حراك سياسي شهدته العاصمة الماليزية كوالالمبور بتاريخ 18 إلى 22 ديسمبر 2019 قمة إسلامية مصغرة، ذلك الحراك الذي اصطبغ بلون جديد من النقاش السياسي الجاد والهادف نحو تحمل المسؤوليات الدينية والقومية حيال ما تكابده الأمتين العربية والإسلامية من أزمات خانقة ومدمرة.

ما كانت منظمة التعاون الإسلامي يوماً ما ومنذ تأسيسها قبل ما يزيد على نصف قرن أكثر من هيكل لا يقدم ولا يؤخر شيئاً بالنسبة للهدف الذي أنشئت من أجله ألا وهو حماية القدس والمسجد الأقصى والقضية الفلسطينية ولا تنتهي قممها بالعادة إلا ببيانات جوفاء لا تحمل إلا العبارات المكررة والفاقدة أي فاعلية أو ترجمة على أرض الواقع.

لقد طفح الكيل من منظمة المؤتمر الإسلامي للسياسات الاستسلامية والتموضع في الخانات الرجعية، كان العنوان الأبرز لإستراتيجية عملها خلال السنوات الماضية، إذ كانت على الدوام الحاضر الغائب لجهة التبني الجاد للحلول والمعالجة الجذرية لجملة من الملفات الساخنة والقضايا المفصلية التي لا تقبل القسمة على اثنين على مستوى المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. ولا شك بأنها نتيجة حتمية لجسد هزيل انتفت عنه صفة التداعي بالسهر والحمى، وقد أثقلت بعض أعضائه بالأمراض والجراح، تلك المنظمة التي كانت ولا تزال نسخة غير معدلة عن الجامعة العربية تتقاسمان الشرذمة في العناوين والتآمر في المضامين، إلا ما رحم ربي لجهة وجود قلة قليلة من الدول الأعضاء باتت معروفة للقاصي والداني، لا تزال منخرطة في المنظومة الحاملة للعقيدة القومية، تحمل الهم العربي وترفض الإملاءات الصهيوـ أمريكية.

ما حدث في القمة الإسلامية المصغرة برئاسة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد وبحضور أربع دول إسلامية ممثلة بقادتها هي: ماليزيا وتركيا وإيران وقطر إضافة إلى باكستان التي يمثلها وزير خارجيتها بعد اعتذار رئيس وزرائها عمران خان. بالإضافة إلى ممثلين من عدة دول معظمهم من المفكرين ورجال الدين ورجال الأبحاث والسياسيين.

ما حدث في هذه القمة كشف المستور، لأوّل مرة عن ''المحرّم'' السعودي الوهابي، الذي طالما كان بعيداً عن النقد أو النقاش حتى على مستوى أخطائه بحق التاريخ، وتورّطه بجرائم السياسة والطغيان والديكتاتورية، ما يؤشّر إلى انتهاء الدور الوظيفي لحكم السعودية. فقد طار صواب آل سعود وشركائهم من انعقاد هذه القمة الإسلامية! آل سعود المتخبطون في قراراتهم عبروا عن انزعاجهم من القمة، بمراهقة سياسية فجة، من خلال إعادة تسليط ألسنة وسائلها الإعلامية، وأبواق عربية مدفوعة الأجر مسبقاً، لأن مؤتمر كوالالامبور قد يعمل على منافسة منظمة التعاون الإسلامي بين الدول الإسلامية التي تتخذ من جدة مقراً لها ويديرها النفوذ الملكي السعودي. فالرئيس الماليزي مهاتير محمد ألمح إلى أن مستقبل مؤتمر كوالا لامبور سيتصدر ساحة العالم الإسلامي.

مشكلة السعودية التي دعت لمقاطعة قمة كوالالمبور، وتحذيرها عبر ''منظمة التعاون الإسلامي''، التي عُقدت القِمة خارج عباءتها، من أن اجتماعات كهذه تعدُّ ''إضعافاً للإسلام والمسلمين''. وحشدت وجندت كل أدواتها لإفشال القمة، التي وصل اغتياظها منها حدّ توصيفها بـ''قمة الضرار''.

