هناك سؤال مركزي واحد في العراق مفاده: هل نقلب الطاولة على المنظومة السياسية كاملة ام نعمل اصلاحات تدريجية خشية حدوث امور خارج السيطرة؟

ليس من السهل تقديم وصفة جاهزة لسؤال كهذا، فالتظاهرات التي بدأت تنشط في العراق منذ عام ٢٠١١ وحتى تظاهرات تشرين الاخيرة لم تحسم الجدال، فقدم الكتاب واصحاب الرأي الحصيف رؤى مختلفة لكنها لم تصل الى الاجابة النهائية، فالتظاهرات في بدايتها كانت تقوم على مطالب بسيطة، وهي اصلاح بعض مفاصل الدولة العراقية، وهي اصلاحات بسيطة في حينها، ابرزها حل ازمة الخدمات وانهاء ملف الكهرباء، لكن الحكومة لم تستطع الاستجابة لمطالب المتظاهرين منذ ذلك الحين وحتى الان، ومع كل موسم للتظاهرات تزداد المطالب ويرتفع سقف الاصلاح، ليقترب اكثر من جذور النظام السياسي الحاكم.

ومع كل تظاهرة سابقة كانت فكرة اقتلاع النظام من جذوره مطروحة لكنها لم تكن بالقوة الكافية لتتحرك بعيدا باتجاه تحقيق هذا الهدف، لان التظاهرات نفسها كانت تبحث عن مؤيدين لها وتبحث عن شرعية لوجودها لان النظام في حينها كان جديدا ورغم اخطائه في تلك الفترة لكنها لم تكن من القوة بمكان لدرجة طرح اسقاط النظام.

كما ان الوضع الامني كان هو الهاجس الاكبر لدى الناس، وكانت المطالبة باقتلاع النظام تشبه الوقوف بوجه التيار ونوع من الترف السياسي الذي لا يهتم له المواطن، ولا يرغب به اصلا، الا ان طي صفحة الملف الامني فعليا بنهاية الحرب على داعش، وبداية حقبة الدولة المدنية من خلال فتح الشوارع ورفع السيطرات الأمنية والكتل الكونكريتية وتوقف التفجيرات الارهابية منذ سنوات، جعل المواطن يفكر فعليا في امور كانت من الترف السياسي، وابرزها طرح فكرة تغيير النظام.

قبل الاجابة عن امكانية تغيير النظام علينا طرح السؤال الاتي: لماذا يريد الشعب تغيير نظام انتخبه بنفسه؟ لان الشعب وجد ان صوته لا يصل الى من يستحه، وان هناك عملية سرقة رسمية لصوته الانتخابي ومن ثم يتهم المواطن بانه هو من قام بهذا الفعل، تبدأ عملية السرقة من النظام الانتخابي نفسه المثير للجدل، متمثلا بقانون سانت ليغو الذي تعرض لعملية تعديل حسب مقتضيات المصالح الحزبية، ومصالح الاطراف المستحوذة على السلطة، اي بما يساعد على اخذ اصوات كتل سياسية حصلت على نسبة معينة من الاصوات لصالح الكتل السياسية الكبيرة.

بعد القانون الانتخابي تاتي عملية السرقة الثانية عبر استخدام المال السياسي لشراء الاصوات، فالاحزاب التي لديها خزائن مالية كبيرة تستغل الكثير من الناخبين وخاصة من يجهلون قيمة صوتهم لتشتريها منهم بطرق مختلف رسمية او غير رسمية، ولم تكتفي الاحزاب بهذا الاجراء بل ذهبت الى تشويه صورة العملية الانتخابية عبر عمليات حرق صناديق الانتخابات وشن حملة اتهامات متبادلة بتزوير الانتخابات.

