الاتحاد السوفييتي، يوغوسلافيا، الصومال، ليبيا، .. وربما العراق. خمس دول متناثرة على قارات الدنيا. ويوجد مثلها غيرها. ما الذي يجمع بينها؟ ما هو القاسم المشترك بينها؟

امران: الاول: انها كانت محكومة من قبل انظمة علمانية دكتاتورية، اما على طريقة الحزب الحاكم الوحيد، او على طريقة الحاكم الفرد.

الثاني: ان هذه البلدان تفتت وتناثرت اشلاء ودويلات وكانتونات بعد سقوط النظام الدكتاتوري.

وهذه الحالات تسمح لنا بالقول ان الحكم الدكتاتوري قد يؤدي الى تقسيم البلاد بعد سقوطه. يمكن البحث عن شواهد تاريخية اخرى لدعم هذا الاستنتاج.

يوغوسلافيا انقسمت الى عدة دول بعد موت زعيمها جوزيف بروز تيتو (١٨٩٢-١٩٨٠) وسقوط نظامها الشيوعي. بعد وفاة تيتو عام 1980 بوقت قصير تفككت البلاد ودخلت في سلسلة من الحروب الأهلية والاضطرابات.

الاتحاد السوفييتي أسسه لينين بعد الثورة البلشفية عام ١٩١٧ واقام دكتاتورية البروليتاريا، التي اختصرت بدكتاتورية الحزب الشيوعي، الذي تم اختزاله بالمكتب السياسي، الذي كان طوع بنان الامين العام الى ان سقط النظام الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفييتي في ٢٦ كانون الاول عام ١٩٩١.

الصومال بلد عربي اسلامي افريقي حكمه محمد سياد بري الذي جاء الى السلطة بانقلاب عسكري علم ١٩٦٩ الى ان اطيح به في ٢٦ كانون الثاني عام ١٩٩١ لتندلع الحرب الاهلية التي ما زالت مستمرة حتى الان. في هذه الاثناء بدأت الصومال بالانقسام حيث اعلن الجزء الشمالي استقلاله من جانب واحد تحت مسمى (جمهورية أرض الصومال) ودخلت بقية الأقاليم والمحافظات في حرب أهلية مريرة وحدثت الكثير من إعلانات الاستقلال لكيانات ذاتية الحكم في مناطق مختلفة.

اما ليبيا فقصتها ما زالت حديثة على الذاكرة حيث خضعت لحكم العقيد معمر القذافي منذ عام ١٩٦٩ الى ان اطيح به وقتل في 20 تشرين الأوّل 2011 في معركة دموية لتدخل ليبيا في حرب اهلية مريرة ما زالت مستمرة حتى الان.

هل يعني هذا ان الانظمة الدكتاتورية هي ضمانة البلدان من الانقسام وضمانة الشعوب من الانزلاق في الحرب الاهلية؟

الجواب: لا طبعا.

صحيح ان الانظمة الدكتاتورية قد تستطيع ان تحقق الامن والاستقرار لفترة ما عن طريق الرعب والقسوة وارهاب الدولة. وصحيح ان انها تستطيع ان تحقق بعض الانجازات بسبب قدرتها على حشد الموارد بسرعة قياسية. لكنها في نفس الوقت تقضي على المواطنة، وتمحق شعور الفرد بالانتماء الى الوطن، وتحول دون التطور السياسي/ الثقافي للمجتمع، كما تحول دون ظهور المجتمع المدني والطبقة الوسطى، وبالتالي تمنع من ظهور طبقة سياسية محترفة واحزاب سياسية رشيدة، واخيرا تجعل من المستحيل قيام حياة سياسية في البلاد قوامها المواطنة الفعالة والديمقراطية وسيادة القانون. قد تخدع الرؤية المواطن العادي فيتصور ان الدكتاتورية حققت الوحدة الوطنية للبلاد؛ لكن هذا خداع في الرؤية حيث ان الوحدة المتخيلة هي وحدة الرعب المفروضة من فوق بالقوة ولا تعبر عن اندماج مجتمعي حقيقي ووحدة وطنية عميقة. ويغدو الامر كما يصوره القران بقوله: "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ".

اكتب هذا، وأنا افكر بالعراق الذي وقع أسير الدكتاتورية الفردية لأكثر من ثلاثين عاما، دكتاتورية اذلت المواطن وسحقت الطبقة الوسطى وقضت على المجتمع المدني ومنعت التطور السياسي للمجتمع، فارتد المجتمع الى ذاته ما قبل الدولة الحديثة واختل مركبه الحضاري وتقهقر نحو تقاليد موروثة لا تحترم الدولة والقانون ونحو تفسيرات وممارسات شعبوية للدين تحرم الانسان من قيمه الحضارية الانسانية الامر الذي غيّب الاساس الموضوعي للوحدة الوطنية.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1