فحصيلة منظمة التعاون الإسلامي مخزية لجهة دعم القضية الفلسطينية وقضايا الدول الإسلامية كلها والوقوف في وجه جائحة الإرهاب التكفيري الوحشي، ولكنها نجحت بامتياز في تعزيز التفرقة بين المسلمين وتعميق الانقسامات بين شعوبهم وتكريس الخطاب المذهبي والطائفي، وبذلك يتأكد المؤكد أن نظام المملكة السعودية ماضٍ في تخريب المنظمات العربية والإسلامية وتحويلها إلى دوائر ملحقة به لقاء إغراءات مالية ضخمة للقائمين عليها، هكذا حصل في جامعة الدول العربية وتوابعها وهكذا يحصل في منظمة التعاون الإسلامي حيث أوصلت المنظمة إلى الحضيض ليس بسبب عجزها عن حماية مصالح المسلمين فقط، وإنما بسبب تحولها إلى عامل لضرب وحدتهم وكرامتهم وهي بهذه المواقف المتخاذلة من المقاومة وقضية المسلمين الأولى في فلسطين، وبهذه البيانات المثيرة للتفرقة بين شعوب العالم الإسلامي ودوله، إنما تعلن اقتراب أجلها بعد أن وجهت أكبر طعنة للمشاعر الإسلامية في القرن الحادي والعشرين.

مشكلة السعودية أنها تعاني اليوم من فقدان الثقة والمصداقية في العالم العربي والإسلامي، فقد اهتزّت صورة السعودية بشكلٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة نتيجة مواقف واصطفافات مُثيرة للقلق تمتاز جميعها بالضعف وفقدان السيطرة والتوازن. لقد لعبت السعودية دوراً خطيراً ومذلاً في مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية من أجل احتلال العراق الدولة العربية الشقيقة، وشنّها حرباً ظالمة على اليمن، متسبّبة الكثير من المآسي في هذا البلد باسم دعم الشرعية، ودعمها الإرهابيين وتصديرهم إلى سورية وليبيا، واستعداء إيران والتحريض الغربي بقيادة أميركا لشنّ الحرب ضدّها، والتطبيع المجاني مع الكيان الصهيوني، بل العمل معه من أجل تصفية القضية الفلسطينية من خلال صفقة القرن المشبوهة ودفع مئات المليارات من أجل ذلك المشروع، وشنّ الحرب الإعلامية ضد المقاومة الفلسطينية، والمقاومة اللبنانية!؟

وللأسف المأسوف عليه، أنّ منظمة التعاون الإسلامي التي تأتمر بأوامر آل سعود، دخلت كما خطط لها في غيبوبة وشلل، وبات لا يوقظها إلا استدعاء خليجي أو غربي أو مصلحة إسرائيلية لاستصدار قرار أو بيان بدعم أمريكا وشركائها ضد هذا البلد الإسلامي أو ذاك. فشلت ولم تحقق أي نجاح يذكر بسبب حالة الفرقة والتشرذم والاختلاف بين الدول الـ 56 التي تشكل منظمة التعاون الإسلامي، فلم تملك تلك المنظمة الإرادة الحقيقية التي تؤهلها للاضطلاع بقضايا الأمة، بل وجهت لخدمة أغراض سياسية خاصة مؤخرا، ولم تحقق حتى اليوم أي أهداف استراتيجية ولم تتبن أي قضية عادلة من قضايا العالم الإسلامي، فبقيت تراوح مكانها كتحصيل حاصل يعبر عنه واقع هذه المنظمة، وربما يراد لمنظمة التعاون الإسلامي أن تكون هكذا لا حراك حقيقيا فيها. والسؤال الذي يتبادر لذهن أي مسلم:

كيف لمنظمة تعاون إسلامي لم تحقق شيئا يذكر في صالح الأمة طوال تاريخها كيف لها أن تقود العالم الإسلامي؟!

