دخلت الجزائر منذ أمس الأول، مرحلة جديدة على طريق الانتقال الطويل نحو الديمقراطية... المشهد لم يحسم بعد، والمآلات عند "عالم الغيب والشهادة"، لكن جزائر اليوم، ليست هي جزائر الأمس، وهيهات أن تعود كذلك... الشارع يشعر بنشوة الانتصار، والنخبة الحاكمة ما عاد بمقدورها ممارسة الحكم بالوسائل القديمة... الملف لم يغلق بعد، والمفاجآت على شتى أنواعها، ما زالت ممكنة.

الرئيس سحب ترشيحه، لكنه لم يتنح والأرجح أنه ومستشاريه يبحثون عن سبيل ومخرج للتمديد له سنة إضافية على أقل تقدير، وهو كان تعهد قبل سحب ترشيحه، بأنه سيختصر ولايته الخامسة بسنة واحدة فقط، بعد أن اتسع نطاق الاحتجاج وانتشر المتظاهرون في شتى المدن والبلدات الجزائرية في انتفاضة فريدة من نوعها، استحقت كل التقدير والاحترام لانضباطها وسلميتها وتحضّر المشاركين فيها.

لكن جملة القرار التي اتخذها الرئيس، تدفع على الاعتقاد بأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، فثمة "ندوة وطنية" منوط بها إعداد دستور جديد للبلاد، وثمة استفتاء على هذا الدستور، وثمة خريطة طرق للإصلاح السياسي ستقررها "الندوة الوطنية" الممثلة لكافة الأطياف الجزائرية، بما فيها مواقيت إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وثمة هيئة مستقلة للانتخاب، وحبل التغيرات والقرارات الكبرى ما زال ممدوداً.

بصفة عامة، استقبل الجزائريون وأصدقاؤهم بكثير من الفرح هذه التطورات الدرامية... لكنه فرح مبطّن بالحذر والتحسب... فكثير من الوجوه التي صوّبوا نحوها سهام نقدهم وغضبهم، ما زالت في مواقعها، والتمديد المرجح لولاية الرئيس، يعني من ضمن ما يعني تمديداً لهذه الشخصيات المسؤولة عن سنوات الركود والفساد وتعطيل الحياة السياسية في البلاد... وثمة مخاوف من تفريغ هذه الخطوات الإصلاحية من مضمونها، وتحويلها إلى إجراءات شكلية لا معنى لها ولا قيمة... وثمة خشية من "قادة الظل" الذين امتهنوا لعبة "الدمى المتحركة"، والحكم من خلف ستارة وأبواب مغلقة... جميع هذه المخاوف ما زالت حاضرة، بل وحاضرة بقوة، ولهذا رأينا الدعوات لحفظ زخم الشارع واستمراره في الضغط على مؤسسة الحكم والقرار، باعتباره ضمانة التحول الديمقراطي الحقيقي، سيما إن أخذنا بنظر الاعتبار، أن جميع الخطوات والقرارات الإصلاحية والتغييرية التي اتخذها الرئيس ما كانت ممكنة قبل الثاني والعشرين من شباط / فبراير الفائت.

الجزائريون، حكماً ومعارضة ورأياً عاماً، برهنوا خلال أحداث الأسابيع الثلاثة الأخيرة، أنهم تعلموا دروس العشرية السوداء وحفظوها عن ظهر قلب... اختار الحكم والجيش والأجهزة الأمنية ضبط النفس ما أمكن، واختار الناس "السلمية" وأصروا عليها... والأهم من هذا وذاك، فقد كان الشارع الجزائري شديد الذكاء في التمييز بين معارضته المشروعة والمُسَبَبَةِ للحكم من جهة، وحرصه على الدولة ومؤسساتها وجيشها من جهة ثانية، معارضة النظام لا تعني بحال تدمير الدولة، وهذا أحد أهم دروس الفشل من تجربة "الربيع العربي".

والجزائريون أظهروا اعتزازاً وشموخاً وطنيين مثيرين للتقدير والاحترام، وإن كانا غير مفاجئين ولا غريبين عن بلد المليون شهيد... فما أن أطلت رؤوس الفتنة الخارجية البشعة على المشهد الجزائري الداخلي، حتى انبروا منددين بمحاولات التدخل الأمريكية والفرنسية في شؤونهم الداخلية، كما رأينا كيف أنهم تسابقوا إلى التنديد بمحاولات بعض الدول العربية إبداء انحيازاتها ودعمها لهذا الفريق ضد ذاك، بعضها للجيش والمؤسسة العسكرية، وبعضها الآخر للتيارات الإسلامية على وجه الخصوص، وكيف انعكس ذلك على "التغطيات الإعلامية" لوسائل إعلام هذه الدول والناطقين باسمها، والتي غالباً ما تأخذ شكلاً تحريضياً، لكأن المطلوب إلحاق الجزائر بالمصائر الليبية واليمنية والسورية.

تطورات هامة تلك التي شهدتها الجزائر في الأيام القليلة الفائتة، تُعبّد طريق الانتقال للديمقراطية وإن كانت لا تضمن السير عليه حتى نهاياته المظفرة خواتيمه السعيدة... والأمر من قبل ومن بعد، رهن بدرجة الوعي والمسؤولية عند مختلف الأطراف في الحكم والجيش والمعارضة والشارع.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1