ثمة اتفاق في العراق على ان العمل خارج اطار الوظائف الحكومية يعني الدخول بمخاطرة كبيرة، لذلك يتزاحم الجميع للظفر بوظيفة حكومية تُؤمن العيش الكريم في البلد الريعي المعتمد على من 90% من اقتصاده على بيع النفط.

فاذا كنت تطمح ان تكون مليونيراً فالامر يشبه الرحلة المستحيلة اذا دخلت القطاع الخاص، هذا اذا لم تعصف بك دوامة الفقر والتشرد بعد الطرد ان كنت عاملاً في وظيفة خاصة. القوانين الاقتصادية في البلد لا تزال تعبر عن نظام هجين بين الاشتراكية والقوانين الخاصة بحزب البعث، واخرى تعبر عن نوع من العبث، المهم ان تشتغل سفينة القطاع الحكومي وليذهب الجميع للجحيم.

اكثر من مسؤول حكومي تساءل عن السر الذي يدعو الناس للتدافع نحو ابواب الوظائف الحكومية، فالدولة غير قادرة على استيعاب الجميع تحت عباءتها، ولا يمكن للبلد ان يكون عبارة عن دائرة للتوظيف، يرافق ذلك تضخم جنوني في عدد الموظفين وانتشار البطالة المقنعة. لكن المسؤول الحكومي هذا لم يلحظ الاسباب العميقة للمشكلة، خذ على سبيل المثال هذه المقارنة البسيطة:

١. في الوظيفة الحكومية انت تضمن بقاءك في مكانك حتى لو لم تقدم اي خدمة طوال سنوات، تستلم راتبك بانتهاء الشهر ولا يهم العمل، بينما قد تَكِدُّ وتعمل باقصى قدر ممكن في القطاع الخاص، لتستلم في احد الصباحات انهاء توظيفة بتوقيع روتيني من المدير.

٢. يحق للموظف الحكومي الذي لا يقدم اي عمل التمتع بالاجازات الكثيرة طوال السنة، بينما يبقى الموظف في القطاع الخاص يعمل حتى مع اعطاء الحكومة عطلة رسمية في اوقات الطوارئ مثل الظروف الجوية وغيرها.

٣. يتمتع الموظف الحكومي بضمان اجتماعي تقاعدي بعد انتهاء مدة خدمته، بينما لا يحصل الموظف في القطاع الخاص على شيء.

٤. يتمتع الموظف الحكومي بنظام القروض التي توفرها الدولة، وله شروط تفضيلية على الموظف في القطاع الخاص الذي قد لا يحصل على القرض الا بضمان من موظف حكومي.

متى انتهت هذه الفوارق بين الطبقتين الحكومية وطبقة موظفي القطاع الخاص سيتوقف الناس عن التزاحم حول الدوائر الحكومية، وبدل ان ينشدوا التوظيف الرسمي سوف يطالبون بافتتاح شركات جديدة وتوسيع نطاق العاملة منها وهو ما يسهم في توسع الاقتصاد الوطني وتحسن حالة المواطن، فأي دولة في العالم لا يمكنها استيعاب جميع المواطنين، والقطاع الخاص هو المفتاح الوحيد لتوسيع قاعدة الفرص، فقبل ان يدعو المسؤول الحكومي الشباب للعمل بالقطاع الخاص عليه ان يوفر لهم الحصانة المالية والاجتماعية.

لكن ليس كل القطاعات الحكومية محمية بهذه الطريقة لدرجة ان الجميع يريدون الالتحاق بها، فبعضها يكون القطاع الخاص المناظر له افضل بكثير من الحكومي، خذ على سبيل المثال القطاعين الامني والعسكري، فالشخص الذي ينتمي لحزب لديه تشكيل مسلح يكون بموضع اقوى بكثير من الشخص الذي يعمل في موقع عسكري حكومي مناظر، يتمتع الشخص في التشكيل المسلح بحماية ذاتية من حزبه، وحماية اكبر من الدولة التي تحابيه وتعطيه الافضلية في الكثير المواقف وتدافع عنه وهو جالس في بيته.

الشخص العامل في القطاع الخاص العسكري لا يمكن ان يتعرض لانتكاسة كانهاء خدماته او اقالته، بل يصبح عملة نادرة تتزاحم عليه الفرص من كل مكان، وهو في صعود دائم، اذ يمكن للشخص العامل في العسكرية الحكومية ان تحل وزارته بشكل كامل ويعيش مشرداً كما حدث مع الجيش والشرطة بعد 2003، لكن التشكيل المسلح الحزبي (الخاص) يبقى ويتعزز نفوذه سنة بعد أخرى.

كل الدول التي بدأت سلم الصعود والتحول نحو الازدهار كانت تعمل على قاعدتين أساسيتين، الأول مأسسة القوة العسكرية والأمنية بما يضمن عدم ظهور قوى ثانوية، بحيث توفر مظلة حماية للجميع، والقاعدة الثانية توفير تسهيلات واسعة للقطاع الخاص ليقوم بدوره في البناء والتطوير الدائم للقطاعات المختلفة، هل تعمل الدولة العراقية بهذه الطريقة؟ ما يجري هو العكس، يتم اضعاف القطاع العسكري الرسمي بشكل مخيف، وتدمير واهمال يطال القطاع الخاص بالطريقة نفسها، وما بينهما رعاية ومحاباة للقطاع المسلح الحزبي لدرجة انه اخذ أدواراً ابعد من العسكر ليصل الى الاقتصاد واشياء اخرى لا تقع في اختصاص العسكر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1