منذ شهور تجتاح العراق احتجاجات متواصلة، يعبّر فيها المحتجون وغالبيتهم من الشباب عن رفض للطبقة السياسية وانتشار الفساد، وما آلت إليه الأوضاع المعيشية والخدمية وحتى السياسية من تدهور مستمر، مما حدا بالمحتجين إلى التصعيد، وما يهمنا هنا مفهومين نودّ التركيز عليهما، هما الاحتجاج أو التظاهر وهو حق مكفول دستوريا، وكذلك سنركز على الاعتدال كونه أسلوب ناجح في تطوير حياة الإنسان ودفعها باتجاه الاستقرار والتوازن.

الاعتدال أو معتدل (بالإنجليزية: moderate) في السياسة، وصف يطلق على شخص غير متطرف غير حزبي أو غير راديكالي. وغالبًا ما يستخدم المصطلح في الفلسفة السياسة تعبيرًا عن نزعة الوسطية Centrism، ضمن النظرية الوسطية Moderation theory وما يرتبط بها من وسط اليسار و وسط اليمين و الوسط الرديكالي، ومؤخرَا انتشر في معظم دول العالم تسمية حزب الوسط كمؤشر لتخلي أتباعه عن المواقف المتطرفة سواء الدينية والقومية والاجتماعية.

لكن الاعتدال يبقى مفهومًا عامًا يتجاوز الإطار السياسي إلى مجالات أخرى، دينية أو اجتماعية أو ثقافية، وهناك حثّ وتشجيع على اعتماد الاعتدال كأسلوب تعامل مع الجميع، بالإضافة إلى جعله منهج حياة، ولهذا شجعت عليه نصوص قرآنية كثيرة وأحاديث شريفة أيضا لأهميته وقدرته على الدفع باتجاه علاقات (عادلة) ليّنة تقوم على التعاون وإحقاق الحق.

ورد في الأحاديث النبوية وفي القرآن ما يرغب في فضائل الاعتدال عمومًا سواء في العبادة أو الطعام أو العلاقات الاجتماعية، (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا)، كذلك ورد الاعتدال في الصلاة بقوله تعالى: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. والاعتدال في الصدقة أيضا كما في النص القرآني المبارك: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا. وفي الأكل والشرب كما في قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا. وفي جانب التوازن بين إصلاح الدنيا وطلب الآخرة، كما في الآية الكريمة: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا.

الوسطية منهج حياة

مما جاء في أعلاه من تركيز على الاعتدال، يتّضح مدى أهمية هذا الأسلوب أو المنهج في قطف ثمار التفوق والنجاح في إطار تنافسي عادل غير مغالي، وبعيد عن أساليب الضغط غير المشروعة، حتى في حالات الاحتجاج الشعبي، هنالك أهمية كبيرة لأسلوب الاعتدال، فالاحتجاج هو طريقة للتعبير عن رأي جماعة أو حزب سياسي أو شخص، ويكون عادةً في منطقة ذات شهرة واسعة لتوصيل الصوت إلى أغلب شرائح المجتمع. وفي الأغلب يتحول إلى صراع بين المحتجين والشرطة، ولكن مع ارتباط الاحتجاج بالضغط على الطرف الآخر، إلا أن الاعتدال يبقى سبيلا إلى قطف المشاريع والأهداف المخطّط لها.

يراقب المجتمع الدولي والمنظمات المستقلة بشقّيها الداخلي والخارجي، ما يحدث في العراق من موجة احتجاجات دخلت شهرها الخامس، وهناك مطالب معلنة للمحتجين، كلّها تصب في محاولات تغيير الواقع السياسي، يسعى المحتجون العراقيون إلى إبعاد الطبقة السياسية الحاكمة والعاملة في الميدان السياسي، على أمل القضاء على الفساد، وتحسين حياة العراقيين من خلال بث العدالة الاجتماعية وتوفير فرص متكافئة للجميع، بعيدا عن التدخلات الحزبية وسواها.

