في اواخر الثمانينات قرأت الترجمة العربية لكتاب "انتاج المجتمع" الصادر عام ١٩٧٦ لعالم الاجتماع الفرنسي الكبير آلان تورين، ومنه تعرفت على مصطلح "المراكمة"، باللغة العربية.

ولابد ان المترجم اشتق كلمة "مراكمة" من الفعل "ركم" الذي يعني:"ركَمَ الشيء: كوّمه والقى بعضه على بعض." وهذا معنى يفيد التراكم.

والمراكمة، حسب الان تورين، هي من شروط تقدم المجتمعات. وحين يفقد المجتمع خاصية المراكمة فانه يتوقف عن التقدم، اي يتخلف، وهذه احدى اخطر نواحي الخلل في المركب الحضاري للمجتمع.

وقال محمد باقر الصدر في محاضراته حول التفسير الموضوع للقران الكريم في اواخر السبعينات ان الانسان يزداد علما من خلال تراكم معلوماته الناتجه من تجاربه مع الطبيعة. فالخبرة العملية، اي الترجمة، تلد علما، والعلم الجديد يزيد من كفاءة التجربة مع الطبيعة. وهكذا.

وفي عام ٢٠١٢ اصدر كل من دارون اسيموغلو وجيمس روبنسون كتابهما القيم Why Nations Fail (اي لماذا تفشل الامم)، ليقولا في الفصل ١٣ من الكتاب ان ذلك يعود الى "المؤسسات ثم المؤسسات ثم المؤسسات".

ومن الربط بين فكرة المراكمة المجتمعية وفكرة المؤسسات يمكن القول ان مراكمة الخبرة المجتمعية داخل المؤسسات هي من شروط التقدم.

وقد اكتشفت بعد هذه المطالعات انني كنت اطبق هذا المبدأ في ادارتي للمؤسسات الاعلامية التي توليت ادارتها.

ففي عام ١٩٨١ كُلفت باعادة اصدار مجلة "الجهاد" التي كان يصدرها حزب الدعوة الاسلامية برئاسة تحرير الشهيد ابو ياسين، وتوقفت بعد صدور العدد ١٦ بسبب الانشقاق الذي حصل انذاك في الحزب. ذهبت الى طهران حيث كنت في الكويت مديرا لتحرير مجلة "صوت الخليج" الكويتية التي تملكها عائلة خريبط، برئاسة تحرير المرحوم صلاح خريبط.

في طهران قررت ان احول "مجلة الجهاد" الى "جريدة الجهاد". لكن العدد الاول من الجريدة حمل الرقم ١٧. وحين سالني الدعاة عن السبب في عدم استخدام العدد ١ في تسلسل الجريدة الجديدة قلت لهم ان جريدة الجهاد امتداد لمجلة الجهاد.

وحين استلمت رئاسة تحرير جريدة "الصباح" خلفا للصديق اسماعيل زاير وضعت صورته في غرفة رئيس التحرير، اضافة الى صورتي، ثم وضع المرحوم جمعة الحلفي صورته بعد ان تولى رئاسة التحرير بعدي. ولست ادري ان كان هذا العرف الحضاري ساريا حتى الان ام لا.

لكني سننت هذه السنة في شبكة الاعلام حين توليت رئاستها في اواخر عام ٢٠١١. فقد وضعت صور كل الرؤساء الذين سبقوني في قاعة استعلامات الشبكة وفي غرفة الانتظار في مكتبي، وهم: الاساتذة المحترمون جلال الماشطة، وحبيب الصدر، وحسن الموسوي، وعبد الكريم السوداني، اضافة الى صورتي. ولست ادري ما الذي فعله خلفائي بعدي، فلم يتح لي دخول الشبكة بعد ذلك.

القصد من هذا السرد والتصرف ان يدرك المسؤول اللاحق انه امتداد للمسؤول السابق، وان نجاحه هو امتداد لنجاح من سبقه، وان تقدم المؤسسة يعتمد على مدى قدرته على مراكمة الخبرات والانجازات في مؤسسته استكمالا لما قام به من سبقه. وان مجده الشخصي لا يبنى على تسقيط من سبقه وتشويه صورتهم، ومصادرة جهودهم وانجازاتهم وسرقتها، وانما يتحقق بما ينجزه هو شخصيا ضمن الخط التراكمي للمؤسسة.

هذا الكلام لا يفهمه اشخاص متخلفون مرضى مثل صدام حسين الذي اعاد كتابة التاريخ العراقي الحديث على اساس معادلة صفر لمن سبقه، و ١٠٠ له.

نحن بحاجة الى ارساء تقاليد ادارية جديدة على ايدي اشخاص متحضرين يدركون انهم مارون عابرون وان المؤسسات باقية لاحتضان خبرات المجتمع ومراكمتها وتحقيق التقدم المستمر.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0