الافراط في تشويه صورة العدو قد يأتي بنتائج عكسية لا ترضي الطرف الذي يقوم بعملية التشويه، فالعدو الشيطان الذي يقدم عبر وسائل الاعلام والمجرد من كل صفات الانسانية يصبح في نظر الجمهور رمزا لكل شيء منكر ولا ينتظر منه الخير اطلاقا، وهذا ما تهدف اليه ماكينات الدعاية الاعلامية.

في هذا النوع من الدعاية يمكن خلق فعل تاثيري قوي، لكنه يسير على حافة حادة، فالدعاية تقوم بخلق نظام التوقعات، اي لا يتوقع من هذا العدو الشيطان اي فعل اخلاقي او يحمل من الانسانية شيء، الا ان العدو في واقع الامر لديه الكثير من الايجابيات التي يمكن ان يراها الجمهور، وبما اننا في عصر التواصل الكوني، فان فعل الشيطنة المتواصل، يقابله افعالا لا تتناسب ونوع الخطاب، والتوقعات التي غرست في عقول الجمهور تتحول الى عملية تاثير معاكس.

الشيطنة المتوحشة تزرع افكارا متطرفة لدى الجمهور، تعوده على خلق تعميمات جاهزة، او ما يسمى بعملية التنميط، التي تختزل الواقع بصورة، او فكرة بسيطة يتم ابرازها على انها تمثل الاخر كليا، وتعويد المتلقي على القوالب الجاهزة والصور النمطية يجعله اكثر عدوانية تجاه كل ما يخالف توجهاته.

وتكرار الرسائل وبنفس الطريقة تعرض الجمهور للملل، وتصيبه بالبلادة، ويشعر بالحاجة الى خطاب مختلف، خذ على سبيل المثال خطاب نظرية المؤامرة، فهو رغم وجود الكثير من الحقائق فيه، الا انه اصبح غير مقبول اجتماعيا، لتكراره باسلوب يبعث على الاشمئزاز، فحتى الحوادث الصغيرة يتم اتهام العدو بها، وهو ما حفز الناس للبحث عن منافذ جديدة لرؤية الواقع.

في رحلة البحث عن الخطاب الاخر يمكن ان يشاهد الناس افعالا ايجابية للعدو، نتيجة مواقع التواصل او وسائل الاعلام الاخرى، كون العالم اصبح متقاربا وانعدمت الحدود، على سبيل المثال الصراع العربي الاسرائيلي، فقد اخفى العرب كل صفة انسانية من الاسرائيلي، ورغم ما في هذه الرواية من مصداقية، فالدولة العبيرية هي الوحيدة في العالم التي تعتمد نظاما عنصريا عبر قانون حق تقرير المصير لليهود، لكن في النهاية اسرائيل لديها افعالا قد تبدو مستساغة ومطلوبة للعرب.

استغلت اسرائيل هذه القضايا لتثيرها للرأي العام العربي، وتبدأ بالدعاية العكسية، وقد تم توزيع الدعاية حسب كل دولة، فاذا جئنا للعراق نجد الدعاية الاسرائيلية تتحدث عن انعدام الخدمات وسوء الادارة، وتستعرض في القابل جنة عدن الموجودة في دولة اسرائيل.

واستغلت الدعاية الاسراىيلية تعويد الجمهور على الخمول وعدم التدقيق في الحقائق وهي العملية التي مارستها الدعاية طوال سنوات، فالعرب عموما والعراق خصوصا يريدون من الجمهور ان يكون متلقيا سلبيا للرسائل الاعلامية، لا يدقق، ولا يطرح الاسئلة.

واذا ذهبنا الى الخليج فان دعاية اسرائيل تركز على مخاوفهم من ايران، لذلك تتحدث عن قوتها العسكرية وامكانية قيامها بحمايتهم في حال تحالفوا معه، وتستند اسرائيل على نفس الخطاب العربي لكن عبر الفعل العكسي، اي عندما تتهمها بعض الدول بالعنصرية تقوم بابراز المشكلات العربية من بينها انتشار الديكتاتوية.

ما الذي جعل من دعاية اسرائيل مقبولة عربيا؟

يمكن اجمال الاجابة على هذا السؤال بعدة اسباب ابرزها:

اولا: الجهل المنتشر لدى فئات كبيرة من المجتمع، وهذا الجهل نشرته الدعاية العربية منذ سنوات حينما اعتمدت الخطاب الاحادي المطلق، وعودت الجمهور على الوجبات الفكرية الجاهزة.

ثانيا: القطيعة التامة بين الخطاب والواقع، وغياب القضية المركزية، فالاوضاع العربية فيها الكثير من الازمات المزمنة، وعدم حلها يمثل ثغرة كبيرة يمكن للاخر ان يدخل من خلالها، هناك سوء تخطيط، وعدم وجود استثمار للعقول المبدعة عربيا، وتفاوت كبير في الدخول بين ابناء البلد الواحد.

ثالثا: انتشار النظم الديكتاتورية الذي وفر مادة تبريرية لمن يريدون تاييد الدعاية الاسرائيلية، فهؤلاء يلقون كل ثقلهم على الديكتاتوريات وكأن وجود حاكم مستبد يبرر اغتصاب الاراضي، مثلما حدث مؤخرا باعتراف الرئيس الامريكي بسيادة اسرائيل على الجولان، اذ تم تبريرها بانها ستعيش حياة افضل مما هو موجود تحت ظل نظام الاسد.

رابعا: تشتت الخطاب الاعلامي العربي، وانتشار الصراعات الداخلية بين الدول، يدفع ببعضها الى الاستعانة بالدعاية الاسرائيلية من اجل تحقيق الانتصار على الاشقاء، فالازمة الخليجية حفزت الكثير من دولها الى الارتماء لدى الاسرائيلي.

اعتماد الدول العربية على خطاب شيطاني تجاه العدو، وتعويد الجمهور على الوجبات الفكرية الجاهزة في ظل الثورة الاتصالية يعد من الاخطاء البارزة التي جعلت الجمهور العربي ارضا خصبة يمكنها تقبل كل الطروحات بدون تدقيق او قراءة نقدية، وبالتالي يمكن ان تقبل الشعوب العربية ببناء علاقات دبلوماسية مع دولة تستنزف طاقاتها، وربما القبول بالتنازل عن اجزاء من الوطن، لان تلك الدولة تقدم وجبة دعائية ساخنة قابلة للهضم السريع.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0