لا أحد من السياسيين، كان يتوقع انفجار الحراك الجزائري الذي أبهر العالم بسلميته، التي حيرت كل المتتبعين للحراك في تنظيمه ونوعية مطالبه، وفي كيفية وقوف الجزائريين في لحظة مفصلية من تاريخ الجزائر التي كادت أن تؤدي بالجزائر إلى الكارثة، لو تمكنت العصابة من ترشيح عبد العزيز بوتفليقة المريض لعهدة خامسة! بعد أن جثمت "البوتفليقية" دهرا على رقاب الجزائريين، دون أن تتحقق الرفاهية المطلوبة.

وكانت أخر ابتكاراتها عبثا هو عبادة "الكادر" - الكادر هو الإطار الذي توضع فيه الصورة - حتى وصفت هذه الممارسة الوثنية بتكريس "الجاهلية السياسية" في مجتمع يعيش القرن الـ 21 تحت تطبيل الإعلام العمومي! هذا الحال انتهى بالجزائر أن "تحكمها وتسيرها قوى غير دستورية"، بل "عصابة" كما وصفها قائد الجيش مما يستلزم محاكمتها.

من حق الحراك أن يرفع الشعارات والمطالب بما أنه هو "السيد وصاحب الفخامة"، ومن حقه أيضا أن يرفع في كل مرة مطالب وشعارات جديدة مثل ما هو الحال بالنسبة لشعار "سلمية.. سلمية" الذي لم يحد عنه، باعتباره اسلوبا نضاليا مسالما لجأ إليه الشعب الجزائري، لأن النظام لم يستجب لطموحه ولمطالبه الدستورية، رغم عدم وجود تكافؤ في القوة.

لقد ظلت حناجر الجماهير التواقة للحرية والعدالة تردد شعار "سلمية.. سلمية" في كل تجمعاتها الانتفاضية، وبالأخص أيام الجمعة وعبر كل مدن الوطن، حتى صار شعارا مميزا يزلزل مسامع "البوتفليقية الفاسدة" التي اعتمدت العنف والتخويف والتهديد والوعيد كوسائل وممارسة في تسيير البلاد طيلة بسط يدها عليها سنة 1999.

شعار "سلمية..سلمية" أسلوب راق ووسيلة ناعمة ومتحضّرة يضغط بها الحراك على هذا النظام المتعجرف لتحقيق مطالبه ألا وهي يتنحاوا قاع... ويتحاسبوا قاع... وإرجاع السلطة للشعب..

لقد بقي هذا الشعار" أيقونة "كل التجمعات الشعبية ورمزها، لأنه فرض "رسالة سلام "على نظام لا يعرف إلا لغة العنف، اقتداء وعملا بأحد مبادئ الفيلسوف الإيطالي "نيكولو مكيافيلي" الذي نصح الملك آنذاك بأن يجسد معادلة "من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك"، إن لم يكن بمقدورك تحقيق كليهما"!؟

لقد حفظ الحراك الدرس من أول يوم له بتاريخ 22 فبراير 2019، بأن تكون مطالبه سلمية أمام نظام فرعوني. حيث سجل هذا الشعار حضورا قويا بين الجزائريين حتى في سلوكهم اليومي لأنه يقصد به "رحيل جميع رموز النظام" كبارا وصغارا دون إراقة أي قطرة دم..

شعار سلمية.. سلمية انعكس على حياة الجزائريين في حياتهم اليومية، حيث قلت الحوادث بكل أنواعها، وحتى أن الهجرة السرية نحو أوروبا توقفت بشكل ملموس جدا وبشهادة قوات الأمن.

هذا الشعار صار مادة دسمة و"تراند" في مواقع التواصل الاجتماعي ووسما للهاشتاغ #سلمية سلمية، عبر صور وتعليقات ورسومات كاريكاتورية.

إن رفع الشعب شعار "سلمية الحراك"، في اعتقادي قد كبل العصابة الحاكمة ووضعها أمام مرمى كاميرات العالم والرأي العام الدولي. وسيبقى هذا الشعار مدويا إلى حين تلبية كل المطالب المتعلقة بضرورة انتقال السلطة السلس إلى الشعب وأخذ زمام أموره السياسية بنفسه، كما عبر عنها الحراك منذ البداية، وتمكينه من تعيين من يمثله في مؤسسات الدولة….

تستمد سلمية الحراك الشعبي الجزائري من العمق الإيماني الذي استنبطه من دينه الحنيف، وعايشه إبان الثورة التحريرية حينما كان يتقاسم رغيفا مع جاره، ومن مشاعر المحبة العميقة، التي كادت أن تندثر في العشريتين الأخيرتين بسبب سياسة "فرق تسد" التي كان يمارسها الاستبداد أينما حل وارتحل. إنها شذرات من وعي الشعب الجزائري أن لا يجنح للعنف، ولا يعني ذلك الاستسلام أو الرضوخ، خاصة وأن السلطة الحالية لا تبالي بمطالب الحراك وهي تسليم السلطة لشخصيات مدنية مشهود لها...

* أستاذ جامعي الجزائر

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0