مفتتح

تعددت النظريات والتصورات التي تعمل على صياغة رؤية ومنظومة مفاهيم في طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تكون وتسود بين الغرب مجالاً حضارياً واقتصادياً وسياسياً والعالم الإسلامي بكل دوله وشعوبه. إلا أن القاسم المشترك بين هذه النظريات والتصورات المتباينة أن الحاجة بين الطرفين متبادلة. فالغرب يحتاجنا لموقعنا الاستراتيجي ولحاجته للطاقة والنفط الموجود في أراضي العالم الإسلامي، ونحن نحتاج إلى تقنية وصناعة وتعليم ومنجزات الغرب المختلفة.

فإننا اليوم دون الغرب نعيش حياة بدائية وفقيرة، كما أن حياة التطور والتقدم في الغرب تحتاج إلى ثرواتنا وسوقنا. وعليه فإن الحاجة متبادلة ومتداخلة، لذلك نحن بحاجة إلى صياغة رؤية وعلاقة جديدة، نتجاوز من خلالها إحن التاريخ وتراكمات عصر الاستعمار ومتوالياته المتعددة والمتنوعة.

نحو حوار جديد بين الغرب والعالم الإسلامي

ثمة اليوم ضرورات عديدة للتفاهم والتواصل الحضاري بين الغرب والعالم الإسلامي.. وذلك لأن وجود فجوات معرفية وسياسية واقتصادية بين الطرفين لا يهددهما بوحدهما، وإنما يهدد العالم بأسره.

لذلك هناك ضرورة شاخصة لانطلاق حوار حقيقي بين الغرب والعالم الإسلامي، يستهدف الفهم المتبادل وخلق المساحة المشتركة القادرة على إنجاز مفهوم التفاهم والتواصل الحضاري بين الطرفين. ووجود أزمات خانقة في العالم الإسلامي، اشترك الغرب في صنعها بشكل أو بآخر، لا يبرر استمرار حالة الجفاء وغياب أطر الحوار والتفاهم بين الغرب والعالم الإسلامي. ووجود مآخذ حضارية عند كل طرف على الآخر لا يُسوِّغ أيضاً غياب مؤسسات الحوار والتفاهم بين الطرفين.

والحوار بين الثقافات لا يشترط في كل مراحله وأطواره وجود تطابق تام في وجهات النظر. بل على العكس من ذلك تماماً، حيث حينما تتعدد المرجعيات المعرفية، وتتباين التصورات الثقافية، وتختلف المواقف السياسية والعملية، تتأكد الحاجة إلى الحوار الذي لا يستهدف بالدرجة الأولى إقناع كل طرف بقناعات الآخر، وإنما هو يستهدف الفهم والتفاهم، وخلق مساحة مشتركة للتعاون والتواصل.

وعليه فإن الشرط الأول لنجاح أي حوار وتفاهم بين الغرب والعالم الإسلامي، هو خروج الجميع من القراءات النمطية والمبسطة في النظرة إلى الآخر. فلا يمكن اختزال العالم الإسلامي في جملة من المفردات والممارسات التي تُعارض في العالم الإسلامي أكثر مما تُعارض في الغرب. وفي المقابل أيضاً لا يمكن اختزال الغرب في بعض السياسات التي لا تنسجم وحقوقنا ومصالحنا في العالم الإسلامي. فالغرب أوسع من ذلك. وعلينا أن نتواصل ونتحاور مع كل مؤسساته، حتى نتمكن من التأثير فيه في قضايانا الاستراتيجية.

فالخروج من الرؤية النمطية التي تختزل الإسلام والغرب في قوالب محددة وجاهزة ورتيبة سواء من قبل بعض المنابر والأقلام في العالم الإسلامي أو الغرب، هو الشرط الضروري لخلق روافد للحوار بين العالمين الغربي والإسلامي، على أسس من الاحترام المتبادل.

