ان الامم لا تتبارى بين بعضها للسيطرة على الاراضي والبحار من اجل توطيد اركان العدل في الدرجة الاولى، او ترفع مستويات المعيشة بين الناس او تقضي على الفوضى. فاذا ما حصلت هذه النعم، انما تاتي وهي اشياء ثانوية او كنتائج غير اصلية لمساعي الرجال (رجال الدول الكبرى) في توسيع مجال مواردهم الاقتصادية او لصيانة تلك التي حصلت من قبل.

من كتاب "العراق: دراسة في تطوره السياسي" للانكليزي فيليب ويلارد آيرلاند.

في عام ٢٠٠٣ وعندما غزت الولايات المتحدة العراق، برز حديث بأن واشنطن تريد الاستيلاء على نفط العراق، يقابله حديث يقلل من الاول ويعتبره تبسيطا للواقع، لتبرز فكرة المصالح الامريكية الكبرى المرتبطة بتصدير الديمقراطية والقيم الغربية للشرق بدل السيطرة على الموارد الطبيعية.

في العادة لا توجد دولة كبرى تعمل في سبيل الله او في سبيل الديمقراطية، هناك مصالح تحرك حاملات الطائرات والقطع العسكرية تمخر عباب البحار قاطعة الاف الاميال، والولايات المتحدة الامريكية لا تخرج عن القاعدة، انما هي الدولة الأكثر تمثيلا لاستغلال اقتصاديات الدول الأخرى ودائما تحت شعار نشر الديمقراطية او محاربة الإرهاب.

وبعد ١٦ عاما من الغزو الامريكي لم تعد الامور بحاجة الى تحليل او تكهنات اقتصادية او استراتيجية، فسياسة واشنطن اثبتت ومن خلال اعمالها المتواصلة طوال السنوات الماضية ان احد اهم اسباب اسقاط نظام صدام هو السيطرة على موارد الطاقة، وتحويل العراق الى منطقة نفوذ اقتصادي وسياسي، ونقطة تحرك نحو اسواق الشرق الاوسط وقارة اسيا عموما.

يعاد السؤال نفسه، هل ان الولايات المتحدة التي تملك اكبر اقتصاد عالمي وميزانيتها العسكرية لسنة واحدة فقط تعادل كل موازنات العراق لعشر سنوات، هل تحتاج لنفط العراق وموارده الطبيعية؟

الجواب ياتي من خلال سياسة الرؤساء الامريكيين من بوش واوباما والان دونالد ترامب وهذا الاخير ابرز بشكل بشع الوجه الحقيقي للانتشار الامريكي في العالم، اذ كشف النوايا بشكل غير مسبوق وباتت كل السياسات عارية ومعروفة، فالمال هو كل شيء بالنسبة لواشنطن، اذ ذهب ترامب للسعودية واجبرها على دفع اكثر من ٤٠٠ مليار دولار على شكل صفقات اغلبها ذهبت لقطاع السلاح، وفرض عقوبات على الدول الاوربية والشرقية، ديكتاتورية او ديمقراطية، لا يهم نوع النظام الحاكم، فالقيمة هنا لكمية المال الذي يدخل في الخزينة الامريكية.

الرئيس ترامب يذكر حلفاءه بضرورة دفع المال مقابل الحماية، ينسحب من المعاهدات الدولية لاسباب مالية بحتة، ويذكر العراقيين بضرورة دفع المال وتعويض سنوات التواجد الأمريكي على الأراضي العراقية، وفي هذا السياق لا يتردد في سحب بغداد الى الوقوف مع واشنطن في حروبها الاقتصادية ضد ايران حتى وان أدى ذلك الى الاضرار بمصالح العراق.

تذهب إدارة ترامب الى ابعد تحالفات الحروب الاقتصادية لتتدخل بالعقود التي يتم ابرامها من اجل اصلاح قطاع الطاقة المتهالك منذ سنوات الحصار وحتى الان، اذ كشفت الصحافة الغربية عن تدخل مباشر من الإدارة الامريكية لتفضيل شركة جنرال الكتريك على حساب سيمنز الألمانية للفوز بعقود اصلاح قطاع الكهرباء.

في بداية الالفية الجديدة احتل العراق بحجة التخلص من الاسلحة المحرمة دوليا، لكن نفس الدول التي حاربت تلك الأسلحة تبيعها للسعودية التي تستخدمها في حربها ضد اليمن، والاطفال الذين دافعت عنهم واشنطن ابان غزو الكويت يقتلون في اليمن باسلحة امريكية.

الفرق بين النظام السعودي المسموح له باستخدام السلاح المحرم، والنظام العراقي غير المسموح له، هو فرق النفط الذي يوفره للأسواق الامريكية، والمساهمة في استقرار أسعار الطاقة.

 كما ان يافطة حقوق الانسان المرفوعة بوجه الأنظمة المعادية للغرب يتم انزالها في حال الحديث عن الأنظمة الخليجية الغنية بالنفط والموالية للولايات المتحدة الامريكية، فوفق القواعد الانسانية لا فرق بين اطفال اليمن واطفال الكويت، لكن الدفاع عن اطفال الكويت يوفر خزينا نفطيا استراتيجيا للولايات المتحدة، ويجعلها تسيطر على عقدة مواصلات الطاقة في الخليج، اما اطفال اليمن فان موتهم واستمرار الحرب ضدهم يضيف مليارات جديدة لخزينة شركات السلاح، وبالتالي فان الحساب هو المال لا الانسان.

المتابع لحروب أمريكا ليس في العراق فحسب انما في جميع انحاء العالم يجدها تتمحور حول مصادر الطاق او طرق مواصلات الطاقة، بعد حرب العراق، خاض الجيش الأمريكي حروبا في ليبيا وتسبب بانهيار فنزويلا الغنية بالنفط لعدم انصياعها للاوامر الامريكية، وحتى هذه اللحظة لا تزال كراكاس تعاني من الضغوطات باسم الديمقراطية، لكن حقيقتها تاتي في سياق الحرب على مصادر الطاقة.

النفط هو المحرك للسياسة الخارجية الامريكية، ومصادر الطاقة هي كل شيء، ومن نتائج التفكير الذي يحكمه المال انه قد يخرب او قد يبني، يعتمد هذا على المصادفة، لذلك لا نستغرب من الخراب الذي أصاب العراق طوال السنوات الماضية، فهذه البيئة تساهم في سحب اكبر قدر من المال الى واشنطن او حلفائها وسط صخب الحروب الطائفية او حروب الإرهاب.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0