يبدو لي أن المشهد الثقافي في أي مجتمع، لا يمكن أن يتطور، ويراكم من خبراته، ويزيد من فعالياته ومناشطه المتعددة، بدون تحديد دقيق للمصطلحات المستخدمة.. وذلك لأن الكثير من المفردات والمصطلحات المتداولة، لا يتم التعامل معها بوصفها ذات مضمون موحد ومشترك، مما يؤدي إلى الكثير من الالتباس والتعمية المعرفية والاجتماعية..

فحينما نتحدث عن الديمقراطية مثلا، فإننا نتحدث عن هذا المفهوم دون أن نحدد مضمونه. وكل الأطراف والأطياف، تستخدم هذا المفهوم وغيره، وكل طرف يحمل معنى ومضمونا مختلفا ومغايرا عن هذا المصطلح أو المفهوم. لذلك فإننا نعتقد أن حجر الزاوية في تنشيط وتفعيل الحياة الثقافية والمعرفية في أي مجتمع، هو في العمل وبذل الجهد العلمي والمعرفي لتحديد المعنى الدقيق لكل المفاهيم المتداولة والمصطلحات السائدة..

ولعل من أهم هذه المفاهيم، والتي يتم تداولها بكثرة هذه الأيام، هو مفهوم الاعتدال.. وكل طرف أو كاتب ينادي بالاعتدال، ويعتبره هو طوق النجاة من العديد من الفتن والمشاكل، ولكن ما معنى الاعتدال وما هي محدداته، فإن القليل من الجهود التي تبذل لبلورة مضمون هذا المفهوم..

فالاعتدال ليس مفهوما شكلانيا، حتى نعتبره، هو النقطة الوسطى بين رذيلتين، وإنما هو من المفاهيم الفكرية والسياسية العميقة، التي تتجاوز المعنى المتداول للوسطية..

وذلك لأن جميع المجتمعات الإنسانية قاطبة، تعتقد وبشكل عميق، أن القيم والمبادئ التي تحملها، هي القيم والمبادئ الإنسانية – الطبيعية، والتي تقف بشكل دقيق بين رذيلتين.. فكل المجتمعات ترفض الغلو والتنطع في الدين والتطرف في الالتزام بمقتضيات القيم.

كما أنه في المقابل، كل المجتمعات على الصعيد النظري، ترفض الانسلاخ من الثوابت والتفلت من القيم الذاتية العليا..

فكل المجتمعات بصرف النظر عن دينها وأيدلوجيتها، تنظر إلى ذاتها، بوصفها هي التجسيد العملي لمفهوم الاعتدال والوسطية..

وكل هذه المجتمعات على الصعيد العملي، تختلف مع بعضها على مستوى التزام هذه المجتمعات بمقتضيات الاعتدال ومتطلبات الوسطية. وبهذا يتحول هذا المفهوم، إلى مفهوم سائل غير محدد المعالم. فالإنسان ينظر إلى ذاته بوصفه معتدلا، والآخر ينظر إليه بوصفه متنطعا وبعيدا عن مقتضيات ومحددات هذا المفهوم والعكس..

لهذا فإننا من الضروري أن نعمل على بيان وتوضيح محددات الاعتدال.. وذلك لأن هذا المفهوم ليس أيدلوجيا أو عقيدة متكاملة، وإنما هو رؤية معرفية وثقافية وسياسية، تحدد معنى ومضمون هذا المفهوم.. لذلك فإن السؤال الملح في هذا السياق هو: ما هي محددات مفهوم الاعتدال، بصرف النظر عن الأيدلوجية التي تقف خلف هذا المفهوم. لأن كل أيدلوجية تدعي لنفسها أنها الوحيدة القابضة على حقيقة الاعتدال ومعناه الحقيقي والعميق لهذا كله فإننا نعتبر أن محددات الاعتدال هي النقاط التالية:

1- القبول بحقيقة التعددية والتنوع في الاجتماع الإنساني:

لعل من أهم المحددات التي تحدد بدقه معنى الاعتدال، وحدوده المعرفية والاجتماعية والسياسية، هو مدى القبول والانسجام مع حقيقة التعددية الموجودة في المجتمعات الإنسانية بكل مستوياتها ودوائرها.

لا يمكن أن يكون الإنسان معتدلا، وهو يرفض هذه الحقيقة، أو لا يلتزم بمقتضياتها ولوازمها.. فكل الناس يدعون لأنفسهم، أنهم هم الوحيدون الذين على الجادة، وهم الوحيدون المتمسكون بأهداب الفضائل كلها، ولكن ما الدليل العملي على هذا الادعاء، لا شيء..

إننا نعتقد أن المعنى الدقيق والمعرفي للاعتدال، ليس هو الذي يفسر هذه القيمة بوصفها القيمة الخيرة التي تقف في الوسط بين رذيلتين وهما الغلو والتشدد من جهة، ومن جهة أخرى الانسلاخ والاستلاب القيمي والمعرفي. فالاعتدال يعني: الموقف المعرفي الأخلاقي، الذي يعترف بحقيقة التعدد، ويتعامل مع قيمة التنوع بوصفها من القيم الخالدة، التي لا يمكن محاربتها أو العمل على استئصالها..

وكل إنسان يحارب هذه القيمة والحقيقة، هو إنسان غير معتدل، حتى وإن ادعى ذلك.. المعتدل حقا هو الذي يتعامل بعقلية حضارية ورؤية متسامحة مع حقيقة التعدد بكل مستوياتها..

