مقدمة

تعاني اغلب دول الشرق الأوسط، ان لم يكن جميعها، من أنظمة احتكرت الحكم لأجيال مضت وربما لأجيال قادمة، واستبدت في سلب الحقوق العامة لمواطنيها، في مقابل عسكرة واضحة لشعوبها التي من المفترض ان تمارس وتتمتع بحقوقها المدنية التي كفلتها القوانين الإنسانية والأخلاقية المنبثقة من الفطرة السليمة.

وفي هذه المنطقة تظهر هذه المؤشرات:

1. الحروب والدمار على مدى عقود من الزمن بعد ان شهد أكثر من (10) حروب مدمرة (الحروب بين إسرائيل والعرب، الحرب العراقية-الإيرانية، غزو الكويت، غزو العراق، حرب إسرائيل على لبنان...الخ).

2. التوتر الأمني المستمر نتيجة لأيديولوجيا التطرف الفكري بأنواعه (الديني، المذهبي، العرقي، الاقتصادي. الخ) وبسببه دمرت العديد من الدول ونخرت فوضى التطرف اغلب مجتمعاتها (اليمن، العراق، سوريا، ليبيا، لبنان...الخ).

3. مستوى الفقر الثقافي والفكري الواضح في اغلب شعوب وقيادات هذه المنطقة نتيجة احتكار السلطة بيد فئة تعتبر التعليم والتنوير والتطور الفكري مصدر خطر يهدد وجودها وبقائها في السلطة.

4. منطقة اقتصادية غنية ومتنوعة في مصادرها الطبيعية كالزراعة (منطقة الهلال الخصيب) والنفط (الخليج) والغاز (قطر وإيران والعراق) وغيرها من الموارد، وبالتالي تحولت الى منطقة صراع للنفوذ الخارجي والمافيات الاقتصادية الكبرى في العالم، وقد شجع فساد هذه الأنظمة على المزيد من الحروب الاقتصادية لاقتناص الغنائم.

5. منطقة استراتيجية مهمة، وكما يعبر عنها بانها الطريق او المفتاح الذي يربط قارات العالم مع بعضها البعض الاخر، وهذا قد يعتبر سبباً اخر لعدم استقرار هذه المنطقة كنتيجة طبيعية للخلافات الحاصلة بين الدول الكبرى حول حصصها في الطرق والبحار والأجواء التي تخدم مصالحها.

العراق وسط الازمة

في وسط هذا الجو الموبوء بالحروب والتوترات الأمنية والصراعات الاقتصادية والايديولوجية كان للعراق نصيب الأسد من عدم الاستقرار والحرب والصراع على المغانم، بل لم تمر أي ازمة في هذه المنطقة الا وهذا البلد جزء أساسي منها لأسباب عديدة يطول شرحها في هذا المقال لكن يمكن حصرها في سببين رئيسين:

1. أسباب داخلية: يمكن اختزالها في الأنظمة التي حكمت العراق والتي تنوعت بين الاستبداد بالحكم وبين عدم تمكنها من الخروج عن التبعية الخارجية وبالتالي كان الاندفاع في خلق الازمة (بسبب الحاكم المستبد) او المشاركة فيها (التبعية الخارجية) غالباً ما يشكل السياسة العامة للبلد بعيداً عن مشاركة المجتمع لرأيه او رغبته في هذا الامر من عدمها.

2. أسباب خارجية: المؤثرات الإقليمية والحسابات الخارجية لم تكن تتجاهل أهمية العراق الاستراتيجية والاقتصادية والإمكانات البشرية المتاحة، لذا كان العراق جزء من هذه الصراعات الأكثر دموية على مر التاريخ ولم يشهد أي استقرار يذكر خلال (100) سنة الماضية.

عسكرة المجتمع

سعت النخب الحاكمة الفاسدة في (العراق ودول الشرق) الى عسكرة مجتمعاتها التي من المفترض ان تكون تبقى مجتمعات مدنيه مسالمة، كجزء أساسي من برنامجها الاستبدادي للسيطرة على الحكم والبقاء فيه أطول فترة ممكنة عن طريق استخدام أساليب العسكرة واداوتها المتمثلة في القوة والقتل والعنف والخطف والتعذيب امام مواطنيها تحت طائلة القانون، او كما يعبر عنها المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي: "وخصوصا إذا تبنت الدولة قتل الأفراد تحت ستار أنها من فئة معينة تختلف معها، أو من حزب سياسي أو جماعة دينية (...) أو ما أشبه ذلك حيث إن هذه الجرائم والمجازر وإن حصلت تحت مظلة القانون عبر تشكيل المحاكم الصورية التي ظاهرها القانون والعدالة وحفظ النظام وباطنها تعبيد الطريق للحاكم وأعوانه وتثبيتهم في الحكم أكثر فأكثر... كما يتوهمون".

