تقدّم التجربة الكورية في التنمية الاقتصادية نموذجاً يصلحُ للاقتداء من قبل الدول النامية والمُتخلّفة الأخرى. ومع ذلك لا يجب أن يكون السير على ذات النهج نسخةً مكرّرة لتلك التجربة، فالفروق ستبقى قائمة بين بلدٍ وآخر .. وينبغي دائماً وضع ذلك في الاعتبار عند الشروع بعملية التنمية في أيّ بلد، أيّاً ما كانت امكاناته ومحدّداته.

إنّ "روح" التجربة الكورية تتجسّدُ في مسارها الخاص، و "ركلها" للسلّم التقليدي لـ "الصعود" الاقتصادي، وخروج توجّهاتها الرئيسة عن "طاعة" المنظمات الاقتصادية الدولية، ومنطلقات ومباديء "الليبرالية الجديدة"، التي جعلت النموذج التنموي للبلدان المتخلّفة بمثابة كتاب منهجي "مدرسي" مُوَحّد، يقوم بفرضهِ على "التلاميذ" المطيعين، مفتّشو "اجماع واشنطن"، وأساتذة "مدرسة شيكاغو للاقتصاد" .. والويل كلّ الويل، لمن يرسب في الامتحان.

لا خوف في النموذج الكوري للتنمية، ولا وصاية، و لا تبعيّة، ولا خضوع . لهذا كانت المقاربة مختلفة، والمنهج مغاير، عن تلك القوالب الغربية الجاهزة التي جعلت بلداناً اخرى لا تتقدّمُ خطوةً واحدةً نحو وضعٍ أفضل، ولا تستطيع بناء "نمط انتاج" أكثر تطوّراً، ولا تستطيع ترسيخ "علاقات انتاج" أكثر انسانيةً، لا لشيء، إلاّ لكونها أكتفَت بالاعتماد على "نماذج تنموية" هبطت عليها بالمظلاّت من سماوات البلدان الصناعية المتقدمة .. فما امطرت، ولا سقَتْ، ولا أينعَت في أيّ مجال، رغم كلّ ما تمّ بذله من اجلها من جهدٍ ومالٍ .. و دَمّ.

وبقدر تعلّق الأمر بالعراق، فقد اختلطت توجهات الأيديولوجيات "الثورية"، والنزعات "الشعبويّة" (قبل عام 2003)، بفوضى المناهج والسياسات والتوجهات التي تلت العام 2003، لتنتج لنا "مسوخاً" تنموية، جعلت أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية أسوأ بكثير ممّا كانت عليه قبل سبعينَ عاماً، بل أنّها جعلت ما يُعرَف بـ "النمط الانتقالي للتنمية" في العراق، نمطاً "انتكاسِيّاً"، بدل أن يكون نمطاً "تطوّريّاً"، كما هو الحال في بلدان أخرى كثيرة، عرفت كيف تتعامل مع امكاناتها وتستجيب للتحديات المفروضة عليها، كـ كوريا الجنوبية.

ولهذا السبب (وأسباب أخرى)، ها هو العراق يعودُ الى "عصر الاقطاع" بصيغته المعاصرة كـ "اقطاع ريعي" هذه المرّة، بكلّ ما ينطوي عليه مفهوم "الاقطاع الريعي" هذا من معنى و مجاز وكناية .

و بعد مرور ما يقرب من سبعين عاماً على بداية تنفيذ مشاريع "مجلس الاعمار"، التي كان عليها أن تضع هذا البلد على "عتَبَة الانطلاق نحو الرأسمالية"، ها هو العراق الآن يحبو بالكاد لينتزعَ نفسهُ من ظلمات العصر الاقطاعيّ، بخصائصه العراقية الخالصة( كـ "اقطاع" مقترن بالريع والسلوك الريعي للدولة، من جهة، وبقيم وتقاليد وسلوك مجتمع "الاقنان" المرتبطين بالريع، من جهة اخرى)، بعد إنْ ضلّ طيلة سبعة عقودٍ مريرة، يغوصُ في سَبَخِهِ وفسادهِ وهدر مواردهِ ببطءٍ، ولكن بثبات، دون أن تلوح في الأفق أيّةُ امكانيّةٍ للخلاص من هذه المحنة.

هل بالإمكان تكرار "المعجزة" الكورية في التنمية، وتطوير الاقتصاد الوطني ؟

نعم .. بإمكاننا فعل ذلك من خلال ما فعلته كوريا ذاتها بهذا الصدد، و بوسائلها ومبادراتها الخاصّة، وكما يأتي :

1- قيادة سياسية كفوءة و قوية ومُستقّلة وذات تصميم.

2 – هذه القيادة السياسية تعمل على وفق منهج خاصّ لـ "دكتاتوريّة تنمويّة"، قادرة على توحيد الأمّة، وحشد امكاناتها المادية والبشرية لتحقيق مصالح وطنية عليا غير قابلة للمساومة والنقض من أيّ طرف فاعلٍ في الاقتصاد والمجتمع.

3- "الدكتاتورية التنموية" هنا، هي "ضرورة" وطنية، من أجل انجاز الاستغلال الأمثل للموارد المادية والبشرية المتاحة، و تطوير الاقتصاد، و تنويع الانتاج، وتنوّع مصادر الايرادات، والقضاء على الفقر، والحدّ من الفساد.

4- حكومة متجانسة و متخصّصة و كفوءة، تعمل (داخليّا) كفريقٍ واحد لتحقيق الأهداف والأولويات الوطنية المحدّدة بدقّة، تحت قيادة "دكتاتور تنموي" يعرفُ ما يريد، و تعمل (خارجيّا) على ادارة التفاوض والمساومة، وضبط قواعد اللعبة، واجادة اللعب مع "الكبار" لتحويلهم الى أصدقاء و "حُلفاء"، بدلاً من السعي الأحمق لخلق الأعداء، على الساحتين الدولية والإقليمية.

5- سياسيّون يدعمون الخبراء والمستشارين المحليّين لإنجاز مهمّتهم في دفع عملية التنمية الشاملة قُدُماً، وليس العكس.

6- التصميم على محاربة الفساد، و تسمية الفاسدين دون مواربة، واعلان اسماءهم في سجلٍ (أو كتابٍ) أسْوَدٍ تعرضهُ الحكومة على الشعب دَوريّاً، وإلحاقِ العار بهم على الصعيد الوطنيّ.

7- وضع قواعد، وبناء سياسات مُصمّمة لتعزيز قدرة الدولة على معالجة اخفاقات السوق.

8- دعم عملية اعادة بناء وتطوير قطاع خاص "حقيقي"، وليس قطاع خاص "طفيلي" يقتاتُ على الريع، ويعمل كذراعٍ اضافيّةٍ للفساد، في "الدولة" الفاسدة.

بهذا نجحت كوريا الجنوبية في الإعمار، والتصنيعِ، والتشجيرِ ..

وبغيره "نجحتْ" بلدانٌ اخرى في أن تجعلَ من الفسادِ والإفساد، والخرابِ و التدمير، حرفتها الوحيدة.

..........................................................................................................
* الاراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1