بالرغم أنّ منظمة التعاون الإسلامي تعدّ أكبر تجمع دولي بعد الأمم المتحدة، إلاّ أنّ إنجازاتها لا ترقى إلى مستوى تطلعات الشعوب الإسلامية، إذ لم تفلح في فض النزاعات التي تنشأ في بعض المناطق من العالم الإسلامي بين المسلمين بعضهم مع بعض، ولم تنجح في ترسيخ العلاقات الإسلامية ـ الإسلامية وتقويتها وإنمائها وازدهارها. فالسمة الإسلامية للمرحلة الراهنة هي الاتفاق (على عدم الوفاق)، حيث التخندق، الاستقطاب، الانقسام، الغرق في الذات القطرية، الاصطفافات، والمجابهة، تحتل الاولوية بالنسبة للنظام الرسمي بشكل عام، مضافا إليها الانشداد للمواقف الثأرية من الآخر! والسعي الحثيث من قبل البعض لتزعم أحداث المرحلة بمواصفات جديدة مرتبطة بعوامل إقليمية ودولية! وانحسار دور البعض المؤهل تاريخيا وقدرة، لممارسة القيادة!

كل ذلك على حساب العمل الجماعي الإسلامي! ووسط تعاظم المرض الإسلامي الجديد وعنوانه: تغلغل الطائفية، الإثنية والمذهبية في أوساطه، والآخذة في التمثل في: صراعات تناحرية على حساب صراعات اخرى، من المفترض أن تكون هي الاساسية، تناحرية، تناقضية رئيسية: كالصراع مع العدو الصهيوني.

وأيضا على حساب صراعات أخرى: كالصراع مع استهدافات عموم المنطقة لافراغها من محتواها التاريخي وسماتها الرئيسية، المرتبطة بالتاريخ والحضارة العربية، كالاستهداف الطامح الى تحويل المنطقة إلى شرق أوسط جديد أو كبير، تكوّن اسرائيل فيه: ليس القوة الرئيسية فحسب، وانما المكون الأساسي من مكوناتها التاريخية والحضارية، المهيمنة على المنطقة ليس سياسيا فحسب، وإنما اقتصادياً وتقريرا في الأحداث الجارية فيها. مثل أيضاً على الصراعات المفترضة: الصراع ضد الاستهداف الطامح الى تفتيت الدولة القطرية العربية إلى دويلات طائفية ومذهبية وإثنية، متنازعة فيما بينها ومتحاربة مستقبلا.

نعم، الصراعات آخذة في السيطرة على الجسد الإسلامي، هذا المرض هو أخطر من السرطان الخبيث، الذي يصاب به مطلق إنسان، لكنه معادل له من حيث النتائج، مع فارق وقت النهاية الأكيدة. دول إسلامية تعاني ولا من مجيب، وأخرى مشغولة بقضاياها الذاتية والصراعات المحتدمة في دواخلها. هذه اللوحة الرسمية الإسلامية فاقت في سوئها، أعلى درجات التخيل تشاؤما لمطلق مراقب بعيد إلى درجة كبيرة عن معايير التفاؤل، ذلك بالنسبة لمستقبل الوضع الإسلامي برمته مع الأسف!ّ.

لست أدري ماذا تفعل منظمة المؤتمر الإسلامي حيال هذه الهجمة الفظيعة ضد المسلمين والإسلام والعالم الإسلامي؟ أقول، إذا بقيت هذه المنظمة منظمة لإجراء المرتبات بالعملة الصعبة لموظفيها فقط، فان عليها وعلى مستلمي هذه ''المرتبات الرفيعة'' السلام، إذا لم يتذكروا سمعة العالم الإسلامي التي يجري تشويهها على قدم وساق بلا رادع ولا حتى محتج''.

