يكاد التطرف يصبغ حياتنا الاجتماعية والثقافية والسلوكية والفكرية. ويكاد يصدق علينا قول الشاعر الجاهلي: (ونحن أناس لا توسط بيننا). للأسف لم يأتِ بعده شاعر يقول: (ونحن أناس لا تطرف بيننا). فهل التطرف موروث جيني؟! لا أقول بذلك طبعا، ولكن الواقع يصر على مخالفتي وإثبات العكس. هداك الله أيها الواقع المعاند الأليم!!!

في حياتنا الأسرية مثلا نجد نموذجين أو نمطين تربويين سائدين: نموذج الثواب بإفراط والتدليل دون حدود، ونموذج العقاب بإفراط والتعذيب دون حدود. أما النموذج الوسط الذي يعتمد في الأصل على الثواب وفق أسس سليمة، ولا يهمل العقاب كعلاج استثنائي لبعض الحالات ضمن حدود محكمة تلتزم بالضوابط الشرعية وتتأطر بالقيم والأخلاق وتنطلق من الحب عند إعمال العقوبة.

يزخر القرآن الكريم بالكثير من الآيات التي تتحدث عن العقاب كعلاج يُلجأ له عند الضرورة. ولعل آية واحدة تكفي من يتوقف عندها لإيصال المطلوب. ونعني بها قوله تعالى: (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً).

يقول صاحب تفسير التحرير والتنوير في ذيل هذه الآية:

"والاستفهام في قوله: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ أريد به الجواب بالنفي فهو إنكاري، أي لا يفعل بعذابكم شيئا.

ومعنى يَفْعَلُ يصنع و ينتفع، بدليل تعديته بالباء. والمعنى أنّ الوعيد الذي تُوعِّد به المنافقون إنّما هو على الكفر والنفاق، فإذا تابوا وأصلحوا واعتصموا باللّه غفر لهم العذاب، فلا يحسبوا أنّ اللّه يعذّبهم لكراهة في ذاتهم أو تشفّ منهم، ولكنّه جزاء السوء، لأنّ الحكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الإحسان بالإحسان، وعلى الإساءة بالإساءة، فإذا أقلع المسيء عن الإساءة أبطل اللّه جزاءه بالسوء، إذ لا ينتفع بعذاب ولا بثواب، ولكنّها المسبّبات تجري على الأسباب".

أما صاحب تفسير الأمثل، فيقول تحت عنوان: (العقاب الإلهي ليس دافعه الانتقام) ما يلي:

"والآية الأخيرة- التي هي موضوع بحثنا الآن- تشير إلى حقيقة ثابتة وهي أنّ العقاب الإلهي الموجه للبشر العاصين ليس بدافع الانتقام ولا هو بدافع التظاهر بالقوّة، كما أنّه ليس تعويضا عن الخسائر الناجمة عن تلك المعاصي، فهذه الأمور إنّما تحصل ممن في طبيعته النقص والحاجة، واللّه سبحانه وتعالى منزّه من كل نقص ولا يحتاج أبدا إلى شيء.

إذن فالعقاب الذي يلحق الإنسان لما يرتكبه من معاص، إنما هو انعكاس للنتائج السيئة التي ترتبت على تلك المعاصي-سواء كانت فعلية أو فكرية- ولذلك يقول اللّه تعالى عزّ من قائل في هذه الآية: ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ".

هذه الآية ترشدنا، فيما ترشدنا إليه، إلى أساس تربوي هام جدا، وهو أن العقاب التربوي ينبغي أن يرتبط بهدف إصلاحي، وأن لا يكون القصد منه التشفي وتنفيس الغيظ بأي شكل كان، لأن عقاب التشفي يسحق شخصية المعاقَب ويتعدى الحدود وتكون نتائجه وخيمة مدمرة.

العقاب بحب لا يقدر عليه إلا أولئك الذين يمارسون أعمق الحب، الحب غير المشروط، والذين يتحكمون في ضبط انفعالاتهم، ويسترشدون بعقولهم في سلوكهم التربوي.

العقاب بحب أسلوب تربوي

ليس كل أحد يجيد العقاب بحب، لما يحتاجه من حكمة وضبط للنفس وتركيز عال على الأهداف المتوخاة من عملية العقاب، أي النظر إلى ما وراء العقاب.