فالنظرة الأحادية والاختزالية، تثير من الهواجس والمشاكل أكثر مما تعالج وتجيب عن نقاط الاختلاف والافتراق. والقراءة النمطية تعيد إنتاج مآزق التاريخ أكثر مما تحاول الاستفادة من دروس التاريخ وعبره. وعليه فإننا نعتقد أن شروط الحوار والتفاهم بين العالمين الغربي والإسلامي هي الآتية:

1- الخروج من الرؤى والقراءات النمطية والاختزالية والأحادية، والتفكير برؤية شاملة موضوعية في النظر إلى كل القضايا والأمور. سواء المتعلقة بالغرب تاريخاً أو حاضراً. وكذلك بالنسبة إلى الأمور المتعلقة بتاريخ العالم الإسلامي أو راهنه. فإن الحوار الحضاري المطلوب هو الذي يتجاوز الرؤية النمطية، ويتحرر من النزعة الاختزالية، ويتعامل مع وقائع الحياة في كلا الجانبين بمنتهى درجات العلمية والموضوعية. وهنا ينبغي أن نعترف أن الغرب لا يمكن أن ينخرط في حوار جدي مع العالم الإسلامي دون التحرر من الرؤية النمطية والاختزالية السائدة لدى شعوب الغرب عن الإسلام والعالم الإسلامي. كما أن الشعوب الإسلامية لا يمكنها التفاعل الحضاري مع منجزات الغرب، والانخراط في مشروع الحوار والتواصل الحضاري معه، دون الانعتاق من كل أشكال الرؤية النمطية والاختزالية التي تحملها تجاه الغرب.

فلا يمكن أن يتحقق الحوار الصحيح والسليم بين الغرب والعالم الإسلامي دون التحرر من كل الرؤى والأنماط التي تختزل الحياة والأمم في صور جامدة ومشوهة.

من هنا فإن الحاجة ماسة اليوم لكي يتحرر كل طرف من أوهامه التي يحملها عن الآخر. ودون هذا التحرر والانعتاق سيتحول كل حوار إلى حوار طرشان، وكل تواصل إلى مساجلات إيديولوجية وحضارية تزيد من اليباس والجمود، وتكرس الرؤى النمطية والاختزالية السائدة في مشهد العلاقة بين الغرب والعالم الإسلامي. ولا يمكن أن يتحقق فعل الخروج والتحرر من الرؤى النمطية والاختزالية إلا بجهد معرفي - تفكيكي وحقيقي، يتجه إلى مساءلة ونقد السائد على هذا الصعيد، وإرادة سياسية حقيقية تستهدف نسج علاقة حقيقية بعيداً عن نزعات التسلط والهيمنة أو ضغوطات السياسة والتبعية.

2- الخروج من عبء التاريخ: لعلنا لا نأتي بجديد حين نقول إن تاريخ العلاقة بين العالم الغربي والعالم الإسلامي مليء بالصراعات والحروب وأشكال اللا ثقة. لذلك فإن تاريخ العلاقة بين الطرفين يشكل وبعمق عبئاً حقيقياً على كلا الطرفين. فالعالم الإسلامي اليوم في نظرته إلى الغرب يتأثر وتتحكم فيه العوامل التاريخية، أكثر مما تؤثر فيه متطلبات الراهن. كما أن الغرب بكل علمانيته ومؤسساته الدستورية وتقدمه العلمي والتكنولوجي، إلا أنه أيضاً لم يتحرر بشكل كامل من عبء التاريخ فيما يرتبط بنظرته إلى الإسلام وعلاقته السياسية والاقتصادية والأمنية بالعالم الإسلامي.

لذلك فإننا نعتقد أنه لا يمكن أن ينجز الحوار الحضاري بين الطرفين دون التحرر من عبء التاريخ. والتحرر هنا لا يعني النسيان أو التناسي، وإنما يعني وببساطة أن هناك مصالح قائمة اليوم لا يمكن القبض عليها دون فتح قنوات للحوار الجدي بين العالمين الغربي والإسلامي.

وفي تقديرنا أن فعالية كل حوار وتواصل على هذا الصعيد مرهون إلى حد بعيد على قدرة الجميع على التحرر من عبء التاريخ. فالانحباس في سجلات العلاقة التاريخية لن يفضي إلا إلى المزيد من سوء الظن وسوء التفاهم. لذلك فبمقدار التحرر من عبء التاريخ يتمكن العالمان الغربي والإسلامي من صياغة علاقة جديدة بعيداً عن إحن التاريخ وضغوطات السياسة.

فالمطلوب صياغة العلاقة وفق مصالح استراتيجية راهنة لا تنحبس في التاريخ الصراعي للطرفين.

