في اجراء كان متوقعا من قبل كثيرين الرئيس فلاديمير بوتين كلف وزارتي الدفاع والخارجية بأعداد رد متكافئ على اطلاق الولايات المتحدة صاروخ جديد، في ظل تأكيده على ان بلاده لن تزج بسباق تسلح، ولم يستبعد بوتين امكانية اجراء الحوار المتكافئ بين الجانبين لاستعادة الثقة وتعزيز العلاقات الدولية.

بوتين وخلال جلسة لمجلس الامن الروسي شدد على ان بلاده ستضمن امنها بعد انسحاب الولايات المتحدة الامريكية الاحادي الجانب من معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، في اشارة منه الى ان ما دعا موسكو الى تطوير انظمة التسلح هو انسحاب واشنطن من معاهدة الحد من انظمة الدفاع الصاروخية عام 2003

الرد الروسي لم يكن غريبا بل قد يكون مؤكدا، كون موعد اطلاق الولايات المتحدة الامريكية للصاروخ الجديد والمنصة التي قامت بذلك امران لا يدعان مجال للشك في ان واشنطن خرقت المعاهدة قبل اعلانها الانسحاب رسميا، الى جانب ذلك فان منظومة الاطلاق والصاروخ الذي اختبره الامريكان مؤخرا على ما يبدوا تم العمل عليهما منذ عامين او ثلاثة، في الوقت الذي كانت به امريكا تتهم روسيا بأنها هي من تنتهك الاتفاهية لكن الواقع يبين عكس ذلك كونهم انفسهم من انتهكها بشكل صارخ.

ويبقى السؤال عن مصير معاهدة ستارت الجديدة الخاصة بالاسلحة الهجومية الاستراتيجية التي ينتهي العمل بها في شباط فبراير من عام 2021، في ظل تقديم روسيا مقترحات للولايات المتحدة لتمديد العمل بها لكنها لم تتلقى اجوبة واضحة حتى الآن.

ما يمكن قراءته في تكليف بوتين لوزارتي الخارجية والدفاع بالرد على الاختبارات الصاروخية الامريكية، خصوصا وانه استخدم بعض العبارات من قبيل ان روسيا طورت نظما لا مثل لها في العالم عقب الانسحاب الامريكي، هو ضرورة الرد بالمثل ولابد من اظهار ما تدخره روسيا من قوة صاروخية مقابل القوة الامريكية التي يهدد بها ترامب بين الحين والحين، لاسيما وان روسيا تستعد منذ عام 2003 لمثل هذا اليوم الذي تحاول فيه الولايات المتحدة ابعاد روسيا من التنافس على المواقع الامامية في الجانب العسكري.

التحرك الروسي في هذا المجال لاسيما وانها تأتي في المرتبة السابعة بين دول العالم في معدل الانفاق على التسلح ربما يجعل الولايات المتحدة تصاب بخشية على الاقل بشكل مؤقت من تطورات المنظومة الصاروخية الروسية والتي قد تسير بمحاذاة منظومتها الحديثة.

البيت الابيض برر انسحابه من معاهدة التسلح بأنه موجه ضد الصين التي اصبحت عصية على ادارة ترامب الذي لم يتمكن من لي ذراعها والاذعان الى رغباتها، لكن هذا لايمنع من ان نتوقع الدخول في حرب تسلح جديدة بين الاقطاب العالمية.

التقلبات الاقتصادية التي يعيشها العالم اليوم يجعل من روسيا في موقف حرج الى حد ما فهي تريد ان تواكب التطور او التقدم الامريكي في مجال التسلح، وفي ذات الوقت لا تريد ان تهدر الكثير من الاموال كون التطوير يحتاج الى مزيد من البحوث والدراسات المتعددة وهو ما يثقل ميزانيتها ولو بصورة قليلة نسبيا.

الخطاب الروسي الذي يقدم خيار الحوار على غيره من الخيارات ويرفض الانخراط في سباق التسلح مع الولايات المتحدة الامريكية ليس بغريب، لكن الغريب جدا هو اصرار امريكا على اجراء الاختبارات الصاروخية، هذا الاصرار يمكن ان يفسر على انه ناتج من شعورها بالتراجع في قدرتها العسكرية في العشر سنوات الاخيرة خصوصا في اوربا، وهو ما استغلته روسيا والصين في تطوير برامجها التصنيعية واخذ مكانة لا بأس بها في المجتمع الدولي.

الصورة لدى الادراك الامريكي تغيرت كثيرا بعد عودة بوتين إلى مقعد الرئاسة الروسية في السنوات القليلة الماضية، وقد تعزز ذلك التصور الأمريكي في ضوء المواجهات التي تمت بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في أزمة أوكرانيا، ومن قبلها القرم وجورجيا، وهنا يجب التأكيد على نقطة مهمة وهي ان سياسات المواجهة وتصعيد الصراع في دول جوار مباشر لروسيا، بخاصة أوكرانيا، وجورجيا، تعد شرارة الصراع بين الحكومة الروسية والامريكية، وهنا لا يجب ان نلقي اللوم على الجانب الروسي بل يشاركه بهذا التصعيد الطرف الامريكي ومواقف بعض دول حلف الناتو الأخرى.

ان ما عزز ذلك الإدراك هو ما قامت به روسيا من نشر منظومة دفاع متطورة على حدودها الغربية، وهو ما يدعم الاعتقاد الغربي بأن روسيا لديها أجندة توسعية وخطاب تصعيدي، وأنها ربما تستعد لشن حرب ضد خصومها في المدى القريب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2