وإننا نعتقد أن القبول بهذه الحقيقة الإنسانية الخالدة، هو من أهم محددات مفهوم الاعتدال..

وعليه فإن كل فرد أو مجتمع، يحترم هذه الحقيقة، ويتعامل معها بعقلية حضارية، هو إنسان ومجتمع معتدل بصرف النظر عن دينه أو أيدلوجيته. وعلى هذا المقياس قد يكون المعتدل مسلما وقد لا يكون. فالعبرة في تقديرنا هو في مدى التزام الإنسان فردا وجماعة بالقبول بحقيقة التعددية والالتزام بكل لوازمها ومقتضياتها..

2- احترام الإنسان وصيانة حقوقه الأساسية:

هل يمكن أن يكون الإنسان معتدلا، وهو ينتهك حقوق الإنسان، ويتعدى على مقدساتهم وخصوصياتهم ولوازمهم الإنسانية.

إننا نعتقد أنه لا يمكن للإنسان أن يصبح معتدلا، بدون احترام الإنسان بصرف النظر عن دينه وعقيدته وصيانة حقوقه الأساسية. فالاختلاف في الدين والعقيدة، لا يشرع للإنسان مهما علا شأنه، أن ينتهك حقوق المختلف معه أو يتعدى على خصوصياته.

بل إن هذا الاختلاف يلزم الإنسان أخلاقيا ودينيا، إلى المبالغة في احترام الإنسان وصيانة حقوقه الأساسية..

[فالناس صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق] ولا يجوز بأي نحو من الأنحاء التعدي على حقوقه أو عدم احترام آدميته وإنسانيته..

وعليه فإن كل المشروعات الأيدلوجية والفكرية، التي تسوغ لنفسها التعدي على حقوق المختلفين معها، هي مشروعات متطرفة حتى وإن ادعت الاعتدال.. فالعبرة دائما بالسلوك العملي ومستوى الالتزام الفعلي باحترام الإنسان وصيانة حقوقه الأساسية.

ولا يمكن صيانة حقوق الإنسان، بدون وجود رؤية متكاملة لهذه الحقوق، وكيفية حمايتها وصيانتها، وتوفر إرادة مجتمعية متكاملة، لتحويل تلك الرؤية إلى واقع حي على صعد الحياة المختلفة.. فالمجتمع المعتدل والوسطي، هو الذي يحترم ويصون حقوق الإنسان، ويعمل عبر مؤسساته المختلفة الرسمية والأهلية، لتوفير كل الأسباب والشروط المفضية للإعلاء من شأن الإنسان وجودا وحقوقا.

3- الانفتاح والتواصل مع الثقافات الإنسانية:

لعل الجذر الثقافي والمعرفي لمفهوم الاعتدال، هو نسبية الثقافة والحقيقة. وإنه لا يوجد إنسان على وجه هذه البسيطة، يمتلك كل الحقيقة، وإنما هو يمتلك بعضها، والبقية موزعة على بقية الخلق. ونسبية الحقيقة والثقافة، ينبغي أن لا تقود إلى الانكفاء والتقوقع، والشعور الوهمي بالامتلاء، وإنما من الضروري، أن تقود إلى الانفتاح والتواصل مع الآخرين. فلكون الحقيقة موزعة بين البشر، فلا مناص من الانفتاح والتواصل مع الآخرين، لأن هذا التواصل والانفتاح، هو التعبير الطبيعي،للاستفادة من معارف الآخرين وثقافاتهم.

وعليه فإن الاعتدال الثقافي والسياسي والاجتماعي، لا يساوي الانعزال والانكفاء والاستغناء عن الآخرين وإنما هو يعني التفاعل مع الآخرين، والانفتاح على ثقافاتهم والتواصل مع معارفهم.

فالانكفاء على الذات ليس من مقتضيات الاعتدال والوسطية. كما أن تضخيم الذات والنظر إليها بفوقية ونرجسية ليس من لوازم الوسطية.. إن الاعتدال كمفهوم معرفي وثقافي يفتح الباب واسعا للانفتاح والتفاعل الخلاق مع كل الثقافات الإنسانية..

ولا سيادة حقيقية لمفهوم الاعتدال في أي مجتمع من المجتمعات، بدون هذه المحددات. فهي جوهر هذا المفهوم ومضمونه الحقيقي. وبدونها تكون كل الوقائع انحباس على الذات لا مبرر له، أو هروب من تحديات الحاضر إلى كهف الماضي والأمجاد التاريخية.

فجوهر الاعتدال في المجتمع والثقافة والسياسة، هو القبول بحقيقة التعددية، والتفاعل الإيجابي مع مقتضياتها ومتطلباتها. واحترام الإنسان بوصفه إنسانا، بصرف النظر عن منبته الديني أو عرقه أو قوميته..

فالإنسان محترم لذاته، إذ يقول تبارك وتعالى [ولقد كرمنا بني آدم] ومقتضى التكريم الرباني، هو صيانة وحماية حقوقه الخاصة والعامة.

وهكذا يتحول مفهوم الاعتدال، من مفهوم شكلي – تبريري، إلى مفهوم حضاري، لا يلغي التدافع بين الناس، ولا التنافس بين المجتمعات، وإنما يوفر الأرضية الضرورية والمناخ المؤاتي لانطلاق المجتمع بكل أطيافه وتعبيراته، لاجتراح فرادته، وبناء تجربته المفتوحة والمتفاعلة مع المنجز الحضاري والثقافي الإنساني..

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0