محاولة تغيير النظام في سوريا المستمرة للسنة الرابعة وبتكاليف بشرية ومادية باهظة لم تسفر مع ذلك عن اقامة نظام سياسي ديمقراطي لعدم توحد القوى الديمقراطية المدنية والعسكرية داخل سوريا وخارجها حول شكل وبرنامج النظام الديمقراطي البديل.

اخفاق القوى الديمقراطية هذا قد استغل من قبل مرتزقة الجهاد الاسلامي الممولة من قبل دول الخليج والمدعومة أمريكيا التي أصبح لها من القوة ما يجعلها مرشحة لاستلام السلطة في سوريا. فبينما يجري ضخ المزيد من المرتزقة الاسلاميين الى سوريا ممن يعرفون "بالمعتدلين" عبر دول جوارها بعد حصولهم على التدريب اللازم بتمويل أمريكي يحقق مرتزقو جبهة النصرة والقاعدة المزيد من المكاسب الجديدة على الارض. حيث استولى مسلحوها على مناطق واسعة كانت تحت سيطرة الجيش السوري وتواصل تقدمها نحو دمشق في سيناريو تصفه بعض الجهات المقربة من تلك المنظمات بكونه السيناريو نفسه الذي انتهى اليه النظام الليبي عام 2011 وأودى بحياة القذافي. ولهذا فان ما سيكونه البديل القادم إما امارة اسلامية ملحقة بدولة الخلافة في الموصل العراقية أو دولة مليشيات كما في ليبيا والنموذجان ليسا بأي حال من الأحوال البديل الذي ينتظره الشعب السوري واصدقاءه.

ومن الواضح الآن ان السعودية ودول الخليج واسرائيل على استعداد لقبول نظام الخلافة الاسلامية بديلا للنظام الحالي في سوريا عملا بمقولة "عدو عدوي صديقي" وفق تصريح السفير الاسرائيلي السابق في الولايات المتحدة البروفيسور ميشيل أورين الذي تعتبره صحيفة جيروسليم بوست واحدا من اليهود العشرة الأكثر نفوذا في العالم. وفات الصحيفة الاسرائيلية أن تضيف بأن هذا البروفيسور التحفة مستعد للتعايش مع دولة الخليفة أبو بكر البغدادي قاطع رؤوس الناس لا لجرم ارتكبوه، بل لأنهم على دين غير دين الخليفة البغدادي تماما كما أحرق هتلر اليهود لا لجرم ارتكبوه، بل لأنهم على دين غير دين هتلر. لكن مهمة الاطاحة بالنظام السوري تظل مرهونة بتخلي حلفاء سوريا وهم ايران وحزب الله والأهم من ذلك روسيا وهذه الأخيرة كما سنوضح لاحقا غير مستعدة لذلك حتى لو تخلى الايرانيون وحزب الله عن سوريا.

العدوان السعودي على اليمن بدعم أمريكي وخليجي واسرائيلي أريد به اشغال ايران عن الملف السوري من خلال دفعها اكثر فأكثر للغرق في المستنقع اليمني لتحقيق هدفين، أولهما اضعاف دورها في سوريا وبذلك يتسنى لهما الاجهاز على النظام السوري دون تدخل مباشر منها. أما الهدف الثاني فهو توظيف التورط الايراني في اليمن لتأليب بعض دول 5+1 ضدها لتشديد مواقفهم في المفاوضات وما يترتب عليه من تبعات تقود حتما الى فشل أو على الاقل عرقلة التوصل الى الاتفاق النهائي حول ملفها النووي ما يعني الابقاء على العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. وعلى مايبدو ان ايران على معرفة تامة باللعبة السعودية – الاسرائيلية فلم تتورط في اليمن فيما تتزايد الاحتجاجات الشعبية في العالم ضد العدوان السعوديالخليجي المدعوم اسرائيليا وأمريكيا على اليمن وان المفاوضات حول ملفها النووي مستمرة وفق المنهاج الموضوع لها حتى نهاية شهر يونيوحزيران القادم ولا توجد أية مؤشرات عن تخليها عن النظام السوري.

