طبقا لزينون "اذا كان كل شيء في الوجود له مكان، فان هذا المكان هو ايضا له مكان، وهذا الاخير ايضا يحتاج الى مكان وهكذا تستمر السلسلة الى مالانهاية."(الفيزياء، أرسطو قسم 208).

قبل التطرق الى مفارقات زينون الفلسفية نحتاج الى نبذة تاريخية عن المدرسة الايلية.

تأسست مدرسة ايليا الفلسفية على يد كزينوفانيس Xenophanes (ولد عام 570 قبل الميلاد) والذي اكّد على وحدة الله والكون وعدم التغيير فيهما "الكل هو واحد والواحد هو الله". تأسست مستوطنة ايليا على يد مجموعة من الايونيين الاغريق الذين حوصروا عام 545 قبل الميلاد في مينائهم البحري بمدينة فوكايا بعد غزو الجيش الفارسي، لكنهم في النهاية اُجبروا على الخروج عبر البحر. بعدها أبحروا الى جزيرة كورسيكا واستوطنوا فيها بعد معركة بحرية ضارية مع الاسطول البحري لقرطاج. وبعد عشر سنوات اي في عام 535 قبل الميلاد، استرد القرطاجيون الجزيرة فأحالوا الفوكانيين الى لاجئين في البحر مرة اخرى. هذه المرة حطوا الرحال في الساحل الجنوبي الغربي لإيطاليا وأسسوا مستوطنة ايليا بعد انتصارهم على المواطنين الاصليين.

كل هذا حدث اثناء حياة كزينوفانيس الذي هو ذاته كان منفيا من مدينته الاصلية كولوفون في ايونيا عندما اُضطر الى الفرار منها عام 545 ق.م. هو عاش في سيسلي ومن ثم في كاتانا قبل ان يلتحق اخيرا في مستوطنة ايليا.

من المفيد التأمل بالكيفية التي اثّرت بها هذه الأحداث سايكولوجيا على عقيدة المدرسة الايلية في الواحدية الدائمة غير المتغيرة. أعظم الفلاسفة الايليين كان بارمنديس (539 قبل الميلاد) الذي طور فكرة الواحدية اللامتغيرة ووسّعها الى كل الوجود. هو جادل بان التعددية والحركة والتغيير هي مجرد مظاهر. ايضا عُرف عنه استخدامه الاصلي للجدال المنطقي في الفلسفة. عاداته كانت ان يرفق كل بيان عقيدي بنوع من الحجة المنطقية تبيّن سبب ذلك. هذا كان يشكل ابداعا فكريا ولهذا اُعتبر ابو الميتافيزيقا وكمساهم اساسي في تطور الفكر العلمي.

عقيدة بارمنديس في الوحدة المطلقة واستمرارية الواقع هي حقا راديكالية، حتى وفق المستويات الحديثة. هو أكّد بان الكون في الاصل واحد ولا يتغير. غير ان عقلانيته اجبرته للاعتراف بان المظاهر هي عكس ذلك، حيث انه انكر بوضوح وجود التعددية والتغيير، هو اعترف بمظهرية هذه الاشياء. اصر بان هذه هي مجرد تصورات وافكار، يجب ان لاتلتبس مع "ما هو كائن". ولا غرابة في ان بارمنديس نال السخرية على معتقداته.

احد طلاب بارمنديس كان زينون الذي اشتهر بسلسلة من الحجج في الدفاع عن الفلسفة الايلية باستخدامه وسائل منطقية في اثبات ان الحركة والتغيير والتعدد هي مستحيلة. ينبغي الاشارة ان لا شيء من كتابات زينون بقيت حية، كل ما وصلنا جاء بشكل غير مباشر من خلال افلاطون وارسطو و سمبليكس و بروكلس والذين لم يكن اي منهم متحمسا لأفكار زينون الفلسفية.

