هناك من يقول اذا اردت السيطرة على امة فعليك صناعة ادراكهم، فيشير مفكرو الاستخبارات ان اول من صاغ قواعد الحرب الإعلامية هم الصينيين في القرن السادس قبل الميلاد، اذ جاء في كتاب فن الحرب للقائد العسكري الصيني (سونسو) حيث قال ((ان اعظم فن لشن الحروب يتلخص في الهجوم على عقل العدو لا مدنه)).

فالحروب التقليدية لن تعد تجني عائدا استراتيجيا بقدر الحروب الإعلامية التي تجري في الوقت الحاضر، والتي دخل ضمن دائرة ما يطلق عليه (الحروب الاستيعاب).

وتعرف الحرب الإعلامية على انها فرض دولة ما على دولة أخرى مدركاتها الخاصة بحث توثر على الثوابت المنظومة الفكرية والاستيعابية للمتلقي من خلال صناعة محتوى اعلامي، حيث بات من السهل إعادة برمجة وعي الجمهور، وخلق منظومات من القيم الجديدة له، فالسلاح الإعلامي يفعل فعله في اتجاهين: احدهم يمثل اللحاق الأذى في منظومات الاعلامية للطرف الأخر، والثاني ممارسة تأثير نفسي إدراكي على المجتمع الأخر.

أي خلق مدركات جديدة للطرف الاخر، من خلال نظرية (السيطرة والتوجيه الاستراتيجي) والتي تقوم على اساس تنظم السيطرة على مسلمات الادراكية للفرد ومن ثمة قولبة مسلماته الفكرية بما يلائم مصالح الطرف الاول، ومن ثم توجيه الدلالات الادراكية للفرد من خلال قلب المنظومة الفكرية بتجاه مسارات الطرف المسير، وبالتالي يكون من السهولة كسر حاجز التأثير للطرف الاخر والسيطرة عليهم من خلال خلق راي وفكر مصطنع يتم تحريكه من خلال وسائل التأثير والسيطرة العلميات الإعلامية والتي اصبح لها منظورها الخاص بعيداً عن العمليات العسكرية الملتحمة.

يمثل التأثير الإعلامي في واقع البيئة الاستراتيجية للعراق عامل له العديد من الدلالات سلبية والتي تتحدد معظمها بدلالات مهدد للأمن الاستراتيجي، نحن نتحدث هنا عن تأثير الاعلام الاقليمي على المتلقي وضعف الاعلام الوطني في موجهة هذi التأثيرات نتيجة الكساد الكبير في بوصلات الجذب والاستقطاب الاعلامي بسبب تناحر المؤسسات الاعلامية العراقية في ما بينها بدافع الصراع بين الكيانات السياسية التي تمتلكها، فأضحى المجتمع العراقي يتأثر بشكل كبير من خلال ما تسوقه الوسائل السيبرانية والفضائيات الإقليمية والتي باتت تمثل بوابة من بوابات التأثير على صناعة الادراك للجمهور العراقي.

وهو ما خلق نوع من الانكشاف الإعلامي ذات نطاقات استراتيجية واسعة شملت الدوائر السياسية والامنية والاجتماعية، فطالما مثل الاعلام الإقليمي خصوصاً المحيط في دائرة التفاعلات الإقليمية الساخنة العامل المؤثر على البيئة الادراكية الوطنية، اذ عمل على بث توجهات رسائل تحاول خلق راي العام لصالها، اذ اخذ تستبيح حدود السيادة الإعلامية والتي تبنى على أساس ثوابت ثقة مدركات المتلقي، حيث دار هذا الاعلام ويدير توجهات الجمهور الوطني، باتجاه ما يخدم تطلعات تلك الوسائل، خصوصا انها تتمتع بقوة تأثير كبيرة نظراً لحداثة الهندسة الادراكية التي يمتلكها، بالإضافة الى حداثة وسائله وادواتها.

لذلك فان العراق يعاني من انكشاف اعلامي استراتيجي، هذا الانكشاف بالتأكيد لا يخرج من دائرة تصنيفه بالتهديدات الكبرى والتي قد تفضي الى تداعيات لا يحمد عقباها، خصوصاً اذا نظرنا اليها من زاوية التحديات الاستراتيجية التي باتت تشكل تهديدا صارخا لمحددات الامن الوطني، فرغم ان التحدي الامني هو الذي يشكل هاجس الأول لدى أجهزة الامن الوطني العراقي، الان التهديدات الادراكية تسمو وتطغى في بعض الأحيان على نسقية التحديات الأمنية التقليدية، خصوصاً في دولة كالعراق.

واذا تبحرنا في مؤشرات القوة التأثير للأعلام الوطني نجد انه يعاني من ما يطلق عليه (فجوة التأثير وفوضوية التنسيق)، والتي تعني بشكل مبسط من غلبة تأثير الاعلام الإقليمي المحيط بنا على الاعلام الوطني، فالإعلام الخارجي استطاع ان يتلقف ميول الموطن العراقي من خلال هندسة الدراما، والتغطية الاخبارية، فضلاً عن فقدان ثقة الجمهور بالإعلام العراقي وهو ما احدث فجوة إعلامية كبرى.

فبات من الضروري تحدد ملامح الخلال والارباك بشكل مفصل من اجل ترصيد الحلول الاستراتيجية، لهذا التهديد الخطير، فمستوى التحديات في المرحلة المقبلة قد تكون كبيرة ولا يمكن التماسها جوانبها لا بعد عدة سنوات، لذا يتطلب منا ان نوسع دائرة الإحاطة الاستراتيجية للأعلام الوطني، فرغم ان العراق يمتلك من مؤهلات اعلامية كبرى الا انه لا يستطيع ان يحيط بمستوى الانكشاف الإعلامي له.

كما انه لا يستطيع ان يوضب هذه الإمكانيات لصالح فجوة الاعلام التي يعاني منها، حيث يمتلك العراق اكثر من 70 قناة فضائية تتراوح ما بين (حكومية-وخاصة) ، لكن هذه الفضائيات لا تهدف الى سد فجوات الاعلام والتي تتمحور حول اشباع توجهات الجمهور المواطن الوطني، بالمنشغلة في تنفيذ اجندتها الضيقة، لذا لابد من إيجاد آليات خاصة يقع على عاتقها توضيب توجهات هذه القنوات بما يتلائم مع الصالح الوطني، او على الأقل رسم خطوط عامة تهدف الى الاحاطة بتوجهات المواطن من اجل فرض السيادة الإعلامية الوطنية بشكلها الواسع او الضيق حسب الإمكانيات المتاحة.

واخيراً يمكن القول، ان سبل وممكنات تعضيد السيادة الإعلامية للعراق، تنطلق من محورين اساسياً، يتجسد الأول بتحديد مكامن الضعف والترهل الذي يشوب المنظومة الإعلامية الوطنية لأجل كسر التأثير للمنظومات الإعلامية الخارجية، اما الثاني فيتمثل بإيجاد السبل والطرق المناسبة لتقوية المنظومة الإعلامية الوطنية على اختلاف توجهات، من اجل ترصيد السور الإعلامي للمتلقي ، وصولاً الى الغاية الاستراتيجية المتمثلة بالسيادة الاعلامية، فارتقاء الأمم وسموها يعتمد على ما تمتكه من مؤهلات وحصن إعلامية، والتي تمثل الدارة المؤثرة والحافظة على مدركات الجمهور السياسية والاجتماعية والامنية.

* باحث متخصص في الشؤون الدولية والاستراتيجية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1