تتقدم المجتمعات اذا امتلكت من بين امور اخرى لخاصية تراكم الخبرة، وهي خاصية تقضي بان يتمم اللاحق من الاجيال المجتمعية ما بدأ به السابق منها، المجتمع العراقي لا يملك هذه الخاصية. لذا نجد ان كل طبقة سياسية جديدة تبدأ من جديد في مشاريعها دون ان تاخذ بنظر الاعتبار الا في حالات قليلة ما تم انجازه من قبل الطبقة السياسية التي سبقتها.

ومن الامثلة البشعة لفقدان هذه الخاصية ما جرى مثلا لمشروع المطابع الضخمة والعملاقة لشبكة الاعلام العراقي. فقد تولى رئاسة الشبكة ثلاثة رؤساء بعدي ركزوا في عملهم، وخاصة الثالث منهم، على اجهاض المشاريع التي بدات بها، وافشالها، والغائها، ومن هذه المشاريع مشروع المطابع ومشروع كلية الهندسة الاعلامية او تكنولوجيا الاعلام.

فقد تم اهمال المشروع الثاني بكل بساطة رغم الخطوات الكثيرة التي اتخذت وانجزت في طريقه، فيما تم شن حرب منهجية منظمة على المشروع الثاني ادت الى ايقافه وايقاف العمل به، لولا ان تداركه الرئيس الرابع بعدي، وهو الاستاذ فضل فرج الله الذي اعاد الحياة الى مطابع الشبكة.

نفس الامر يقال على الجانب التربوي. فقد تم وضع "الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم في العراق" للسنوات ٢٠١١ الى ٢٠٢٠. اي في عهد حكومة نوري المالكي الثانية. وقد اشرفت لجنة كبيرة على اعداد الاستراتيجية ترأسها نائب رئيس الوزراء السابق صالح المطلق وشارك في عضويتها وزراء التعليم العالي، والتربية، والمالية، والتخطيط، واعضاء من مجلس النواب، واقليم كردستان، اضافة الى اكثر من ٣٠ شخصا من الخبراء والاستشاريين. وانطلقت الاستراتيجية من رؤية تنص على "نظام تربوي وتعليمي يوفر فرص التعلم والتعليم للجميع بما يحقق متطلبات المجتمع ويسهم في بناء الانسان وبرسخ مبادىء المواطنة الصالحة والديمقراطية وحقوق الانسان." وهذه سطور جيدة بحد ذاتها لكنها قاصرة، حيث لا توفر رؤية شاملة ومتكاملة لموقع العملية التربوية في بناء المجتمع واقامة الدولة، كما سوف اوضح بعد قليل.

وقد تزامن وضع هذه الخطة مع تسلمي رئاسة شبكة الاعلام، لكن لم يحصل اي تنسيق بين الجهة المستفيدة من الخطة، وهي وزارتا التربية والتعليم العالي، للتنسيق الاعلامي حول الخطة. وقد اتخذت فعلا بعض الخطوات التنفيذية، لكن تبدل الحكومة، وتولي حيدر العبادي رئاسة الحكومة الجديدة ادى الى وضع الخطة على الرف.

ومع ذلك فان مشروعي لتشكيل المجلس الدائم للتربية والتعليم لا يتجاهل هذه الخطة، وسوف يعمل على الاستفادة منها، على قاعدة تقسيم العمل بين المجلس الدائم وبين الوزارات المعنية وخاصة وزارة التربية، وبعد الاخذ بالملاحظات التالية:

اولا، زمن الاستراتيجية الوطنية اعتباطي، من عام ٢٠١١ الى عام ٢٠٢٠. لماذا؟ الخطة لا توضح ذلك.

خطتي تحدد ١٢ سنة لدورتها الكاملة وهذه الفترة هي المدة الزمنية التي يقضيها الطالب في المدرسة.

ثانيا، الاستراتيجية تركز على الhardware ولا تعطي ال software الا القليل من الاهتمام، بينما يركز مشروعي على المحتوى ومنظومة القيم التي نحتاجها لبناء مجتمع حضاري ودولة حضارية حديثة.

ثالثا، الخطة مرتبطة بعمر الحكومة التي وضعتها، وهي حكومة نوري المالكي، فلما تشكلت حكومة جديدة برئاسة حيدر العبادي عام ٢٠١٤ اهملت الخطة لان العبادي كان مصابا بفوبيا المالكي واستبعد كل ما يعود اليه بصلة سواء على مستوى الاشخاص ام على مستوى الافكار. اما مشروعي فيعمل بمعزل عن عمر الحكومة وليس مرتبطا بها.

رابعا، وضع الخطة رجال السلطة، او بتعبير ادق احزاب السلطة. ونحن نعلم ان هذه الطبقة من الناس ليست مؤهلة للقيام بعمل جذري على مستوى التعليم. في حين يضع مشروعي رجال خبرة واهل اختصاص.

خامسا، ونتيجة لما سبق جاءت الاستراتيجية الوطنية بمعزل عن اي هدف اوسع، وتحديدا بعيدة ومعزولة عن هدف بناء الدولة الحضارية الحديثة. وتشكل هذه نقطة الضعف الاساسية في الاستراتيجية الوطنية، ولا يعاني مشروعي من نقطة الضعف هذه.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2