من بين اربعين جدالا نُسبت الى زينون كانت هناك أربع مفارقات هامة تتعلق بموضوع الحركة وهي:

1- مفارقة السباق:

وتؤكد ان ليس هناك اي حركة، لأن من يتحرك يجب ان يصل الى المنتصف قبل الوصول الى النهاية، وهكذا الى ما لا نهاية. في هذه المفارقة يبيّن زينون ان الحركة ليست الاّ وهما. هو يقول لنفترض انك كنت في سباق، انت ترى نهاية خط السباق امامك، لكي تصل الى نهاية الخط لابد ان تصل اولا الى نقطة المنتصف. ولكن قبل وصولك الى نقطة المنتصف، عليك ان تصل الى منتصف نقطة المنتصف، وهذه النقطة الاخيرة لا يمكنك بلوغها قبل الوصول الى منتصف منتصف النقطة الاولى وهكذا الى مالانهاية. زينون يعتقد بوجود عدد لامتناهي من نقاط الوسط بين اي موقعين. قبل امكانية ان تصل الى موقع معين عليك ان تصل الى منتصف المسافة اولاً. ولكن اذا كانت هناك اعداد لا متناهية من نقاط الوسط، كيف يمكن لنا عبور الأعداد اللامتناهية للمواقع، وبهذا الحركة اذاً مستحيلة.

2- مفارقة اخيل Achilles paradox:

وهي تشبه المفارقة الاولى من بعض الوجوه، الأسرع في السباق لا يمكن ان يتغلب علي الأبطأ لأن المتسابق يجب اولاً ان يصل الى النقطة التي بدأ منها الآخر بالسباق، وبهذا فان الابطأ يجب ان يكون دائما متقدما بمسافة الى الامام. طبقا لزينون، اخيل (بطل اليونان في اليادة هوميروس) يتسابق ليمسك متسابق بطيء كالسلحفاة التي تزحف في خط بعيد عنه. السلحفاة مُنحت مسافة في الامام (لنقل 100 متر)، لذا اذا كان اخيل يأمل بالفوز في السباق يجب عليه الركض الى المكان الذي فيه السلحفاة حاليا، ولكن في الوقت الذي يصل فيه الى هناك تكون السلحفاة قد زحفت الى مكان آخر جديد، وبهذا يجب على اخيل الركض الى هذا المكان الجديد، لكن السلحفاة تكون زحفت الى الامام وهكذا، اخيل سوف لن يتمكن ابدا من الامساك بالسلحفاة حسب زينون، اي ان المتسابق الأسرع لا يمكنه غلبة المتسابق الأبطأ وهو ما يعني عدم حدوث اي نوع من الحركة. زينون هنا يدافع عن استاذه بارميندس القائل بان الحركة ليست الاّ وهما.

3- مفارقة السهم:

هذه المفارقة وردت في فيزياء ارسطو، V1: 9, 239b5

يرى زينون لكي تحدث الحركة يجب على الشيء ان يغيّر الموقع الذي يشغله. هو يعطي مثالا عن السهم. يذكر انه في اي لحظة محددة من الزمن، السهم لا يتحرك الى المكان الذي هو فيه، ولا الى المكان الذي هو ليس فيه. هو لا يمكنه التحرك الى المكان الذي هو ليس فيه لأنه لن يمر وقت بعد لكي ينتقل الى هناك، وهو لا يمكنه الحركة الى المكان الذي هو فيه لأنه هو موجود فيه سلفا. بكلمة اخرى، في اي لحظة من الزمن لا وجود لأي حركة هناك. اذا كان كل شيء ساكنا في اي لحظة، والزمن مؤلف كليا من لحظات، عندئذ تكون الحركة مستحيلة. اذا كانت المفارقة الاولى تقوم على تجزئة المكان فان هذه المفارقة تعتمد على تجزئة الزمان.

4- مفارقة المكان

مفارقة زينون في المكان تجعلنا نتساءل كم عدد الاشياء التي تشكل الكون. يبدأ زينون بالقول ان كل ما موجود في العالم مثل الكلب او الكرسي او غيره يشغل حيزا. اذا كانت تلك الاشياء تشغل حيزا فلابد ان تكون في مكان. هذا يعني ان المكان هو ايضا شيء يأخذ حيزا، والذي يجب ايضا ان يكون في مكانه الخاص الذي يأخذ حيزا وهكذا. ولذلك، طبقا لزينون يجب ان يكون هناك عدد لا متناهي من الاشياء والامكنة والفضاءات. هذا المفهوم لـ اللانهائية كان يصعب فهمه في اليونان القديمة.