3- إنهاء الفجوات المعرفية بين الطرفين. حيث إن طبيعة العلاقة بين العالمين الغربي والإسلامي تكتنفها بعض العناصر الغامضة من الطرفين. والسبب في ذلك يعود في تقديرنا إلى وجود فجوة معرفية بين الطرفين. فلا الغرب بعلمائه ومؤسساته البحثية ومعاهده العلمية يمتلك رؤية معرفية متكاملة عن عالم الإسلام والمسلمين، مما يفضي إلى سوء الفهم لبعض الممارسات وشيوع حالة من الالتباس سواء على صعيد المعرفة أو التقويم. وفي المقابل أيضاً هناك تقصير معرفي حقيقي من قبل المسلمين في نظرتهم ومعرفتهم بالغرب تاريخاً وحضارة. لذلك فإن تطوير مستوى الحوار الحضاري بين الغرب والعالم الإسلامي، يقتضي العمل على إنهاء وسد الفجوات المعرفية بين الطرفين. وذلك عبر تأسيس مراكز البحث والدراسة المتخصصة بشؤون الطرفين. فلماذا لا تنشأ في بلاد المسلمين معاهد ومراكز أبحاث جادة ومتخصصة في شؤون الغرب. كما أن الدول الغربية مطالبة عبر معاهدها العلمية ومؤسساتها البحثية والدراسية إلى تطوير معرفتها بالإسلام والمسلمين. وذلك لأن المعرفة العميقة المتبادلة هي أحد الشروط الأساسية لنجاح أي مشروع حواري بين الغرب والعالم الإسلامي.

فالساحة الدولية اليوم بحاجة إلى خطوة جريئة وشجاعة، لإطلاق مشروع حوار جاد وحقيقي بين العالم الإسلامي والغرب، قوامه (نبذ القراءات النمطية والاختزالية المتبادلة والتحرر من عبء التاريخ وتطوير المعرفة العلمية والموضوعية المتبادلة). وذلك من أجل إنهاء جملة من التوترات التي تكتنف هذه العلاقة، وتؤثر بشكل مباشر على مشهد العلاقات الدولية بكل مستوياتها.

فاللحظة الراهنة بكل تحدياتها وآفاقها تقتضي إطلاق مشروع حواري جاد وجديد بين الغرب والعالم الإسلامي، يساهم في بلورة أسس جديدة للعلاقة نتجاوز من خلالها إرث التاريخ وصعوبات الراهن وهواجسه.

رؤية الإسلام للحوار الديني

لا شك أن ما سمي في مدونات المؤرخين بصحيفة المدينة، وهي نص العقد والاتفاق الذي أبرمه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع مكونات وتعبيرات مجتمع المدينة آنذاك، يعد من النصوص التأسيسية التي توضح بشكل لا لبس فيه طبيعة العلاقة القائمة، أو التي ينبغي أن تقوم بين مختلف المكونات الدينية والقومية للاجتماع السياسي الإسلامي. فهو (أي النص) «يكشف عن النوايا الحقيقية للإسلام الذي أقدم لأول مرة في التاريخ الحضاري على إنشاء مجتمع واحد مختلط (وطني وسياسي ومدني) حيث يقوم الناس على اختلاف أديانهم بمسؤوليات واحدة في حياتهم الدنيا»(1).

ولقد استنبط العلماء والفقهاء هذه الحقيقة الدستورية والقانونية والسياسية من المقولة الواردة في صحيفة المدينة: «لهم ما لنا، وعليهم ما علينا». فالحقوق كلها متساوية كما الواجبات. فالاختلافات الدينية أو السياسية لا تشرع للتمييز، بل تؤكد على ضرورة المساواة وتكافؤ الفرص. لذلك فإن العلاقة التي تؤسسها صحيفة المدينة، هي علاقة المساواة والتكافؤ ونبذ كل أشكال التمييز والتهميش.

فلقد جاء في الوثيقة «إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف، والقسط، بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف، والقسط، بين المؤمنين. وبنو الحرث على ربعتهم، وبنو ساعدة على ربعتهم، وبنو جشم على ربعتهم، وبنو النجار، وبنو عمرو بن عوف، وبنو النبيت، وبنو أوس، وإن المؤمنين لا يتركون مفرحاً بينهم. وإن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل»(2).