تحققت بعض مطالب المحتجين مثل إسقاط وزارة عادل مهدي، وتغيير مفوضية الانتخابات والسعي لتحريرها من قبضة الأحزاب، وأخيرا وبعد صراع مرير وبعد سقوط أكثر من 500 شهيد وآلاف الجرحى في غضون الشهور الماضية، وقع اختيار رئيس الجمهورية برهم صالح على رئيس وزراء جديد خلفا لعادل عبد المهدي، لكنه قوبل بالرفض من قسم من المحتجين، وبعضهم وجد فيه فرصة للإنقاذ كما جاء في تصريحات الناشط المدني الدكتور علاء الركابي من مدينة الناصرية، حيث أعلن عن قبوله واقتراحه بمنح رئيس الوزراء الجديد فرصة لكي يفي بالوعود المهمة التي تعهّد بها.

من عهود رئيس الوزراء الجديد، تحديد موعد محدد لإجراء انتخابات مبكرة، وكذلك محاكمة قتلة المتظاهرين، وفتح ملفات الفساد، وهي أهداف مهمة وأساسية للمتظاهرين في عموم المحافظات المحتجة في الوسط والجنوب، ولكن السؤال المهم هل تعامل المحتجون باعتدال مع رئيس الوزراء الجديد؟

توحيد صفوف المتظاهرين

الملاحَظ أن المتظاهرين انقسموا على أنفسهم، مما أدى إلى تشتيت أصواتهم وآراءهم، وهذا ليس في صالح الحراك الشعبي الذي تتمثل قوته في وحدة الكلمة والرأي والأهداف، ففي الوقت الذي نجد فيه أنصار التيار الصدري وهم يمثلون نسبة مهمة من المتظاهرين يوافقون على منح رئيس الوزراء الجديد فرصة، يوافقهم في ذلك نسبة من المحتجين المستقلين، إلا أن هذه المواقف أدت إلى نوع من الصراع بين المتظاهرين من خلال إقدام أصحاب القبعات الزرق بفض بعض ساحات الاعتصام بالقوة، وهو ما أدى إلى تصادم بين المتظاهرين أنفسهم، أضعف زخم الضغوط وشتّتها.

ظهرت دعوات كثيرة تدعو إلى التهدئة واعتماد الاعتدال في الرأي والموقف والمعالجة، وجل ما تطلبه هذه الدعوات أن يكون المحتجون وعموم المتظاهرين على درجة من الاعتدال، تجعل من قطف ثمار الحراك الشعبي ممكنة، وهو أمر فيه وجهة نظر بحسب المتابعين والمهتمين، ولعلّ التخوّف من الالتفاف على مطالب المتظاهرين من قبل الطبقة السياسية هو ما يدفع بهم إلى رفض رئيس الوزراء الجديد والإصرار على التصعيد، وهو أمر قد يكون مبرّرا.

لكن الرأي الآخر مبرّر أيضا، بمعنى أننا كعراقيين نحتاج أيضا إلى مغادرة الفوضى للاستقرار وانتظام الحياة، شرط أن لا تبقى حالات الفساد وهدر المال وضعف أو تصفير الخدمات على ما كانت عليه، وهذا ما يخشاه الحراك الشعبي لاسيما بعد تقديم مئات الشهداء في سوح التظاهر، ومع ذلك ليس هنالك بدّ من التفكير الجدّي بانتهاج الاعتدال من جميع الأطراف، لأن الطبقة السياسية الحالية لا يمكن أن تمنح المتظاهرين كل ما يطلبوه بما في ذلك تنحية الأحزاب، وما شابه!.

اعتدال المحتجين، أمر لا يجب إغفاله، ولا يصحّح النظر إليه على أنه ضعف، أو إخلال بمسيرة الاحتجاج وأهدافها، حتى رئيس الوزراء الجديد نفسه، طالب المحتجين بمواصلة التظاهر، نعم هو جزء من الطبقة السياسية وينتمي للحاضنة نفسها، لكنه بحسب المعايير والحقائق، يمكن أن يقدم الكثير من الثمار الجيدة التي يهدف إليها المتظاهرون.

ويبقى الشيء الأهم أن حالة الاحتجاج السلمي تبقى قائمة ومستمرة بمواصلة الضغوط حتى تحقيق الأهداف الشعبية، ومن أهمها محاسبة قتلة المتظاهرين، والقضاء على الفاسدين وفسادهم، وضمان نزاهة الانتخابات المبكرة، وفي الحياة لا يوجد نتائج متكاملة، بل هناك نسب معينة من الانجاز، ودرجة محددة، فإن كانت نسبتها ضمن إطار درجة النجاح، هذا هو المهم، لأن النجاح المتدرّج في الإصلاح هو سنة الحياة المتعارف عليها.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

14