسان يبحث عن حريته في الحديث، وقد تعرض الأنبياء والفلاسفة للقتل على مذبح الحرية رغم انهم كانوا يتمتعون باوضاع اقتصادية ممتازة، كانوا يفضلون ان يعيشوا من اجل أفكارهم على ان يمنعهم احد من التفكير، فقد فضل سقراط الموت على التنازل عن أفكاره وحريته، وخلال محاكمته قال ان ليس على الأرض انسان له الحق في ان يملي على الاخر ما يجب ان يؤمن به او يحرمه من حق التفكير كما يهوى.

اما جان جاك روسو يعتقد ان حرية الانسان هي ان لا يخضع لارادة شخص اخر، وهي تعتمد على عدم خضوع الاخرين لارادتي الخاصة، ففي الحرية العامة ليس لاحد الحق في ان يفعل ما تحرمه عليه حرية الاخرين.

هناك عشرات الآراء الدينية والفلسفية التي تتحدث عن الحرية، وتلخصها في شرط واحد، وهو غياب الاكراه، فطالما ان الانسان يتصرق بملء ارادته ولا يخضع لاي اكراه فهو حر.

الحرية تميز الانسان عن الحيوان

يرى الفيلسوف الالماني هيجل ان الانسان يشترك مع الحيوان في حاجات طبيعية اساسية كالحاجة الى الطعام، والنوم، والمأوى، والجنس، وقبل ذلك كله حاجته للمحافظة على حياته، والابقاء على وجوده، وهو الى هذا الحد جزء من الطبيعية.

غير ان الانسان عند هيجل يعود ويختلف عن الحيوان اختلافا جوهريا من حيث انه لا يشتهي اشياء مادية محسوسة فحسب كشريحة لحم، او كِسرة خبز، او سترة تقيه من البرد، او ماوى يعيش فيه، وانما يشتهي اشياء معنوية لا مادية واولى رغباته الاساسية اللامادية هي ان يعترف الاخرون بأدميته، انه يريد من الاخرين ان يعترفوا به كائنا بشريا موجودا له قدره، وكرامته ذا قيمة، بل انه كثيرا ما يقبل التضحية بحياته من اجل صيانه معناها.

انه على استعداد للمخاطرة بحياته في صراع من اجل المنزلة المجردة، وهو وحده القادر على هزيمة اكثر غرائزه الاساسية حيوانية واهمها غريزة حب البقاء في سبيل مبادئ واهداف ارقى واكثر تجريدا.

ويذهب هيجل الى ان الرغبة في نيل الاعتراف والتقدير هي محرك التاريخ فهي تدفع البشر الى الدخول في عراك حتى الموت يسعى فيه كل فرد لنيل اعتراف الاخر بقيمته وجدارته، وحيث ان الهدف من المعركة لا تحدده اعتبارات بيولوجية فانها تنطوي على اول بادرة من بوادر الحرية الانسانية(١).

من المفارقات ان اصل الثورات كانت من اجل تحرير الانسان من العبودية والتخلص من جور السلطوية، لم تكن الثورات من اجل لقمة العيش فقط بل ان جميع الثورات كانت تطالب بالرفاهية الاقتصادية باعتبارها حقا طبيعيا للإنسان، بالإضافة الى الحق الاسمى وهو الحرية.

وكانت البادرة الأولى للدولة الحديثة هي الثورة الفرنسية التي انتفضت ضد السلطوية وأقرت بحرية الانسان عن اي تاثير من السلطة عليه، بل هو من يختار من يحكمه، لم تكن الثورة الفرنسية لتتكبد كل هذه الخسائر البشرية من اجل الرفاه الاقتصادي فقط، انما كانت تطلب الى جانبها الحرية، اما وثيقة الحقوق التي أدخلت الى الدستور الأمريكي عام 1791 فقد عكست رغبة الأمريكيين في الحرية كحرية الرأي والتعبير وحرية التجمع وحرية المعتقد وحرية العبادة، كما نص التعديل الأول للدستور الأمريكي على ان لا يصدر الكونغرس أي قانون يحد من حرية التعبير او الصحافة او من حق الناس في الاجتماع سلميا وفي مطالبة الحكومة بانصافهم من الاجحاف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
1. امام عبد الفتاح امام، الاخلاق والسياسة دراسة في فلسفة الحكم.
2. الإعلان العالمي لحقوق الانسان
3. محمد اديب السلاوي، الحرية، موقع هسبريس.
4. المرجعيات الوضعية للحريات العامة بما فيها حرية المعتقد، مركز حرمون للدراسات المعاصرة.
5. نصير اليازجي، مفهوم الحرية من الفلسفة اليونانية الى جان جاك روسو، صحيفة المدى.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

16