الوصول إلى حلول مقبولة لإنهاء المظاهرات معروفة، وقد تكون ليست صعبة التنفيذ، يقف في المقدمة منها رؤية حيتان الفساد وراء القضبان، وكان واجبا على الحكومة بمساعدة الطبقة السياسية، أن تقدم معالجات قوية خصوصا بعد النتائج المروّعة التي انتهت إليها دوّامة العنف المتبادَل بين القوات الأمنية والمتظاهرين، تعم لقد سارعت السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى اتخاذ إجراء وخطوات سريعة لاحتواء الموقف الخطير، بيد أن الوعيّ الذي وصل إليه العراقيون جعلهم بموقع القوة وهم الذين يفرضون شروطهم وليس العكس.

من المثير للغرابة أن يتعامل أصحاب القرار باستخفاف مع ما يحدث، وإنْ دل هذا على شيء فإنه يدل:

أولا: قصر نظر في دراسة المظاهرات والأمل بخفوت جذوتها الضارية.

الثاني: المغانم العائلة التي تنعّم بها السياسيون جعلهم يتمسكون بالسلطة، ويرفضون أي مقترح أو حلّ يطيح بمناصبهم، بل يعدّونه ضرب من الخبال.

فما قام به رئيس الوزراء مؤخرا من حزم إصلاحية جاءت متأخرة جدا، ولا تنسجم مع ما يضعه المتظاهرون كشروط لوقف ثورتهم، لاسيما أن معظم الحزم (تعيينات، وغيرها من معالجات)، قال عنها المراقبون بأنها (فوق طاقة الحكومة)، وتتجاوز إمكانيات الميزانية المالية كي تستجيب لها، والآن حين نعود إلى تلكما الكلمتين سنجد أنهما بحسب المختصين والمراقبين تتجاوز قدرة الدولة العراقية وحكومتها على الإيفاء بها كونها حصيلة تراكم فشل متعاقب وإهمال متواصل لحقوق الشباب خصوصا والعراقيين استغرق أكثر من عقد ونصف ما يعني أن الأمل بهذه الطبقة السياسية قد انطفأ تماما وحلّ محله سقوف طلبات عالية تذهل إلى حد تغيير أسس العمل السياسي مع منع الطبقة الحالية من المشاركة!.

معالجة الأورام الخبيثة في جسد العراق

لدينا مشكلة معروفة للجميع، فإذا كان المواطن يصرخ جهارا نهارا ضد الفساد، فهل يخفى ذلك عن الساسة؟، والمعروف أن المشكلة إذا لم يتم معالجتها جذريا، والورم الخبيث إذا لم يتم اجتثاثه من جذوره، فإنه سوف يظهر من جديد أشد خطورة، وإذا تم تحليل حزمات وإجراءات (التهدئة) التي أطلقتها السلطتان في أعلاه، فإنها بالتأكيد لم تعالج المشكلات والأمراض التي يعاني منها العراق (سياسيا وإداريا واقتصاديا وخدميا)، من الجذور ولم يتم استئصالها كما يجب، وهذا أمر متوقَّع لأن عمر الأخطاء والفشل المتراكم جاوز عقداً من السنوات، فهل يُعقَل إمكانية حلّه في أيام أو في خطابات بدا واضحا أن همّها تهدئة الشارع وإطفاء نيران الغضب الجماهيري؟، لذلك دعا ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي حاولت الجهات المختصة حجبها، إلى مظاهرة أخرى قادمة، قد تكون أشد وأكبر من سابقاتها، وهو أمر يجب أن تتوقعه الحكومة وسواها من المعنيين ونعني بهم الطبقة السياسية بكلّيتها، وهذا يعني أن جرس الإنذار الأخير قد بدأ يقرع وينذر بخطورة ما يجري على الأرض.

لكن المشكلة أن هناك سياسيين لا زالوا يدسون رؤوسهم في الرمال وكل أجسامهم معرّضة للخطر، وطالما أن المعالجات السابقة مستعجَلة وقد تكون غير مدروسة، فإنها لا يمكن أن تحد من غضب الشارع، ولعل نقطة الضعف الواضحة في الإجراءات الحكومية والتشريعية سابقة الذكر، تكمن في كونها أكبر بكثير من قدرة الحكومة والبرلمان على إنجازها، ولذلك من المتوقَّع أن تخرج احتجاجات جماهيرية بعد امتصاص الصدمة، وهو ما نبّهنا عليه دائما، فنار المظاهرات حتى لو خفتت سيبقى جمرها قابلا للاشتعال في أية لحظة.