وفي الإطار الديني فإننا نعتقد أن الحوار بين الإسلام والمسيحية لم ينقطع منذ بزوغ فجر الإسلام. ولقد اتخذ هذا الحوار أشكالاً متعددة وموضوعات مختلفة. فتارة يكون الحوار ذا طابع لاهوتي - عقدي، يُعنى بشؤون الربوبية والوجود والآخرة وما أشبه، وتارة أخرى يناقش قضايا معاصرة تهم الإنسان والمجتمعات المعاصرة. «وقد تجلى هذا الحوار أول تجلياته في القرآن الكريم، وكان ذا اتجاهين: أحدهما يتمثل في دعوة المسيحية إلى الإيمان به، باعتناقه والاعتراف له بأنه يمثل الكلمة الأخيرة والكاملة في التاريخ الديني للإنسانية. وثانيهما يتمثل في دعوة المسيحية -إذا رفضت الإيمان به- إلى التعايش معه بعد الاعتراف به. إذ لا يمكن التعايش مع الرفض والإنكار المطلق»(3).

فالرؤية القرآنية لا تفرق بين أنبياء الله تعالى، وتعتبرهم جميعاً في قافلة واحدة، وهي قافلة الإيمان والهدى. يقول تبارك وتعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ)(4).

وكل الرسالات السماوية تشترك في الدعوة إلى العدالة وسيادة قيمها ومتطلباتها في الواقع الإنساني. قال تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ)(5).

ووجه القرآن الحكيم إلى أهل الكتاب نداء التعاون على مقاومة الظلم ونصرة الحق وإقامة العدل. قال تبارك وتعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)(6).

فـ«الموقف الأساس في الإسلام من الإنسان هو التكريم، بصرف النظر عن أي انتماء من الانتماءات. قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(7). والتكريم الإلهي للإنسان نابع من السر الإلهي في الإنسان أنه نفخة من روح الله: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(8). (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)(9).

وهو الذي اقتضى سجود الملائكة له. ومهمة الإنسان على الأرض هي أنه خليفة الله. فهذا الإنسان المكرم هو خليفة الله في الأرض: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(10). إن هدف الخلق الأول للإنسان هو أن يكون خليفة الله للإعمار وللوصول إلى التكامل الروحي»(11).

وعليه فإن تاريخ الإيمان وفق الرؤية الإسلامية تاريخ واحد، وأن تجليات الإيمان على ألسنة الرسل والأنبياء هي تجليات لحقيقة واحدة لا تفاوت في جوهرها، وإنما تتفاوت في سعتها وفي عمقها وفي إجمالها وفي تفصيلها.

والسؤال الذي يطرح هنا هو: كيف نظر القرآن الحكيم لأهل الكتاب؟

بالإمكان الإجابة عن هذا السؤال من خلال النقاط التالية:

1- إن الذكر الحكيم علّم المسلم أن أهل الكتاب هم سلفه في الإيمان الإبراهيمي، وأن بينه وبينهم قرابة المشاركة في هذا الإيمان، وأن إيمانهم جزء مقوم لإيمانه الإسلامي. قال تعالى: (قُولُواْ آمَنَّا باللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)(12).

2- وعلى أساس الإيمان الجامع وجَّه القرآن الحكيم المسلمين إلى الجامع التوحيدي نحو أهل الكتاب. قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)(13).

3- التعامل والتحدث معهم باحترام وتقدير، ولعل في تسميتهم بأهل الكتاب، للتأكيد على القرابة الروحية والإيمانية، ما يشير إلى هذه الحقيقة ويؤكد عليها، وصنفهم الذكر الحكيم إلى قسمين: منهم من استقام، ومنهم من انحرف. قال تعالى: (لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ)(14).

وهذا النقد الذي مارسه القرآن الحكيم تجاه أهل الكتاب للاختلاف العقدي لم ينعكس على التشريع الاجتماعي والسياسي. بل أكد القرآن الحكيم على مبدأ الاستقلال التشريعي لأهل الكتاب في جميع شؤونهم وأحوالهم. قال تعالى: (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(15).

وبالتالي فإن الاختلاف العقدي لم يفضِ إلى إلغاء شخصيتهم الثقافية بل على العكس تماماً. حيث إن صيانة مبدأ الاستقلال التشريعي قاد بدوره إلى استقلال الشخصية الثقافية وحرية ممارسة العبادة وكل الطقوس الدينية والشعائرية. بل إن القرآن الكريم وفي سورة كاملة (سورة البروج)، خلّد ذكر شهداء نصارى نجران، وعبر عنهم بالمؤمنين ومدحهم. فقال عز من قائل: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)(16).

وفي سورة الروم تسجيل صريح وواضح لتعاطف المسلمين مع المسيحيين في مواجهتهم وصراعهم مع المجوس الذين اعتبرهم مشركو مكة أقرباء روحيين لهم، في مقابل اعتبار النصارى أقرباء روحيين للمسلمين. قال تعالى: (الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ للهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ)(17).

