اصدرت وزارة التربية قراراً يجبر المدرسين على توقيع تعهد بعدم فتح اي دورات لتقوية الطلبة خارج النظام المدرسي الرسمي، والهدف منها تقليل التكاليف الدراسية على الطلبة، والحفاظ على الرصانة التعليمية داخل المدارس التي باتت ساحة لاصطياد الطلاب وسحبهم الى المعاهد والدورات الخاصة.

لا يتوقع حصول تطبيق فعلي لهذا القرار، استنادا الى قرارات سابقة في وزارة التربية ووزارات اخرى، فالحبر والورق كثير، والوزراء يتناوبون وتتناوب معهم القرارات دون منجز حقيقي، فكيف يمكن لوزير ان يطبق القانون وهو قد جاء بخرق للقانون عبر نظام المحاصصة التي لم يقرها قانون ولا دستور.

لم تكن وزارة التربية وحدها، فوزارة الداخلية في جعبتها قانون المرور الجديد الذي يحمل عقوبات قاسية ضد من يخالفون نصوصه، ومن المفترض ان يبدأ تطبيقه مطلع تشرين الاول من العام الجاري، لكن لا يتوقع ان يتحول الى واقع عملي على شوارع العراق، هذه نماذج من عشرات القوانين التي لم يتم تطبيقها سابقا، حتى الدستور نفسه قد خرق عشرات المرات وكأن شيئاً لم يحدث.

فما الذي يمنع تطبيق القوانين في العراق؟ هل هناك تقصير بالاجهزة الحكومية؟ ام في المواطن؟ ام في القانون نفسه؟ ام هناك اشياء اخرى تمنع تحويل القانون الى واقع؟

السبب الرئيسي في افشال تطبيق القانون هو الجهات التي تشرعها وتريد تطبيقها، بسبب عدم جديتها، وعدم متابعتها للقوانين التي تقرها السلطات التشريعية، واتباعها اسلوب حل المشكلات التي تواجه مؤسسات الدولة عبر الترضية والعلاقات الحزبية والشخصية.

السبب الثاني: عدم وجود بنية تحتية صالحة لتطبيق القانون، خذ على سبيل المثال مسألة دروس التقوية خارج المدرسة، هذه من شبه المستحيل القضاء عليها، لان المدارس نفسها تعاني من اكتضاض الطلاب، ووجود المدرسة خرق للقانون، فالمدارس النموذجية لا يزيد عدد طلاب الصف الواحد ٢٥ طالبا بينما مدارسنا فيها اكثر ٥٠ طالباً بدوام ثنائي وثلاثي، فكيف يمكن اجبار المدرس على الالتزام بقانون بينما البنية التحتية لتطبيق هذا القانون غير موجودة، في نظام المرور الامر أسوأ بكثير، فالمشرع العراقي فرض غرامات على بعض الخروقات بينما لا توجد أي بيئة لمعرفة ان الشخص ارتكب المخالفة ام لا؟ يفرض على المواطنين العبور من المناطق المخصصة للعبور بينما لا يوجد تخطيط رسمي لهذه المناطق، وتفرض غرامة على من يسير بالاتجاه المعاكس بينما بعض الشوارع مغلقة ويجبر السائق على مخالفة القانون.

السبب الثالث: المحسوبيات والنظام العشائري، فبعض الجرائم الكبيرة لا يمكن للقضاء التدخل فيها، وتلقى القوانين تحت رحمة شيخ العشيرة الذي يقرر ما يجب فعله تجاه الشخص مرتكب الجريمة، فقد يتم تشديد الحكم او تخفيفه حسب الشخص وموقعه الاجتماعي وانتمائه العشائري، اما القانون فيبقى على الرف.

السبب الرابع: عدم تطبيق المسؤول نفسه للقانون، وعدم قدرة الدولة على تطبيق القانون على الشخص المتنفذ في الدولة، فعلى سبيل المثال نحن مقبلون على فترة دخول قانون المرور موضع التنفيذ، لكن هل يستطيع رجل المرور تغريم سيارة للدولة لا تحمل لوحات تسجيل؟ هل يستطيع رجل المرور فرض غرامة على سيارة حكومية فيها ستائر او زجاج مظلل؟

وحتى حملة رفع التجاوزات على أملاك الدولة في العاصمة بغداد والمدن الأخرى، استثنت المقرات الحزبية، لا سيما ونحن نعلم ان بعض المقرات أقيمت على قصور النظام البائد التي تعد من أملاك الدولة، او على اراضٍ تابعة للدولة، فكيف يمكن ان يلتزم المواطن بالقانون وهو يشاهد الانتقائية في تطبيقه، وكأنه وجد لقمه وتمييز بعض الأشخاص وانشاء نظام طبقي فيه المواطنون من الدرجة الأولى (VIP) ومواطن من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة.

قوة القانون تكمن في قدرته على رفع جدران الاستثناء، وتسطيح الأرض تحت اقدام الناس، وليس برفع مكانة شخص ووضع اخر، الكل سواسية امام القانون سواء اكان المخالف مواطناً بسيطاً او وزيراً اعلى في الدولة، من دون تفعيل هكذا بيئة فالقوانين لدينا تبقى مجرد "ديكور" ديمقراطي لدولة تعيش القرون الوسطى.

....................................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
القانون وضع ليرسي العدل ويطبق على كل الناس
ولكن كيف ستطبق هذا القانون اذا كان هناك اشخاصا أكبر منه من الأساس
وانا كدارس للقانون اقول وطننا العربي لاتطبق فيه القوانين الا على الضعفاء... والأقوياء لامساس
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن التعليق وآدابه...واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات...رئيس مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-09-15

مواضيع ذات صلة

1