المفارقتان الاولى والثانية جسدتا نقدا لفكرة الحركة المستمرة في مكان وزمان منقسم الى ما لانهاية. في هاتين الحجتين كان هناك تقليدا بين مدرّسي التفاضل والتكامل في المدارس الثانوية لعرض هاتين الحجتين لزينون ومن ثم العمل على حلّهما طبقا للافتراض بان السلسلة اللامتناهية يمكن ان يكون لها مجموع متناهي. هذه قد تكون وسيلة تعليمية مفيدة لطلاب الرياضيات المبتدئين لكنها تتناسى النقطة الفلسفية الهامة والأكثر اثارة في مفارقات زينون هذه.

نقد ارسطو لمفارقات زينون

آراء ارسطو حول مفارقات زينون وردت في الفيزياء، الكتاب الرابع، الفصل الثاني، وفي الكتاب السادس الفصلين الثاني والتاسع. في نقده لزينون يرى ارسطو انه لا يجب على زينون ان يفترض ان مسار المتسابق يعتمد على اجزائه، بدلا من ذلك، المسار هو موجود سلفاً، والاجزاء تأسست من جانب الملاحظ. كذلك هو يرى ان زينون يجب ان لا يفترض ان الخط يحتوي على نقاط غير قابلة للقسمة. كذلك أنكر ارسطو وجود لانهائية حقيقية actual infinity لا في عالم المادة ولا في الرياضيات، بل انه اعتقد بلانهائية ممكنة Potential infinity. فكرة اللانهائية الممكنة لأرسطو ظلت مهيمنة طوال 1500 عام وبدعم من الكنيسة التي ترى اللانهائية الحقيقية هي للّه وحده وليس للأشياء.

غير ان نقد ارسطو لزينون تعرّض للنقد ايضا لكونه غير منسجم مع المستويات الحالية للتحليل المرتكزة على نظرية zermelo fraenkel وفرضياتها في اللانهائية الحقيقية.

ومنذ ارسطو حاول كل الفلاسفة والرياضيون توضيح هذه المفارقات، هيوم كتب بان وحدات العالم المادي غير قابلة للقسمة، لكنه تردد في تفسيره لأسباب اللاقسمة هذه. الانسكلوبيديات المعاصرة حققت في تفكير هيوم، والادّعاء بان الخط لا يتألف من نقاط لا متناهية وانما من نقاط متناهية منضغطة بقوة لدرجة تكون فيها المسافة بين واحدة واخرى غير موجودة. هذا التوضيح الذي صاغه سلفا بعض اتباع افلاطون هو مضلل: الافتراض بان هناك وحدات لاتقبل القسمة في العالم المادي وان المسافة بين نقطتين ستختفي في لحظة معينة غير مقنع للعقل. زينون يدعونا لإعادة انتاج لانهائي لهذا التقدم الرياضي. المكان منقسم الى اجزاء جديدة دون توقف. اذا كان فهمنا يتطابق مع العالم الملموس، فان السلحفاة ستبقى متفوقة بلانهاية والسباق سوف لن ينتهي.

غير ان المشكلة قد تُحل لو اختزلنا اللانهائي الى مجرد انتظام في فهمنا. كانط افترض هذا واقتنع بان المكان والزمان ليسا كينونات مادية وانما مبادئ عالمية لبداهتنا. هدفه كان توجيه تأملاتنا نحو الظاهرة المتناهية والفورية، رافضا الاستنتاج الميتافيزيقي لإفلاطون. لسوء الحظ ان كانط في محاولته اعطاء تماسك لأفكاره، أخضع الواقع لفهمنا. نحن لا نعرف الشيء ذاته وانما فقط تجسيداته الظاهرية. تناقض كانط واضح، كما يشير هيجل: كانط يؤكد لنا اننا لا نستطيع مناقشة وجود الاشياء خارج حدود تفكيرنا، لكنه يذهب فوراً لإفتراض وجود مثل هذه الاشياء.

مشكلة زينون تحدث في العالم المحدود المتناهي الذي نتصوره.اللانهائية عُرّفت وتجسدت في فهمنا. بمحاولته نفي الحركة، اثبت زينون أبدية المكان والزمان.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2