بداية القرن الماضي، كانت البرتغال، قد انهت تقريبا، رحلة استعمارية طويلة، جعلت منها امبراطورية كبيرة، لها مستعمرات واساطيل، استمرت تجوب بحار العالم منذ القرن الرابع عشر الميلادي وامتدت لقرنين واكثر، قبل ان تأفل تدريجيا وتجد نفسها شبه فقيرة على الطرف الجنوبي الغربي من القارة الاوربية او الجزء المتبقي من دولة الاندلس الآفلة، تاركة اسبانيا تستأثر بالقسم الشرقي الاكبر.

مطلع القرن العشرين، وتحديدا في العام 1908 اغتيل الملك كارلوس الاول وولي عهده، ابنه لويس فيلبي في لشبونة، وكانت هذه بداية لتحول كبير سيحصل في هذه البلاد، التي لم تكن بعيدة عن المد اليساري والليبرالي الذي عصف بالقارة الاوربية، وقتذاك. اذ اندلعت ثورة شاملة في العام 1910 خلعت الملك خوان الثاني الذي خلف سلفه.

اذن اصبحت البرتغال جمهورية، وبات لها برلمان منتخب، لكن اغلبه من القوى اليسارية الراديكالية، الناقمة على العهد الملكي والكنيسة، فأقدمت على خطوات علمانية متطرفة، اذ لم تكتف بتفكيك شبكة النفوذ الكنسي، ومصادرة ممتلكاتها، وانما حظرت تدريس الدين في المدارس، وصارت تضطهد المتدينين الكاثوليك بشدة، وترافق هذا مع اضطراب في الحياة الادارية والسياسية بفعل التحول الشامل والمفاجئ، اذكتها المشاركة في الحرب العالمية الاولى، فاصبحت طبقات عديدة من الشعب معادية لنظام الحكم، ما اتاح الفرصة للجيش بالتدخل وعاشت البلاد فترة اضطرابات وانقلابات واغتيالات استمرت لغاية العام 1926 حيث قاد الجنرال انطونيو كارمونا، انقلابا عسكريا، واقام حكما استبداديا.

ومع اشتداد الازمة الاقتصادية استدعى اكاديميا مرموقا هو انطونيو سالازار ليجعله وزيرا للاقتصاد، وبصلاحيات مطلقة، فنجح هذا في المهمة وحصل على شعبية كبيرة، لاسيما بعد ان وضعت وزارة المستعمرات ضمن صلاحياته .. في العام 1932 اصبح سالازار رئيسا للوزراء واطلق شعار(الدولة الجديدة)، الاّ ان الرجل لم يسمح بوجود احزاب ولا اتحادات عمالية ولا صحافة حرة، فقط ابقى على مظلة شكلية هي (الاتحاد الوطني)، وكانت ذريعته، ان المرحلة المريرة التي عاشتها البرتغال قبل انقلاب العام 1926 كانت بمثابة درس لتجنيب البلاد منزلق الصراعات العقائدية من جديد .. نزاهة سالازار وتسامحه مع الكنيسة واعادة الاعتبار للمتدينين، جعلته في موقع القوي، لانه بذلك مارس تكتيكا سياسيا مطلوبا، اذ حيّد الكثير من الخصوم ليتفرغ للبناء، ولعل وقوفه الى جانب الجنرال الاسباني فرانكو في الحرب الاهلية التي انتصر فيها الاخير، اسهم في تثبيت حكمه، ليستمر حتى العام 1968 ، وكانت تلك الاعوام على الرغم من كل شيء اعوام تنمية وبناء، انتقلت بالشعب البرتغالي الى مرحلة متقدمة من المدنية والتحضر.

مع هذا لم تصبح الحياة هناك مثالية، وظلت تتوالد الكثير من المشاكل، وابرزها الاقتصادية، نتيجة تداعيات الصراع الدولي في حقبة الحرب الباردة، واستقلال بقية المستعمرات عن البرتغال، لكن شيئا مهما توقفت عنده من خلال قراءتي المتواضعة لتاريخ هذا البلد، هو ان (ثورة القرنفل) التي حصلت في العام 1974 وهذا اسمها الذي دخلت به التاريخ، يحيلنا الى مسالة مهمة جدا، هي ان تلك الثورة التي بدات بحركة من الضباط اطلقوا عليها ( حركة القوات المسلحة) وسيطروا يوم 25 نيسان من ذلك العام على مرافق الدولة بسهولة، بعد ان اعلنوا عن نيتهم اعادة الحياة الديمقراطية وانهاء حكم المستعمرات التي احرجت البرتغال امام العالم، لاسيما حين قمعت بقسوة في بعض البلدان الافريقية.

نقول ان تلك (الثورة) التي وزع فيها الشعب القرنفل على الجنود ليوضع في فوهات البنادق، ويسقط النظام بهذه الطريقة باذخة الجمال، ما كان ليحصل لو لم يكن الشعب قطع شوطا كبيرا في بناء نفسه من الداخل، أي ان التعليم والتنمية التي رافقت الحقبة الدكتاتورية، اكد ان تلك الحقبة لم تكن فقط لخدمة الحكام ومصالحهم الشخصية، وان حكموا بشرعية ناقصة، لانهم ببرنامجهم الانمائي الكبير، وضعوا اسسا صحيحة لبناء الانسان، حتى وصل الى هذا النضج، بحيث لم تكن هناك فوضى ولاقتل في الشوارع ولانهب وسلب، بل رغبة حقيقية في تغيير الواقع، مصحوبة بوعي التغيير نفسه .. وبعيدا عن كون الانقلاب (الثورة) حصل بدعم الدول الغربية لقطع الطريق على الشيوعيين اوغيرهم، كما يرى البعض، فان الذي حصل كان حضاريا بامتياز.. وهذا مادعنا الى التوقف عنده، ومقارنته بما حصل في البلدان العربية التي استقلت، او هكذا قيل لنا منذ اكثر من نصف قرن، لكن ماشاهدناه من اعمال عنف وخراب ووعي متدن، ظهر جليا في السنين الاخيرة، يدعونا الى اعادة النظر في فكرة الدكتاتورية والديمقراطية على حد سواء!

ما يؤسف له، ان الكثيرين من العلمانيين العرب، يسعون لتأكيد علمانيتهم بمحاربة الدين وتسفيه المتدينين، وكإن هذه هي مهمتهم، يقابله تكفير الكثيرين من المتدينين للعلمانيين، وكإنهم مكلفون من السماء بذلك! وهكذا صنعنا جبهات من وهم، تخندق فيها الانفعاليون من الطرفين، واستمرؤا هذه الحرب التي انتجت لنا هذه التشوهات وضياع الوقت والمال .. وقبل هذا كله .. ضياع الانسان والدول.

حياة الشعوب وتجاربها، يجب ان تكون دروسا، ولعلنا في فوضانا وعنفنا المتمادي، اصبحنا درسا معكوسا، تقراه الشعوب الاخرى، لتتحصن اكثر، بالمدنية والتسامح والنظم الرشيدة.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2