اما روسيا فمن الواضح انها مازالت الداعم القوي لسوريا برغم صعوباتها الاقتصادية الناتجة عن العقوبات التي فرضت عليها من قبل دول الناتو بعد ضم شبه جزيرة القرم اليها. فقبل أيام أعلنت روسيا والصين الشعبية عن قيامهما بمناورات عسكرية مشتركة واسعة في البحر الأبيض المتوسط نهاية الشهر الحالي بالسلاح الحي مقابل الشواطئ السورية وهي المناورات الأولى التي تجري في هذه المنطقة بين الدولتين. وبرغم التوتر فوق العادة بين الناتو بزعامة الولايات المتحدة من جانب وروسيا والصين الشعبية من الجانب الآخر فان المناورات ستجري في موعدها المعلن عنه دون تغيير. وكما جاء في الخبر ان المناورات غير موجهة ضد أي طرف ثالث أو لها أية علاقة بالوضع في المنطقة وهي تجري لتعميق التعاون الأخوي وتعزيز جاهزية القدرات البحرية للبلدين ضد أي تهديد للأمن في البحار. ورغم هذه اللفتة الدبلوماسي فان المناورات العسكرية الروسية – الصينية لم تأتي بمعزل عن التهديد الذي تواجهه سوريا من قبل اسرائيل والسعودية.

أما الضجة المثارة من قبل اسرائيل خاصة حول سلاح ايران النووي فليست الا غطاء للحد من تعزز مكانة ايران في المنطقة كدولة قوية وذات نفوذ سياسي متزايد على الصعيد الاقليمي والدولي وما يمكن أن يؤديه ذلك من تحجيم وتقزيم للدولة الاسرائيلية. فإسرائيل تطمح لاحتلال هذا الدور كقوة اقتصادية وعسكرية وحيدة تكون لها الكلمة العليا في شئون المنطقة ولا يمكنها القبول بواقع اقل شأنا من ذلك وبخاصة بعد أن تحقق لها ازالة العراق كدولة موحدة سياسيا وقدرات اقتصادية وعسكرية وهو الهدف الذي حققه لها الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. فموضوع المفاوضات مع ايران لا يدور حول ملكية او عدم ملكيتها السلاح النووي فهذا الأمر قد حسم منذ عام 2007 بناء على تقارير الاستخبارات الأمريكية والاسرائيلية التي جرى تأكيدها في عام 2010 أيضا التي أكدت جميعها بأنه لا وجود أي ادلة عن سعي ايران لصنع سلاح نووي. ان هدف المفاوضات الجارية حاليا هو تقييد تطوير أبحاث ايران النووية للعقدين القادمين بما يضمن لاسرائيل خلال الفترة نفسها تفوقا مطلقا في المجالات العلمية والتقنية والعسكرية بما فيها النووية.

وتنفيذا لرغبة ايران في ضمان تطوير قدراتها الدفاعية والاقتصادية دخلت أخيرا في تحالف استراتيجي اقتصادي وعسكري مع روسيا والصين الشعبية والهند. لقد تمت تلك الاتفاقات ضمن مؤتمر موسكو للأمن الدولي الذي انعقد في السادس عشر من الشهر الماضي الذي استضافته وزارة الدفاع الروسية وحضره ممثلو أكثر من سبعين دولة بما في ذلك أعضاء في حلف الناتو. وقد مثل ايران في المؤتمر وزير دفاعها حسين دهقان الذي قال في كلمته في المؤتمر "ان ايران أرادت الاتحاد مع الصين والهند وروسيا لمعارضة توسع حلف الناتو في الشرق والتهديد الذي يشكله مشروع الدرع الصاروخي على أمنهم الجماعي". وفي اجتماع ثنائي بين وزيري الدفاع الروسي والايراني أكدا فيه أن التعاون بينهما سيكون جزءا من المحاور الأساسية لنظام جديد متعدد الأقطاب، وان هناك توافقا بين موسكو وطهران في النهج الاستراتيجي للتعامل مع الولايات المتحدة. التحول الجديد في السياسة الخارجية والدفاعية الايرانية تجاه دول كانت الى عهد قريب تعتبرهم من فصيلة الشياطين والكفار لا يمكن تفسيره بغير النضوج السياسي والهبوط من عالم الفنتازيا الى عالم الواقع الذي يحتم عليها الاعتراف المتبادل بالمصالح الجيوستراتيجية والاقتصادية عبر التعايش السلمي لا عبر التوسع والاحتلال والحروب العدوانية.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0