فالرؤية الإسلامية والتجربة التاريخية الإسلامية الأولى، كلها مضامين وحقائق، تؤكد قيم الشراكة والاحترام المتبادل بين أهل الديانات التوحيدية الكبرى. ولكن ولعوامل سياسية واجتماعية وثقافية نتجت ظواهر مضادة لتلك الحقائق والمضامين الثابتة.

الحوار وأسس التفاهم المدني

من هنا ومن أجل إزالة رواسب التاريخ وتجاوز حقب الإلغاء والإقصاء المتبادلين نحن بحاجة، على صعيد الحوار بين الأديان، إلى الانتقال من سياق الحوارات ذات الطبيعة اللاهوتية، التي لا تضيف إلا تأكيد كل طرف على أن مضامينه الدينية والفلسفية والروحية تتسع وتحترم الآخر المختلف في العقيدة والدين؛ إلى الحوارات الثقافية، التي تعمل في اتجاهين في وقت واحد:

الاتجاه الأول: هو تنقية الفضاء الثقافي والاجتماعي والسياسي من كل رواسب الحروب وعمليات الإقصاء. وهذا لا يتأتى إلا بحوارات ثقافية عميقة وصريحة، بحيث يمارس كل طرف نقداً صريحاً وعميقاً لبنيته الثقافية على هذا الصعيد. وقد آن الأوان لردم الفجوة على الصعيد الفكري والثقافي بالمزيد من الحوارات التي تستهدف صياغة الوعي الجديد في طبيعة العلاقة مع ظاهرة التعددية الدينية.

والاتجاه الآخر: هو العمل على بناء حقائق ثقافية واجتماعية وسياسية جديدة، تنقل الحوار من بعده اللاهوتي المغلق إلى آفاق الإنسان فرداً وجماعة من أجل المساهمة في خلق نظام إنساني - عالمي أكثر عدالة وحرية ومساواة.

وهذا يتطلب وعياً تواصلياً، وحواراً حراً وشفافاً من أجل بلورة كيفية الانخراط في مشروع الحداثة واستيعاب عناصرها الأساسية. فالحضارة وهي أعقد ظاهرة سوسيو - تاريخية خلقها الإنسان، لا يمكن حصرها في قوم أو أمة أو ثقافة، فهي نتاج تراكم تاريخي اشتركت جميع الثقافات والأمم والأقوام بنسب متفاوتة في خلقها وبنائها. فاليوم لا توجد حضارات متعاصرة، بل حضارة إنسانية واحدة، وبمقدار تقدم الأمم والشعوب في مختلف المستويات يكون نصيبها وموقعها في الحضارة المعاصرة.

وإننا نعتقد أن العمل على اكتشاف وتظهير الينابيع الإنسانية العميقة لكل الأديان السماوية سيساهم بشكل كبير في بلورة خيارات إنسانية أكثر عدلاً ومساواة وحرية للبشرية جمعاء.

وإن كل محاولات الانحباس دون البعد والروح الإنسانية سيكلف البشرية الكثير من العناء والشقاء.

فالمجتمعات الإنسانية اليوم تحتاج إلى الدين في بعده الإنساني والأخلاقي والروحي، وإن الانكفاء دون تجلية وتظهير هذه الأبعاد من الأديان السماوية يعني المزيد من الحروب والصراعات المفتوحة، والدمار الذي يهدد الإنسان فرداً وجماعة في أمنه وكرامته وضرورات عيشه.

لذلك فإن المهمة الأساس في مشروع حوار الأديان ليس الدخول في نفق السجالات اللاهوتية والإيديولوجية، وإنما العمل على تظهير كل القيم الإنسانية والحضارية التي تختزنها الأديان السماوية، وإعمال العقل وإطلاق حرية التفكير من أجل بناء نظام علاقات بين مختلف المجموعات الدينية، على قاعدة العدل والحرية وحقوق الإنسان. فالانتماء الديني ليس مدعاة للانتقاص من حقوق الإنسان أو فرصة للتقليل من حقائق ومتطلبات العدل والحرية. فالحقوق مصانة للجميع، والفرص متاحة للجميع، بصرف النظر عن الدين أو العرق أو القومية.