ولا يقصد بعملية العسكرة في هذه المجتمعات الى جزئية حمل السلاح فقط، او جزئية استخدام العنف والقتل من قبل الطبقة الحاكمة واعوانها فقط، وانما تتعداه الى معنى التحول الجذري في طبيعة المجتمع من المدنية والاستشارية والسلمية الى العنف والقوة والقسوة واعتبارها ممارسة يومية وطبيعية في اغلب التعاملات، واستخدمت هذه النخب عدة سياسات لتطبيق هذا المفهوم وترسيخه داخل مجتمعاتها لعل أبرزها:

1. سياسة التجهيل: من خلال محاربة القيم والعادات والتعاليم والأفكار الأخلاقية والفطرية الطبيعية للإنسانية وتغييبها عن واقع هذه المجتمعات، لزرع مفاهيم العنف والغضب والقسوة والجهل والتخلف، ليتمكن المستبد من استخدام افراد هذا المجتمع كمحرقة للقضاء على خصوم الداخل والخارج.

2. سياسة التعبئة الجماهيرية (الشعبوية): والتي تفصل هذا المجتمع عن الحالة الطبيعية للمشاركة والتعايش والسلام مع المجتمعات الأخرى، لأنه يشعر بحالة من التفرد والتميز والعنصرية عن الشعوب الأخرى لدول العالم (أوضح مثال على ذلك هو الشعب الألماني أيام هتلر في العقدين الثالث والرابع من القرن الماضي) نتيجة لزرع مفاهيم وايديولوجيا خاصة تسهل عملية التعبئة الجماهيرية من اجل تحقيق غايات معينة للنخبة الحاكمة.

وإذا نجحت الطبقة الحاكمة في تحقيق عملية التحول الجذري من المدنية الى العسكرة فسيتحول الحال الى واقع فوضوي وعنيف وفاسد ينعدم فيه الاستقرار والحرية والاستشارية، وهو الواقع القريب جداً من الواقع العراقي، وبالتالي ينجح المستبدون في اللعب على التناقضات التي ولدتها العسكرة داخل المجتمع، وخصوصاً في حال وجود ازمة (حقيقية او مفتعلة) دينية او طائفية او أيديولوجية او اقتصادية او ديمغرافية او سياسية وغيرها والتي من السهل معها استخدام المجتمع المؤدلج أو المقولب كوقود لهذه الصراعات والحروب التي سيخسر فيها المجتمع هويته المدنية قبل ان يخسر أرواح وممتلكات مواطنيه.

مقترحات وحلول

بقدر ما تكون فيه عسكرة المجتمعات الشرق أوسطية عملية قاسية وطويلة وتجربة مريرة عانت منها شعوب المنطقة، ومنها العراق كثيراً الا انها لا تعني نهاية العالم في حال تكاتفت الجهود وتوحدت الرؤى لإيجاد حلول وطرح مقترحات حقيقية للتخلص من داء العسكرة المزمن، ونطرح هنا بعض النقاط التي يمكن ان تساعد في إعادة التفكير بالحلول التي يمكن ان تغير هذا الواقع العنيف بواقع سلمي أفضل وتوفير بيئة أكثر حرية ومدنية واستشارية:

1. ينبغي على النخب الثقافية إعادة التفكير مرة اخرى لطرح أفكار ونظريات وحلول جديدة مستلهمة من واقع هذه المجتمعات بدلاً من إعادة تدوير المفاهيم والأفكار المستهلكة والمستنسخة من تجارب سابقة وان كانت ناجحة في مجتمعات خرى، والاهم من ذلك هو محاولة هذه النخب النزول من فضائهم الافتراضي والتقرب من المجتمع والتفاعل معه وملامسة الجذور الحقيقية للمشكلة.

2. غياب القادة والمصلحين ظاهرة غير صحية داخل المجتمع وربما تؤشر لحالة مرضية مزمنة أدت الى هذا الغياب المؤثر، لذلك فان صناعة القادة والمصلحين ينبغي ان تكون ضمن أولويات العلماء والمثقفين والأكاديميين ومن يقع على عاتقهم عملية التنوير والتعليم والصناعة لهذه المجتمعات.

3. اسوأ ما يمكن تصوره في المجتمع هو وجود منظمات مجتمع مدني فاسدة ومراكز بحثية غير متخصصة ويعود سبب ذلك الى:

ا. قربها من السلطة الحاكمة وبالتالي هي جزء من عملية التجهيل والتعبئة الجماهيرية.

ب. تخضع لقيادات فاشلة او غير متخصصة وبالتالي لا يمكنها تحقيق المطلوب منها.

لذلك ينبغي الاهتمام كثيراً في انشاء منظمات مجتمع مدني خالية من الفساد وتقدم خدمات (تعليمية، ثقافية، تطوعية، فكرية، ترفيهية...الخ) حقيقية الى المجتمع، إضافة الى مراكز بحثية تخصصية يمكنها تحديد جذر المشكلة وتقديم المقترحات العملية لمعالجتها.

4. يقع على عاتق المؤسسات الدينية دور كبير في عملية تذويب العسكرة التي يعاني منها المجتمع، فهي تملك كل الإمكانات التي تؤهلها بقوة للمساهمة في الحل، واخذ دورها الطبيعي في عملية التغيير الشامل والحقيقي.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2020Ⓒ
http://shrsc.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4