لا يشك المرء قط من أن سمعة العالم الإسلامي تتدهور، وعلى نحو مضطرد وسريع، بفضل المجاميع الإرهابية التي لم تبق لاسم الإسلام الأصل، المستمد من لفظ ''سلام''، شيئاً يذّكر معتنقيه ومتابعيه من خارج العالم الإسلامي بحقيقة هذا الدين الحنيف السمح. بيد أن للمرء أن ينحي بلائمة هذا التدهور المنظور على العالم الإسلامي كذلك، على ذلك العالم الإسلامي ذاته الذي يبدو لي وكأنه يتقاعس، حكومات ومنظمات إقليمية وأفراد، عما ينبغي الاضطلاع به على سبيل التصحيح والتقويم، بخاصة اليوم، على سبيل تجاوز الهجمة الإعلامية التي هبطت الآن من الإعلام إلى مستوى الثقافة الشائعة، أي ثقافة ''كل الناس'' في العالم الغربي بخاصة.

وفي هذا السياق، عبّر مهاتير، عن الإحباط من عدم قدرة ''منظمة التعاون الإسلامي'' على تشكيل جبهة موحّدة للعمل الإسلامي. وفي نظرنا المتواضع، آن الأوان لإيجاد البديل المناسب لهذه المنظمة الفاقدة للوعي للأسف الشديد، ولا شك أنه إذا ما تولدت الإرادة الحقيقية من خلال قمة ماليزيا في تشكيل نواة تكتل إسلامي هو ما يبحث عنه أبناء الأمة الإسلامية بعدما أصابها من الضرر والتراجع عن ركب الأمم، وتعرض أبناؤها لمآسٍ كبرى، لذا ما زلنا نترقب ونمني النفس بظهور أية بوادر تكتل إسلامي حقيقي لمعالجة قضايا الأمة.

لقد مضى العهد الذي فرض خلاله بنو سعود وصايتهم على الآخرين وعلى الدين بقوة المال وسطوة الحملات الإعلامية، كما مضى الزمن الذي كان الافتراء والكذب والتكفير يحقق الهدف الذي يتطلعون إليه، فالأمة اليوم أحوج ما تكون إلى جمع الكلمة لا إلى تمزيقها، وحقن الدماء لا إلى سفكها. النموذج السعودي الذي فجّر أكبر عملية مسح للذاكرة العربية والإسلامية وإرثها الحضاري، بات لزاماً على عقلاء الأمة التحرّك لوضع حد لممارسات ''مملكة الرمال'' التي استخدمت الدين الإسلامي الحنيف، وسطوة المال، وسيلة لجعل دول المنطقة تسبح فوق بركة من الدماء خدمة لأجندات أمريكا وبني صهيون، وتحويل معظم دول العالم إلى ساحة صراع دموي مفتوح، من سورية إلى العراق ولبنان وليبيا وصولاً إلى إيران وأفغانستان وحتى أفريقيا، لتحقيق رؤاهم وفق مبدأ ''الفرقة الوحيدة الناجية''، حسب رؤية بني سعود وشركائهم في الإفتاء من آل الشيخ، الذين يكفرون كل من لا يمشي على طريقتهم، ويقيمون عليه ''الحد'' بذريعة تجاوز المحرّمات.

إنه من المستحيل في عالم اليوم قيام دولة إسلامية واحدة تجمع شعوب العالم الإسلامي، كما كان الأمر في سالف الدهر، فإنه من الضروري العمل على تقوية أي تكتل إسلامي جديد من إندونيسيا شرقا إلى المغرب غربا، يجمع ولا يفرق دول العالم الإسلامي في تكتل متضامن ومتناسق، يغلب الصالح العام والقضايا الكبرى على المسائل الفرعية والقضايا الهامشية، وبذلك يتحول الوعي الاستراتيجي إلى مشروع استراتيجي يبني الوحدة الإسلامية، ويرسخ العلاقات بين مكونات الأمة، ويخرجها من المأزق الحضاري الذي يعوق مسيرتها، ويغري الأمم بالتكالب عليها. ولابد أن تكون الروح الإسلامية والأخوة الصادقة متواجدة فالمقدرات الإسلامية كبيرة في العالم العربي وآسيا وإفريقيا وهناك قدرات مبدعة للشباب الإسلامي لا ينبغي أن تهدر في مشكلات وصراعات لا طائل من ورائها.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2