في لحظات الغضب والانفعال، قلما تحضر القيم والمبادئ والحكمة، وقد يتصرف الإنسان غالبا في تلك الأوقات بطيش يندم عليه بسبب تبعاته. لذا فإن العقاب بحب سلوك ينبغي أن يسعى لإتقانه كل إنسان رشيد، فهو كأي سلوك آخر يمكن اكتسابه وتطويره من خلال الوعي والتدريب والمران.

العقاب بحب يقوم أولا على غاية محددة بدقة، تراعي الحدود المسموحة والممنوعة في العقاب. وثانيا على عدم التشفي أو تفريغ شحنات الغيظ دون أية ضوابط في الشخص المعاقَب. وثالثا على عدم التسرع والاستعجال في إنزال العقوبة. فكما ورد عن الإمام الحسن (ع): لا تعاجل الذنب بالعقوبة، واجعل بينهما للاعتذار طريقا. ويقوم رابعا على التدرج في اختيار العقوبة المناسبة من الأخف إلى الأشد شيئا فشيئا. فلا يلجأ المرء للأشد مع إمكان تأثير الأخف.

أحد الأمثلة البارزة المذكورة في القرآن الكريم هو معالجة قضية المرأة الناشز، أي التي تترفع عن القيام بالحقوق الزوجية. وهذه قضية اجتماعية مهمة. الحل يتضمن كما جاء في الذكر الحكيم عقابين بعد استنفاد وسيلة الوعظ: (وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً). فهنا نلاحظ حالة التدرج، فالوعظ مقدم على غيره، فإن نفع وإلا انتقل إلى الوسيلة الثانية وهي الهجر في المضجع، فإن لم ينفع لجأ للوسيلة الأخيرة وهي الضرب ضربا خفيفا لا يقصد به الانتقام والتشفي، ولا تكون دلائل العنف عليه لائحة. "وينبغي الالتفات إلى قضية مهمة وهي أن الضرب إنما يصار إليه كوسيلة ثالثة فيما إذا احتمل كونه مؤثرا في تأديب الزوجة وإصلاحها".

مثال آخر عن العقاب بحب ما جرى للثلاثة الذين تحدث عما جرى لهم القرآن من مقاطعة اجتماعية هدفها إعادتهم لخط الاستقامة. يقول تعالى: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). هذه الآية كما يقول صاحب تفسير مجمع البيان "نزلت في شأن كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية. وذلك أنهم تخلفوا عن رسول الله (ص) ولم يخرجوا معه، لا عن نفاق ولكن عن توانٍ، ثم ندموا فلما قدم النبي (ص) المدينة جاؤوا إليه واعتذروا فلم يكلمهم النبي (ص)، وتقدم إلى المسلمين بأن لا يكلمهم أحد منهم فهجرهم الناس حتى الصبيان. وجاءت نساؤهم إلى رسول الله (ص) فقلن له: يا رسول الله نعتزلهم؟ فقال: لا ولكن لا يقربوكن. فضاقت عليهم المدينة فخرجوا إلى رؤوس الجبال، وكان أهاليهم يجيئون لهم بالطعام ولا يكلمونهم فقال بعضهم لبعض قد هجرنا الناس ولا يكلمنا أحد منهم فهلا نتهاجر نحن أيضا؟ فتفرقوا ولم يتجمع منهم اثنان وبقوا على ذلك خمسين يوما يتضرعون إلى الله تعالى ويتوبون إليه فقبل الله تعالى توبتهم وأنزل فيهم هذه الآية.

أساليب العقاب بحب كثيرة ومتنوعة، كالحرمان من شيء محبوب، أو تكليف بعمل غير محبب، أو سحب امتياز ما، أو التجاهل والإعراض، أو غير ذلك. وكلها تهدف إلى إصلاح أو تعديل سلوك ما، وليس إلى تحطيم الشخص أو سحق شخصيته.

العقاب بحب أسلوب تربوي لا يُغفل الحب حين يكون العقاب هو الحل.

دمتم بحب .. جمعة مباركة .. أحبكم جميعا.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
8