فالتواصل بين المختلفين والمتغايرين دينياً، لا يتم عبر العقائد واللاهوت، وإنما عبر الثقافة التي تدفع جميع المكونات إلى الحوار والتفاهم ونسج المشتركات وتنميتها. لذلك نجد القرآن الحكيم، حينما يحثنا إلى الحوار والتواصل مع أهل الكتاب، يؤكد على كلمة سواء، وهي عبارة عن المشتركات والجوامع التي تجمعنا مع الآخرين. فالحوار لا يعني مغادرة موقعك الديني أو الفكري، وإنما يعني اكتشاف المساحات المشتركة والانطلاق للعمل معاً منها.

وإننا هنا لا ننفي أهمية الحوارات الإيديولوجية واللاهوتية في تظهير المشتركات، وإنما ما نود قوله وتوضيحه أن الحوارات الثقافية المستديمة بين المختلفين والمتغايرين، هي البوابة السليمة للانخراط في مشروع الحوارات الإيديولوجية. فالحوارات الثقافية وما تخلقه من مشتركات وبيئة حاضنة ومؤاتية هي التي تهيئ الأرضية لنجاح أي حوار ديني وإيديولوجي.

فالحوارات الثقافية هي القادرة على صياغة راهن العلاقة بين كل الثقافات والوجودات الاجتماعية على أسس العدالة والاحترام المتبادل. أما الحوارات الإيديولوجية فهي تستهدف بالدرجة الأولى التعريف المتبادل للعقائد وتظهير الجوامع المشتركة على هذا الصعيد. وعلى هذا فإن كل الحوارات بكل مستوياتها مطلوبة، إلا أن المدخل الإيجابي لكي تؤتي هذه الحوارات ثمارها الإيجابية هو أن تبدأ الحوارات في بعدها الثقافي، وذلك لتفكيك كل عقد الراهن، والانطلاق من خلو الراهن من عقد مستعصية إلى الحوارات في جوانبها وأبعادها الأخرى.

ولعل في الآية القرآنية التالية إشارة إلى أن الجدل الإيديولوجي المجرد من طبيعته أن يُصر كل طرف على موقفه وقناعاته، دون التفكير في صناعة وتوسيع المساحات المشتركة. إذ يقول تبارك وتعالى: (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(18).

وبالتالي فإن نجاح الحوار في مختلف دوائره ليست رغبة مجردة ومعطى مفصولاً عن التخطيط والإرادة والحكمة. بل هي عملية خلق متواصل لكل الحقائق والوقائع، التي تؤكد على التواصل والقبول بالتعددية وأسس العيش المشترك.

فالحوار هو من أجل إنقاذ الراهن من أمراض الظلم والاستبداد وسيطرة المادية المتوحشة، وبناء المستقبل بعيداً عن كل أسباب وموجبات الانحدار الأخلاقي والسياسي والروحي. و «ما يجب أن يكون مساهمة جوهرية في الوصول إلى الحوار بين الأديان إنما هو البحث في التاريخ الذي أدى في كل من التراثات إلى الموقف المعاصر من التعدد في الحقل الاجتماعي. إلى جانب التنبه المناسب للسؤال عن المقاييس التي نستخدمها بهذا الصدد في تحليل تاريخنا وتاريخ التراثات الأخرى، من المهم للنجاح في هذا العمل اتِّباع المراحل التالية:

في المرحلة الأولى يجب تعميق الاختبار في إيماننا وتفكيرنا، هذا الاختبار الذي نقوم به في الحوار مع تاريخنا الخاص وفي اللقاء مع الثقافات الأخرى. نستعمل لهذا مقاييس وشروطاً معينة، يجدر التقيد بها عندما نعالج الأمور من الداخل، من تساؤلاتنا اللاهوتية. إنه إلى حد ما التوتر بين علم الأديان وربما أيضاً الفلسفة من جهة، واللاهوت من جهة أخرى.

الناحية الثانية التي يجدر أن تستأثر باهتمامنا هي ناحية العلمنة. كل ما هو ممكن اليوم في عالمنا المتعدد بالنسبة إلى العيش معاً بسلام، وحتى اجتماع من هذا النوع لم يصر ممكناً إلا بفضل نظام حقوقي دولي نما مع ما ندعوه العلمانية، التي تحملنا، مع كل الاختلافات في المواقف، على الابتعاد عن محاربة أحدنا الآخر، بل ترغمنا على ذلك.

العنصر الثالث هو حرية الفكر، التي لا بد منها للتمكن من التفكير بالحقيقة في شروط محدودة. نملك في تراثنا الجامعات، التي يصح أن نصفها بأنها (أماكن حرية الفكر)، بما في ذلك اللاهوت كمادة جامعية»(19).