قطاع كبير من الشعب والذين لم يشاركوا بالانتخابات، كانوا يراقبون الوضع الانتخابي وتزداد نقمتهم مع عدم وجود مخرج للاصلاح فاذا كان الصندوق الانتخابي الذي يعد الفيصل في وصول من يختارهم الشعب قد اصبح بيد ثلة من الانتهازيين والاشخاص الذي لا يعترفون بالقانون ولا الوطن اصلا ولا يهتمون الا بمصالحهم الحزبية، مالذي تبقى للتغيير اذن؟

مع هذا الواقع الانتخابي السيء كان هناك واقع خدمي يزداد سوءاً يوما بعد يوم، يرافقه غياب شبه تام لفرص العمل للشباب من خريجي الجامعات وغيرهم، وبالمجمل نظر الشعب للبلد وكانه ذاهب الى الهاوية، وما بين اجتماع النظام الانتخابي غير العادل، والتقسيم غير العادل للثروة والخدمات وفرص العمل، بات لزاما التفكير باقتلاع النظام من جذوره من اجل الحفاظ على كيان الدولة العراقية لان الصدأ السياسي ينتشر بسرعة هائلة، وما على الشعب الا قول كلمته.

لكن اقتلاع النظام ليس سفرة سياحية، ولا هو تظاهرة شعبية ترفع بعض الشعارات الرومانسية، التغيير الجذري يعني تهديم السقف والاستعداد لعملية رفع الركام والانتظار لمدة معينة قبل ان تبدأ عملية اعادة البناء من الصفر، وهذا يعد خيارا جنونيا في العمل السياسي، في ظل وجود اطراف محلية وإقليمية ودولية تنتظر هذه اللحظة لاخذ ما تبقى من الدولة العراقية، واذا ما اخذنا في الحسبان ان هناك مؤسسات دستورية وهناك مرافق نظامية موجودة مهما كان النظام فاسداً، ومن ثم فان الخيار الافضل هو القيام باصلاح الاجزاء التي اصابها الصدأ السياسي وليس قلب السفينة بكاملها لان القبطان فاسد.

يسأل متظاهر غاضب، كيف لنا ان نحقق الاصلاح التدريجي ونحن جربنا ذلك خلال السنوات السابقة ولم نحقق اي شيء من هذا؟ وهنا سؤال محوري، فالشعب يتم الالتفاف على مطالبه، ولم تتعامل معه الكتل السياسية بجدية، ويستخدمون معه اساليب الخداع والتضليل بقرارات يتم الغاؤها بعد انتهاء كل تظاهرة، ومن ثم فان ازمة الثقة هذه لدى الشعب والتي دفعته للمطالبة بتغيير النظام لا يتحملها الشعب، انما يتحملها من خدع الشعب باصلاحات شكلية.، وحن نعرف ان لكل تظاهرة شعبية فترة وتخفت، والكتل السياسية تلعب اليوم على عامل الوقت، لكن على كل الاحزاب ان تحذر وان تعلم جيدا انهم ان استطاعوا ان يفلتوا من مقصلة الشعب كل تلك السنوات فان المستقبل ليس لهم، وعليهم اذا ارادوا ان يحافظوا على النظام كما يقولون فعليهم اثبات فائدة وجود النظام للشعب.

ومن اجل تجاوز الازمة الحالية وتحقيق مصلحة البلد دون هدم السقف على الجميع على الطبقة السياسية الحاكمة ان توافق وتنفذ وبشكل عاجل الملفات الاتية:

١. اقرار قانون انتخابي عادل.

٢. تشكيل مفوضية انتخابية مستقلة وتعمل بالتعاون مع القضاء وبدون اي تدخلات من الاحزاب السياسية.

٣. التوزيع العادل للثروات بين المواطنين والغاء الفوارق الطبقية وخاصة امتيازات السياسيين.

٤. تقديم الخدمات للمواطن بما يحقق له جوا مريحا وليس العشوائية في تنفيذ المشاريع فالشعب يطمح بدولة متطورة كما عبرت عن ذلك شعارات المتظاهرين.

٥. توفير فرص العمل للشباب، ليس بزجهم في الوظائف الحكومية انما بفتح مصانع ومشاريع استراتيجية تستوع الشباب اولا وتمثل قيمة مضافة للاقتصاد ثانيا.

٦. التطبيق الفعلي للدستور بكل فقراته والتوقف عن الانتقائية القانونية، لان ذلك يشعر المواطن بانه محمي من سلطة اعلى من سلطة الاحزاب وهو القانون.

7. التأسيس لنظام اقتصادي يعمل بديناميكية ذاتية بعيدة عن الاعتماد على النفط لكي يطمئن الجيل الحالي على مستقبله ومستقل الجيل القادم.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

6