التوجهات الجديدة لحروب المستقبل لا تركز على تحقيق النصر العسكري ولا السياسي فقط، انما تاخذ التكاليف الاقتصادية لما بعد النصر كاحد اهم عوامل شن الحروب، او التوقف عنها في حال كانت الخسائر الاقتصادية أكثر من السقف المحدد، وبما يتجاوز حدود استفادة شركات السلاح.

فالدولة اليوم قوية باقتصادها وهو قطب الرحى في جبروتها، الولايات المتحدة الامريكية انموذج الدولة القوة لديها اكبر اقتصاد في العالم، وانعكس هذا على اكبر ميزانية عسكرية تعادل ميزانيات الدفاع العالمية مجتمعة، فالتقنيات الحربية تحتاج الى أموال طائلة، وصناعة مقاتلة حديثة من التصميم وحتى استخدامها في ميدان القتال قد تستغرق أعواما وتستنزف ميزانيات دول لا تملك ما يكفيها من المال لعام واحد.

الدولة القوية باقتصادها تستطيع ان تصنع احدث الاسلحة وتشتري اصوات مجلس الامن، وتشتري منظمات حقوق الانسان وتشتري التقنيات الحديثة، فضلا عن شراء نشرات الاخبار في وسائل الاعلام الكبرى، وخسارة جانب كبير من الاقتصاد يفقدها كل هذه الميزات، ففي الحرب العالمية الثانية خرجت بريطانيا منتصرة عكسريا على المانيا، لكنها تزحزحت من عرش القوة الكبرى في العالم لان اقتصادها كان مستنزفا لدرجة يصعب معها استمرار سيطرتها على مستعمراتها البعيدة، وابتعدت فعليا عن قيادة القرارات الدولية، وهنا صعدت الولايات المتحدة الامريكية كقوة لديها اقتصاد عظيم يستوعب كل المتغيرات الجديدة، واصبحت مركزا لصناعة القرار العالمي.

واشنطن فهمت من تجربة بريطانيا ان الدولة العظمى يمكنها ان تُبيد عدوها الى غير رجعة، لكن ذلك سيخرجها من الحرب منهكة غير قادرة على الحركة الا في نطاق محدود، وحينما برز خطر الاتحاد السوفيتي تجنبت الحرب معه بكل السبل، لكنها ركزت على عنصر مهم من اجل تدميره وهو الاقتصاد، ساعدها في ذلك سوء التخطيط من قبل الإدارة السوفيتية، وعدم فهمها للمتغيرات حروب المستقبل، فالعملاق الشيوعي رغم صعوده للقمر، واحتلاله الفضاء سابقا بذلك عدوه الغربي الا انه في النهاية انهار بشكل مرعب، والسبب هنا الاستنزاف الاقتصادي.

على مستوى دول اقل من الاتحاد السوفيتي كانت واشنطن تقوم بشن حرب اقتصادية استنزافية، وبعد سنوات قد لا تزيد عن عقد واحد، تقوم بشن حرب برية لسحق الدولة المعادية لها، حدث هذا مع العراق، وليبيا بشكل اقل، لكن هل فعلا تحقق لامريكا ما تريده في العراق، ام انه تحول الى ثقب اسود لابتلاع الاقتصاد الأمريكي؟

يكفي تتبع تصريحات الرئيس دونالد ترامب لمعرفة حجم المخاوف المسيطرة على صانع القرار الأمريكي من تبعات ما بعد حرب العراق، فرغم مرور اكثر من عقد ونصف لا تزال واشنطن تتحمل تكاليف تجاوزت ثلاثة ترليونات دولار، في وقت هي احوج لهذه الأموال من اجل مواجهة العملاق الصيني الصاعد بقوة.

ترامب الذي يُعرف عنه بانه صاحب تفكير اقتصادي، يخشى من أي حرب مقبلة، ليس لانه يخاف الهزيمة بقدر ما يرتعب مما بعدها، هو يريد تحويل التهديد بشن الحرب الى فرصة لتعزيز اقتصاد الولايات المتحدة عبر زيادة صادرات السلاح، وتشجيع الدول المجاولة لتلك الدولة على شراء الأسلحة، وحدث هذا مع جيران كوريا الشمالية، ويحدث منذ سنوات مع دول الخليج المجاورة لإيران، وفي الحالة الخليجية أصبحت واشنطن المتحكم بالسياسات الدفاعية في المنطقة، وتملك قواعد عسكرية ومنشآت كبرى مكشوفة للعدو، ما وضع الولايات المتحدة امام تحدٍ جديد لا سيما وانها تمارس حربا اقتصادية مميتة، وفي التقاليد العسكرية لا يجوز اشعار العدو انها يتعرض لهجمة مميتة لانه سيدافع بطريقة انتحارية.

الدول الصغيرة فهمت اللعبة وعرفت نقطة ضعف الولايات المتحدة الامريكية، فالمنشآت الاقتصادية لم تعد تلك المصانع الكبيرة فقط، قد تكفي بضع قذائف لرفع أسعار الطاقة العالمية، وتتسبب بارتفاع تكاليف الإنتاج في مصانع الدول الكبرى، ما يعني حدوث ركود اقتصادي لا تريده اطلاقا، الشرق الأوسط احد اهم المناطق التي تشرح كيف جعل الاقتصاد شن أي حرب عملية معقدة ولا تخضع للتوازنات العسكرية وحدها.

من غير المنطقي لواشنطن شن حرب جديدة، لانها تخشى ضياع أموالها في مناطق شديدة التوتر، سواء تعلق ذلك بكوريا الشمالية وقنبلتيها النووية والهيدروجينية، او ايران بصواريخها الباليسيتية كثيرة العدد ضعيفة التوجيه، والإدارة الامريكية تعلم ان هذه الدول لا تقارن بها مهما وصلت قوتها العسكرية، لكن التكاليف المستقبلية ترعبها.

تخشى الولايات المتحدة اليوم تكرار سيناريو الانتصار البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، والذي تحول في النهاية الى هزيمة على مستوى قيادة العالم، واذا تذكرنا النهضة الاقتصادية للعملاق الصيني، يمكن للولايات المتحدة العزوف عن شن أي حرب حتى وان كانت نتائجها العسكرية مضمونة، فحروب اليوم، تحصد نتائجها في أسواق المال، واسهم الشركات، لا ساحات القتال.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1