والعلمنة المطروحة في النص أعلاه لا تعني الانحلال الأخلاقي واستغلال المرأة أو كل المظاهر المريبة اجتماعياً وأخلاقياً، وإنما تعني ضرورة وجود حيز حر من التفكير المتحرر من الخوف، وبناء علاقات اجتماعية وإنسانية على قاعدة المشترك الإنساني والوطني، وليس على قاعدة التمايز الديني أو العرقي أو ما أشبه ذلك. ولا يمكن تعميق أسس التفاهم المدني إلا بشيوع وتعميق ثقافة الحرية وحقوق الإنسان والتسامح في الفضاء الاجتماعي والإنساني. فالثقافات المدنية تقتضي توسيع مساحة المشترك على قاعدة الحوار والحرية والأسئلة النقدية التي تُسائل الواقع، وتعمل على فحصه وصولاً إلى تظهير كل المضامين الحضارية والإنسانية للقيم والمبادئ والمثل العليا. لهذا يقول (أندراوس بشته): «إنه مهم جداً ألَّا نعزل وضع جماعتنا الدينية والجماعات الدينية الأخرى لننظر إليها في ذاتها، بل يجب السعي إلى فهمها في الإطار الاجتماعي الثقافي الذي تحيا فيه، لمعرفة تطوراتها التاريخية. فهل نأخذ هذا الأمر بالاعتبار بشكل كافٍ أيضاً في الحوار المسيحي - الإسلامي، وذلك بما نقوم به من جهود كبيرة للوصول إلى وصف تاريخي موضوعي، وتصحيحات مناسبة لتصور الآخر في كتب الدراسة وفي معطيات الثقافة العامة لشبيبة اليوم»(20).

فإعادة صوغ العلاقة بين أهل الديانات التوحيدية الكبرى، على أسس العدالة ونبذ الظلم ومحاربة الاستئثار بكل صوره، سيساهم في إرساء معالم السلام في المشهد العالمي. وذلك لأنه (على حد تعبير عالم اللاهوت الألماني هانز كونج) «لن يكون هناك سلام بين الأمم ما لم يكن هناك سلام بين الأديان، ولن يكون هناك سلام بين الأديان ما لم يكن هناك حوار بين الأديان».

إننا نعتقد بأهمية أن تتجه حوارات الأديان إلى بيان وتعميق أسس التفاهم المدني بين البشر. فالقيم الدينية الكبرى في كل الأديان تكون عامل إغناء وتعزيز لكل تفاهم وتعايش بين بني الإنسان. ولكي تكون الحوارات الدينية جسراً لتعميق أسس التفاهم المدني بين الأمم والمجتمعات الإنسانية من الضروري التأكيد على النقاط التالية:

1- ضرورة العمل على تفكيك كل الأنماط والتصورات النمطية التي يحملها كل طرف عن الآخر. فلا يمكن تطوير مستوى الحوار، وإيصاله إلى مستويات متقدمة من التفاهم المتبادل، إلا بخروج الجميع من كل التصورات الجامدة والنمطية، التي تبلورت في عصور الصراع والجهل المتبادل. فالقوالب الذهنية والثقافية الجامدة والنمطية هي أحد المعوقات الأساسية التي تحول دون تطور حوار الأديان في الحقبة الراهنة. والخروج من الرؤية النمطية لا يعني نفي التاريخ أو تجاهل أحداثه وملابساته، وإنما خلق الوعي الذي يكفل للجميع عدم الخضوع لمقتضيات القول والرؤية النمطية، التي هي بشكل أو بآخر وليدة لحظة تاريخية ذات التباسات عديدة.

ولعلنا لسنا بحاجة إلى نبش التاريخ لمعرفة المصادر التاريخية والدينية والاجتماعية التي ساهمت في خلق الرؤية النمطية والجامدة تجاه الإسلام كدين والمسلمين كمجتمع وثقافة، وإنما الذي يهمنا في هذا الصدد هو أن مقتضى الحوار بين الأديان يتطلب الانعتاق من كل الصور والانطباعات والنماذج التاريخية التي تشكلت بين أهل الأديان، وهي صور وانطباعات أقل ما يقال عنها: إنها انتقائية ووليدة ظروف خاصة.

