قبل عدة أيام أصدر رئيس الوزراء السيد عادل عبد المهدي، امرا ديوانيا بتشكيل لجنة تزيل التجاوزات على عقارات الدولة برئاسة سكرتير رئيس الوزراء وعضوية ممثلي 11 جهة على ان لا تقل درجتهم مدير عام او رتبة لواء.

ان مثل هذا القرار قد لا يكون الأول من نوعه فقد سبقته قرارات مماثلة من سلفه السيد حيدر العبادي ومعظم الحكومات السابقة لكن دون ان تترجم هذه القرارات بصورة عملية على الواقع الحياتي الملموس بالرغم من الحجم الكبير لهذه التجاوزات والتي قدرها سابقاً مدير دائرة عقارات الدولة السيد احمد الربيعي في احدى تصريحاته الصحفية بأربعة الاف حالة في بغداد فقط وتصل الى اكثر من 100 الف حالة تجاوز سكني وزراعي وصناعي وتجاري في عموم البلاد"، مع العلم ان "معظم المتجاوزين عليها هم من المتنفذين والعصابات الخارجة عن القانون وبعض من الاحزاب واعضاء مجلس النواب.

وقد لا يخفى على المتابع للشأن المالي في العراق الأهمية الاقتصادية التي تمثلها واردات هذه العقارات في رفد الموازنة الحكومية بالأموال اللازمة وبشكل يخفف من حجم الاتكال المفرط على الواردات النفطية التي أغرقت العراق في النهج الريعي، كما وتمثل هذه الواردات في حالة استيفائها من شاغلين هذه العقارات فرصة للمزيد من الخدمات العامة التي تلكئت وتوقف العمل بها بحجة النقص في التخصيصات المالية وعجز الإيرادات العامة المتمثلة بواردات النفط على الإيفاء بكل الالتزامات المالية المطلوبة.

وعند الرجوع الى الوراء وتحديدا قبل عام ٢٠٠٣ نجد ان هذه الإيرادات كانت ترفد الموازنات العمومية بقرابة ١٠٪؜ من القيمة الكلية في تلك الفترة، بالرغم من الأجور الرمزية التي كانت تفرضها الدولة في تلك الفترة من الزمن كبدل ايجار للعديد من هذه المواقع، في حين نجد ايراداتها الان لا تشكل سوى ما يقارب اقل من ٢٪؜ من مجموع الإيرادات الكلية للموازنات العمومية لما بعد ٢٠٠٣.

وربما تجدر الإشارة في هذا المقال إلى إمكانية تقسيم العقارات المتجاوز عليها إلى ثلاث أقسام رئيسية:

• العقارات ذات القيمة العالية والتي قد تصل قيمة العقار الواحد منها لأكثر من عشرة ملايين دولار مثل القصور الرئاسية ودور الضيافة والمراكز الحكومية وغيرها.

• البنايات الحكومية التابعة لمؤسسات الدولة والتي تم شغلها والاستيلاء عليها من قبل بعض الأحزاب السياسية والشخصيات المتنفذة مثل بنايات ودور سكنية ومخازن تابعة للدولة.

• المساحات الفارغة والأراضي الزراعية والتي استولى عليها وشغلها المواطنون وبنوا عليها البيوت السكنية لتتحول بذلك إلى نوع من العشوائيات السكنية.

ان الأقسام الثلاث أعلاه قد تمثل صور التجاوزات على عقارات الدولة والتي تبنت كل الحكومة سواء السابقة أو الحالية تشكيل لجان وإصدار قرارات بإحصاء ورفع التجاوزات عنها دون ان يتكلل هذا المجهود بالنجاح، لان معظم العقارات ذات القيمة العالية وقعت تحت سيطرة الأحزاب السياسية المتنفذة في بدن الدولة والتي تمثل على ارض الواقع قوة سياسية ذات نفوذ اجتماعي بل وحتى عسكري في بعض الحالات يصعب السيطرة عليها والحد من نفوذها ويمكن ان تشكل بدورها حائط صد أمام الإرادة الحكومية والشرعية بما تملكه من مفاتيح الإرادة السياسية الواقعية.

ولعل خير مثال على صعوبة تنفيذ قرار إزالة التجاوز ما ذكره السيد مدير دائرة عقارات الدولة بشأن العقارات في المنطقة الخضراء، حيث شدد الربيعي في تصريحه الصحفي انف الذكر على أن "العقارات التي تم بيعها فيها، بلغ عددها 49 عقارا فقط وكان ذلك خلال العام 2014 بقرار من مجلس الوزراء لكن اوقف القرار، ومنذ ذلك التاريخ وحتى الان، لم يباع اي عقار وانما تؤجر عقارات المنطقة الخضراء من قبل بحسب الصفة الوظيفية للمستفيد.

ولعل اضعف حلقة في هذا الامر هي حلقة المواطن العادي الذي يمكن ان نرى في قادم الأيام حملات لرفع التجاوزات عن الأراضي الزراعية التي بنى عليها بعض المواطنون دور سكنية بعد ان ضاقت بهم سبل الحل الصحيح والسليم واجبرتهم قلة الحيلة وهشاشة الحلول الى الممارسات الخاطئة مثل التجاوز على أراضي الدولة او البناء في المناطق الزراعية، ولكن لا اعتقد ان من السهولة تنفيذ هذه الحملات على الأحزاب السياسية والمتنفذين ورفع تجاوزاتها على ما تم استيلائهم عليه طوال اكثر من ١٥ سنة وسيبقى مثل هذا القرار يحتاج الى الجرأة في مظنونه والعدالة في تنفيذه.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق
محمد علي
هذا المقال اذا قرأه من يسكن التجاوز او لديه محل تجاري في التجاوز، مهما كانت مبرراته وحاجته المادية، فانه سيأخذه وثيقة أمام الشفلات التي تهدم تجاوزاته، ويقول لهم: استعيدوا العقارات الضخمة التي بالمليارات ثم تعالوا وهدموا داري. وكذا الحال يصدق على الموظف الذي ياخذ رشوة بمئة ألف دينار -مثلاً- يجب ان لاندينه، إنما ندين من يرشي بسيارات فارهة وعشرات الآلاف من الدولارات، فما يقول صاحب المقال إزاء ذلك؟ تحياتي2019-09-16

مواضيع ذات صلة

0