عدم معالجة الأسباب الحقيقية ستجعل الخطر قائما على الطبقة السياسية، واصطياد حيتان الفساد بات مهمة لا يجوز تسويفها، والسؤال هو: هل كان يجب على الحكومة والبرلمان أن يسرعا في تقديم حزمة الإجراءات بالطريقة التي تمّت بها، وهل كانت هذه الطريقة المثلى لمعالجة أسباب التظاهرات؟، من وجهة نظر شخصية نقول ربما أسهمت إلى حد ما في وقف الغضب الجماهير، وليس امتصاصه كلّيا، بمعنى أن المعالجات والإجراءات لم تقضِ على المشكلة ولم تحلّها والأسباب واضحة ومعروفة، من الخطأ الجسيم أن تتخذ الحكومة خطوات احترازية من دون معالجة أسباب أصل المشكلة المستعصية، والدليل أن ما تمّ اتخاذه للتهدئة ليس كافيا، ولا يمكنه منع تجدد الغضب الجماهيري، ولعل الحسنة الوحيدة لحزمة الإجراءات التنفيذية والتشريعية أنها ساعدت على التهدئة، لكنها من جانب آخر قد تكون سببا في اشتعال متجدد أكثر خطراً من سابقه، لماذا؟ الجواب سهل جدا، إن تلك الإجراءات لم تتصدَّ لجذور المشكلة ولم تسعَ لجذِّها من جذورها بدليل أن محاربة الفساد خجولة مترددة تبتعد كثيرا عن منطق المعالجات الحاسمة.

لا لأسلوب ذرّ الرماد في العيون

لابد أن تفهم الحكومة ومعها الطبقة السياسية بكلّيتها، أنّ أي إجراء حكومي يقوم على استخدام القوة والعنف المفرط ضد المتظاهرين، سوف يزيد من المشكلة ويساعد على استعصائها أكثر فأكثر، نعم لابد من اتخاذ الاحتياط الأمنية اللازمة في حالة قيام مظاهرات أخرى، وهذه الاحتياطات يجب أن تصبّ في حماية المتظاهرين وليس قمعهم، وقد يقول قائل ما نوع الاحتراز الحكومي الصحيح في التعامل مع مشكلة التظاهرات المتجدد؟، الجواب يكمن في المقترحات التالية:

- ترك أسلوب ذر الرماد في العيون والابتعاد عن التهدئة بوعود غير قابلة للانجاز.

- تفكيك منظومة الفساد بحلول رادعة جديّة وحازمة.

- إعادة الروح إلى القطاع الصناعي وخصوصا القطاع الخاص، على أن تكون الإجراءات علمية متخصصة وجادة وسريعة قدر الإمكان.

- دعم المزارعين وتقديم حوافز تعيد من شأنها صنع هجرة عكسية من المدن إلى الريف.

- إقامة دورات شبابية لتنمية المهارات وفق خطط مدروسة سهلة التطبيق.

- مضاعفة فرص العمل بما يكفي لكل قادر عليه، والتخفيف من سياسة التوظيف في الدولة، يتم ذلك بالاعتماد على القطاع الخاص ودعم المشاريع الفردية الصغيرة.

- إطلاق مشروع تثقيفي كبير منظّم ومخطط له جيدا لتحويل المواطن من النزعة الاستهلاكية إلى الإنتاج.

- رسم سياسة اقتصادية واضحة لتغيير النمط الريعي إلى سياسة تنوع الموارد.

- إيصال رسالة واضحة من الطبقة السياسية إلى نفسها، مفادها أننا جميعا في مركب واحد، والغرق لا يقتصر على الشعب وحده.

- تطوير ثقافة تعامل رجل الأمن ومكافحة الشغب والحمايات بأنواعها، كي يتمكن من التعامل المقبول مع المتظاهرين.

وكلّ البلاء يكمن في الفساد، فهو أسّ المشكلات، وإن ظهرت معالجات حاسمة في هذا الميدان، سوف تظهر النتائج سريعا في الواقع، خصوصا حين يتم استرداد الأموال الموهوبة وتحويلها إلى فرص عمل للشباب العاطل من خلال، إقامة دورات مستمرة لتنمية مواهب ومهارات الشباب، أو تحويلها إلى قرض ميسرة يمكن للشباب أن يفتحوا فيها مشاريعهم الخاصة الداعمة للدولة وتحويلها من الاقتصاد الريعي البائس إلى تنويع مصادر الإيرادات وتطوير رأس المال البشري من خلال إنصاف الشباب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0