2- من الأهمية بمكان أن تخرج حوارات الأديان من طابع السجالات الإيديولوجية واللاهوتية، وتتجه بتركيز صوب البحث عن أشكال وصيغ التعايش بين أهل الديانات التوحيدية الكبرى. إذ إن الحاجة الإنسانية الملحة اليوم هي الوصول إلى صيغ للتفاهم والتعايش بين مختلف المكونات والتعبيرات.

وإن المؤتمرات والحوارات ينبغي أن تلتفت إلى هذه الحاجة، وتعمل عبر برامجها وأطرها المختلفة للبحث العميق والمتواصل في صيغ تتجاوز فيها البشرية خطر التعصب والإرهاب، وتؤسس لحالة إنسانية جديدة، قوامها التعايش على قاعدة الاحترام المتبادل.

و«إن قوة الاتصالات بالعالم المعاصر ستفتح آفاقاً وإمكانات عريضة لإدراك التقاليد الدينية المغايرة، الأمر الذي يجعل حوار الإسلام الجدي مع الديانات الأخرى في منتهى الأهمية والضرورة. ولهذا فإن مفكري الشرق الدينيين الأكثر عمقاً واطلاعاً يدركون بصورة أكبر فأكبر أن بلوغ تدين أكثر ملاءمة واتساقاً مع الظروف العصرية الراهنة يمكن أن يحدث فقط في شروط تؤمِّن التحرر من الكراهية الطائفية والشعور بالتفوق والتميز»(21).

3- لكي تمارس الأديان دورها ووظيفتها في دعم قيم السلام والوئام والتنمية في المجتمعات الإنسانية من الضروري الاهتمام بالبعد الروحي للأديان، والعمل على إبراز هذا الجانب، وكل التجارب الروحية للأفراد. وذلك لأن هذه التجارب، والقيم الروحية التي تقف وراءها، تساهم بشكل أساسي في تصحيح العديد من التصرفات والممارسات، وتضبط نزعات الاستئثار والميل نحو استخدام القوة الغاشمة ضد المختلف والمغاير.

إننا ومن أجل إغناء الواقع الإنساني بحاجة إلى تجلية البعد الروحي للأديان السماوية. وذلك من أجل أن تمارس هذه القيم دورها ووظيفتها في الفضاء الإنساني بكل مستوياته ودوائره.

وجماع القول: إننا نعتقد وبشكل عميق أن الاهتمام بحوار الأديان وتطوير موضوعاته ونقلها من حقل الإيديولوجيا واللاهوت إلى حقل الثقافة والإنسان سيساهم في رفد الإنسانية جمعاء بالكثير من القيم والمبادئ والتجارب الروحية، التي تحد من غلواء وتوحش المادة، وصولاً إلى بناء إنساني أكثر توازناً وبعداً عن نزعات الطغيان والاستبداد والهيمنة.

...........................................
(1) الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، الحوار الإسلامي - المسيحي نحو مشروع للنضال المشترك، ص 5، مؤسسة الإمام شمس الدين للحوار، الطبعة الأولى بيروت 2004م.
(2) الشيخ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار جـ 19، ص 110-111، مؤسسة الوفاء، بيروت 1983م.
(3) الشيخ شمس الدين، الحوار الإسلامي - المسيحي، مصدر سابق، ص 12.
(4) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية (285).
(5) القرآن الكريم، سورة الشورى، الآية (13- 14).
(6) القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية (64).
(7) القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية (70).
(8) القرآن الكريم، سورة الحجر، الآية (29).
(9) القرآن الكريم، سورة ص، الآية (72).
(10) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية (30).
(11) الشيخ شمس الدين، الحوار الإسلامي - المسيحي، مصدر سابق، ص 119.
(12) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية (136).
(13) القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية (64).
(14) القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية (113 - 114).
(15) القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية (47 - 48).
(16) القرآن الكريم، سورة البروج، الآية (4 - 10).
(17) القرآن الكريم، سورة الروم، الآية (1 - 4).
(18) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية (111 - 113).
(19) أندراوس بشته - عادل تيودور خوري، الإسلام يسائل المسيحية في شؤون اللاهوت والفلسفة، ص 378، المكتبة البولسية، جونيه - لبنان 2000م.
(20) المصدر السابق، ص 522.
(21) أليكسي جورافسكي، الإسلام والمسيحية، ترجمة الدكتور خلف محمد الجراد، ص 225، عالم المعرفة عدد 215، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت 1996م.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0