عدم عودة المسؤول العراقي إلى حياته الطبيعية ليس ظاهرة فردية، بل نتاج منظومة ثقافية وسياسية واجتماعية معقدة، ترى في المنصب امتيازاً لا وظيفة، وفي السلطة هوية لا مرحلة. وما لم تتغير هذه الثقافة، ويُعاد تعريف المنصب العام بوصفه خدمة مؤقتة، ويُبنى نظام قانوني يطمئن الخارجين من السلطة...

في معظم دول العالم يُعد المنصب العام مرحلة مؤقتة في حياة الإنسان، تنتهي بانتهاء مدتها القانونية، ليعود بعدها المسؤول إلى حياته الطبيعية، أو إلى مهنته السابقة، أو حتى إلى ممارسة هواياته بعيداً عن الأضواء. غير أن المشهد في العراق يبدو مختلفاً إلى حد كبير، إذ نادراً ما نشهد مسؤولاً سابقاً يعود إلى حياة المواطن العادي، وكأن المنصب لم يكن وظيفة عابرة بل هوية دائمة لا يمكن التخلي عنها.

وبطبيعة الحال فإن هذا السلوك يثير تساؤلات مشروعة، أهمها: هل أصبح البقاء في ريتم المسؤولية عرفاً غير مكتوب في العراق؟ أم أن الكبرياء الشخصي أو الامتيازات هي ما تمنع المسؤول من العودة إلى حياته الطبيعية؟

أحد أبرز الأسباب المؤدية إلى هذه النتيجة هي النظرة الشائعة بأن المنصب كهوية لا كوظيفة، فالحالة السائدة هي أن المسؤول لا يُنظر إليه ولا ينظر هو إلى نفسه كموظف عام يؤدي مهمة محددة ضمن فترة زمنية، بل كشخصية ذات مكانة اجتماعية دائمة. والمنصب هنا لا ينتهي بانتهاء المدة، بل يتحول إلى لقب يرافق صاحبه، على سبيل المثال: "معالي الوزير" أو "سعادة السفير" أو "حضرة النائب السابق"، وكأنها أوسمة اجتماعية تمنح صاحبها شعوراً بالتفوق الرمزي على الآخرين، وفي هذا السياق تصبح العودة إلى الحياة الطبيعية نوعاً من الانحدار الاجتماعي في نظر البعض، وليس انتقالاً طبيعياً بين مرحلتين.

في الدول التي نجحت في ترسيخ مفهوم الدولة، يُنظر إلى المنصب بوصفه خدمة عامة، بينما في العراق ما زالت ثقافة الامتياز هي الغالبة. فالمسؤول يعتاد خلال فترة وجوده في السلطة على الحماية والمواكب، والامتيازات المالية، والتعامل التفضيلي، بل وحتى الخضوع الاجتماعي؛ هذه الامتيازات لا تتعلق فقط بالراحة، بل تُنتج نمطاً نفسياً يجعل التخلي عنها أمراً بالغ الصعوبة. والعودة إلى حياة طبيعية تعني الوقوف في طابور، أو قيادة السيارة دون موكب، أو التعامل مع الدوائر الحكومية كمواطن عادي، وهي أمور قد تبدو مهينة بالنسبة للكثيرين من المسؤولين الذين اعتادوا على معاملة استثنائية لسنوات توليهم المنصب أو الانخراط في الصفوف الأولى مع القيادات الحزبية.

وقد يأتي عدم العودة إلى الحياة الطبيعية بالنسبة للمسؤول نتيجة الخوف، فالكثير منهم لا يمكنه العودة السريعة، لأنهم ببساطة لا يشعرون بالأمان، فهم دائماً ما يشعرون بالخوف من الملاحقة القانونية، أو الخصومات السياسية، أو الثأر الاجتماعي، أو حتى من كشف ملفات فساد، مما يدفعهم للبقاء في دائرة النفوذ، أو على الأقل في محيط محمي. بينما في دول مجاورة، يعود المسؤول إلى مزرعته أو جامعته أو هوايته، لأنه يثق بوجود نظام قانوني يحميه كمواطن، أما في العراق، فضعف الثقة بالمؤسسات يجعل المنصب درعاً لا يمكن التخلي عنه بسهولة.

فقد رأينا رؤساء ووزراء يعودون للتدريس في الجامعات، أو لإدارة شركاتهم، أو حتى لممارسة هوايات بسيطة كالرسم أو الزراعة؛ هذه النماذج تصنع ثقافة عامة مفادها أن السلطة ليست نهاية الحياة ولا ذروتها. لكن في العراق يبدو أن هذه الثقافة ضائعة، ونادراً ما يتم تسليط الضوء على مسؤول سابق عاد إلى حياة هادئة ومنتجة خارج السياسة؛ غياب هذه النماذج يعزز الفكرة القائلة إن الخروج من السلطة يعني الخروج من المشهد كلياً، وهو ما يخشاه كثيرون.

وفي هذا السياق لا يمكن إنكار أن الكبرياء يلعب دوراً مهماً، فبعض المسؤولين لا يستطيعون تقبل فكرة أنهم أصبحوا عاديين غير مؤثرين، لكن الأعمق من الكبرياء هو الفراغ. عدم عودة المسؤول العراقي إلى حياته الطبيعية ليس ظاهرة فردية، بل نتاج منظومة ثقافية وسياسية واجتماعية معقدة، ترى في المنصب امتيازاً لا وظيفة، وفي السلطة هوية لا مرحلة. وما لم تتغير هذه الثقافة، ويُعاد تعريف المنصب العام بوصفه خدمة مؤقتة، ويُبنى نظام قانوني يطمئن الخارجين من السلطة، ستبقى الفجوة قائمة بين العراق ودول أخرى نجح فيها المسؤول في أن يكون إنساناً عادياً قبل أن يكون صاحب منصب.

اضف تعليق