منذُ سنوات ونحن نسمع دعوات، بل صراخا وتظاهراتٍ، الى الاصلاح، ومنها دعوات الى محاربة الفساد، ومنذ اللحظات الاولى لسقوط النظام الدكتاتوري-البعثي-الصدامي، كان الاصلاح ضرورة ملحة لاسباب كثيرة منها:

اولا، لمعالجة الفساد والخراب الكبيرين الذي اوجده النظام المقبور في الفرد والمجتمع والسلطة والدولة، والذي كان من مظاهره انهيار منظومة القيم الانسانية والاخلاقية، والارتداد الى قيم ما قبل الدولة الحديثة، وشيوع النزعة الدكتاتورية وازدراء الحرية، وفقدان الثقة بالدولة، والقسوة، والتخلف، وغير ذلك من الظواهر السلبية التي تسبب النظام بايجادها عمدا لتسهيل سيطرته المطلقة.

ثانيا، لاتضاح ان اجراءات اعادة بناء الدولة فيما سمي بالعراق الجديد قد انحرفت عن الطريق الديمقراطي المؤدي الى اقامة دولة حضارية حديثة، منذ تشكيل مجلس الحكم، و وزارته الاولى، التي كشفت عن سيطرة عقلية المحاصصة وتقاسم السلطة والحديث باسم المكون وليس باسم المواطن، وغير ذلك مما يعرفه المواطنون الان.

ورغم تعاظم دعوات الاصلاح وتعدد تعبيراتها، فقد كانت السنوات تمضي دون تحقق اصلاح حقيقي شامل للدولة والمجتمع والفرد حتى انتهى الامر بالعراق ان يكون دولة هشة، فاشلة، فاسدة، حكومات غير كفوءة، و سلطة سياسية هجينة، ومجتمع ممزق، ومواطن غير فعال.

لا انكر انه حصلت انجازات وخطوات ايجابية هنا وهناك، في المجتمع والدولة، لكن حجم الفشل والفساد كان يأكل من جرف الانجازات ويطوقها وبحصرها في دائرة ضيقة غير ملموسة.

ويوما بعد يوم تتعاظم الحاجة الى الاصلاح، لتعويض ما فات، واعادة تأهيل ما فسد من امور الناس، وتعديلها.

واذا كان بعض الناس يكتفي بمطالبة غيره بالاصلاح، فان الاكيد ان هذا النهج غير منتج، فمن لم يهتم بامور الناس واصلاحها فليس منهم، والمسؤولية موزعة على جميع افراد المجتمع ومواطني الدولة، لا بالتساوي، وانما على كلٍّ حسب قدره، ولا يحققها الركون الى مقولة "معلية"، وغيرها من المقولات السلبية، اليائسة، التي تقنع الفرد بالقاء اللوم على الغير، والاكتفاء بالتذمر والغضب.

لكن هذا لا يعفي من يتولى سلطة اعلى تشريعية او تنفيذية من مسؤوليةٍ بقدر السلطة التي يتولاها. و يوجد حوالي الف شخص يتولون مسؤوليات كبيرة في الدولة، ابتداءً من الرؤساء الثلاثة وانتهاء باعضاء مجالس المحافظات. فالدولة بيد هؤلاء اضافة الى عدد محدود من الاشخاص النافذين غير المنتخبين الذين يمارسون ادوارا ويتمتعون بسلطات معنوية ونفوذ وقوة تأثير قد تفوق ما يتمتع به المسؤولون المنتخبون. هؤلاء هم الطبقة الحاكمة على اختلاف مسمياتهم الحزبية او السياسية. يتحمل هؤلاء مسؤولية خاصة، عظمى، في صلاح البلد او فساده، نجاح الدولة او فشلها. وعلى هؤلاء يقع العبء الاكبر في اطلاق حراك جدي نحو الاصلاح واعادة البناء والتأهيل. خبرة السنوات الماضية لا تبشر بالخير، ولا تحمل اخبارا سعيدة حتى الان، مما يضعنا امام خيارات صعبة لمعالجة الوضع.

نظريا ومبدئيا، تبدو خارطة الطريق واضحة، وسهلة على الفهم: ان تتفق طبقة الالف ونيف على مشروع شامل لاعادة بناء الدولة العراقية واصلاحها على اسس حضارية وحديثة، تتضمن في نفس الوقت معالجة التخلف او الخلل الحاد في المركب الحضاري، ومكافحة الفساد، في حزمة اجراءات ذات ثلاثة مستويات: سريعة، ومتوسطة، وطويلة المدى.

واذا كان المواطن يطلب نتائج سريعة، فان العمل طويل المدى لا يقل اهميةً عن المبادرات السريعة إنْ لم يفقها. واعني به العمل على تنشئة جيل جديد عبر دورة دراسية كاملة تستغرق ١٢ سنة تقوم بها وزارة التربية، فيما تنصرف الاطراف الاخرى الى المهمات السريعة والمتوسط.

..........................................................................................................
* الآراء الورادة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0