من الطبيعي ان يجري الملايين في انحاء العالم المختلفة مكالمات هاتفية محلية وقد تكون دولية فلا ضير بذلك وهو حق ممنوح للافراد على ارض المعمورة، لكن لا يبدو الامر كذلك بالنسبة لمكالمة هاتفية اجراها الرئيس الامريكي ترامب مع نظيره الاوكراني فولوديمير زيلينسكي في الخامس والعشرين من تموز المنصرم.

هذه المكالمة ربما تكون القشة التي تقصم ظهر البعير لاسيما وان الإعلام اولاها اهمية خاصة وتغطية مميزة معتبرها فضيحة سياسية عصفت باجواء واشنطن السياسية، حيث قامت الصحف بنشر تقارير تفيد بأن عميلا بالمخابرات الأميركية قدم شكوى بعد استماعه إلى محادثة أجراها ترامب مع الرئيس الأوكراني طلب فيها التحقيق بشأن احتمال ممارسة المرشح الديمقراطي للرئاسة جو بايدن نفوذه عندما كان نائبا للرئيس السابق لتحقيق مصلحة لابنه هانتر الذي يعمل في شركة غاز بأوكرانيا.

وتجري المحاولات من قبل نواب ديمقراطيون من اجل استثمار هذه الحادثة لصالح مرشحهم بايدن، في الوقت الذي تستمر محاولاتهم لإقالة ترامب عن الرئاسة بينما الرفض كان سيد الموقف من قبل بيلوسي بدافع ان الوقت غير مناسب.

وعلى الرغم من ان ترامب وعبر محاولته المستمر يسعى لتقليل اهمية الحركة المعارضة له، لكن هذا لم يمنع من تسرب الخوف الى قلب محاميه رودي جولياني الذي رجح إمكانية أن يكون الرئيس قد هدد بقطع المساعدات عن أوكرانيا، وخصوصا ان ترامب اقدم على تجميد مساعدات للجيش الاوكراني تقدر بـ400 مليون دولار قبلها بأيام، مما يزيد من احتمالية استغلال نفوذه الرئاسي لهزيمة منافسيه السياسيين عبر ابتزاز الطرف الأوكراني لإدانة نجل بايدن.

مرات عديدة حاول الديمقراطيون عزل ترامب لكن من يرفض هو بيلوسي، بينما نلاحظها هذه المرة هي من تتصدى لقيادة هذا الملف الصعب، وربما تعود الاسباب الى ان في المرات الماضية كانت دوافع العزل لاسباب تتعلق في الماضي، اي بما يخص احداث اكل الدهر عليها وشرب، في حين ترتبط المكالمة الاخيرة مع الرئيس الاوكراني بالمستقبل القريب وتحديدا بالانتخابات المقبلة ذلك من اجل الاطاحة بمنافسه جو بايدن.

الكل يعرف ان مثل هذه الاتصالات تتم بالتنسيق من قبل الدائرتين الاضيق للرئيسين وتوفر لهما حماية امنية تامة لن يتمكن احد من اختراقها، فلا يمكن ان تمر هكذا مكالمات دون الخوض بشؤون سياسية خاصة وقد تكون انتخابية خصوصا وان الحديث عن المارثون الانتخابي اخذ يتصدر الكثير من المناسبات الامريكية المحلية.

ما يثير حفيظة المتابعين هو ان الرئيس الامريكي ورغم ما يتمتع به من قوة داخلية وخارجية، لكنه يظهر وكانه عاجز عن فتح تحقيق في قضية نجل نائب الرئيس السابق الديمقراطي جو بايدن فتُرى ما الذي يريد تحقيقه ترامب من تحريك الملف بهذه المرحلة تحديدا؟.

ما يهمنا من جميع ما حصل ويحصل داخل اروقة البيت الابيض هو لماذا لا تستطيع السلطة التشريعية في العراق من عزل الرئيس المنتخب في حال ثبوت تورطه بالاتصال مع جهات خارجية وربما العمل على تسهيل تطبيق سياستها وبسط نفوذها.

لا يمكن لذي لب ان يقبل بأن الاحزاب السياسية التي تدير دفة العملية السياسية في العراق ليس لها ولاءات خارجية، اذ من المعروف كلما حمى الوطيس داخليا يذهبون ممثلي الكتل السياسية الى الخارج لوضع الخطوط العريضة من اجل تسوية الامور وتصفية الحسابات وانهاء الخلافات فيما بينهم عبر ادواتهم.

فما يميز الكونغرس الامريكي هو سيادة القانون وقلة الاحزاب المكونة له فإذا اراد الديمقراطيون استجواب احد الجمهورين يمررون ذلك دون معاناة، وهو ما يحصل بالفعل مع ترامب، بينما لا يمكن ان يحصل ذلك تحت قبة البرلمان العراقي، فتجد بعض النواب الذين ينتمون لكتل متباينة في عدد مقاعدها يعجزون عن جمع عدد من التواقيع الكفيلة لجلب الوزير المشتبه بضلوعه بعمليات فساد فكيف يستطيع ان يستقدم رئيس الحكومة لاستجاوبه على اخفاقاته الواضحة وتقصيره المعلن في الوقت الذي تقف وراءه كتله كبيرة تنبع قوتها من تحالفها مع الكتل الاخرى لضمان عدم المحاسبة والحصول على امتيازات افضل.

ولا يختلف الامر بالنسبة للسلطة القضائية في البلد المتمثلة بالمحكمة الاتحادية فهي نفسها تأن من المحاصصة المقيتة التي استشرت في مفاصل العملية السياسية، ولا يستطيع احد ان يقول غير ذلك، فأغلب الفاسدين الذين ترسل ملفاتهم مع الادلة الدامغة نراهم بعد حين يشغلون مناصب في وزارات ودوائر اخرى ربما تكون اكثر اهمية من سابقاتها، فكيف جرى التحقيق؟، ومن الذي قام به؟، وعلى اي الاسس جرت المحاسبة؟، لا يعلم بذلك الا الله والقادرون على التلاعب بمقدرات الشعب.

يعزل ترامب ام لا، ذلك شأن داخلي ويبقى الامل معقود على اتباع منهجية وأسس علمية لبناء دولة مؤسساتية قائمة على احترام القانون وبعيدة كل البعد عن المحسوبية والتكتلات الحزبية التي لم يجني منها العراق سوى التراجع والتخلف، فلابد من إعادة النظر في البنية التحتية للدولة العراقية وتشخيص الخلل الذي بوجوده لم نلاحظ تقدم يذكر ولا إنجاز يعد او يقف الى جانب الإنجازات العالمية في مختلف المجالات، وهذا لا يتم الا اذا أصبحت مؤسساتنا الرقابية قادرة على محاسبة المفسدين والمقصرين بما يضمن تحقيق التقدم والازدهار واستثمار الطاقات المادية والبشرية التي حبى الله بها بلاد الرافدين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0