لايمكن بناء دولة، اية دولة، فضلا عن الدولة الحضارية الحديثة، اذا كان اهل الحكم يفكرون ويخططون بطريقة فئوية: طائفية او قومية.

الدولة: تتألف من عناصر اولها الشعب، وقد يتألف الشعب من فئات قومية ودينية ومذهبية مختلفة. لا مشكلة في هذا. لكن حين تأتي الى بناء الدولة ينبغي الانطلاق مما يجمع هؤلاء، لا مما يفرقهم ويميز بعضهم عن البعض الاخر. والذي يجمع افراد الشعب على اختلاف اديانهم ولغاتهم وطوائفهم هو المواطنة، والرغبة المشتركة بالارتقاء بالحياة.

اهل الحكم: هم اولئك الاشخاص الذين دخلوا دائرة القرار في الدولة وهم الذين يتولون المناصب العليا في الدولة: الرئاسات الثلاث، الوزراء، النواب، وكلاء الوزارات، المحافظون، اعضاء مجالس المحافظات، واشخاص قليلون غير منتخبين ولكنهم مؤثرون في القرار. هؤلاء هم الطبقة السياسية في البلد، والذين يبلغ عددهم حوالي الف شخص. يستمد هؤلاء قوتهم وسر وجودهم واستمرارهم من عوامل مختلفة من بينها الناخبون الذين يشاركونهم طريقة التفكير واسلوب العمل.

الطريقة الفئوية: هي التفكير والتخطيط والعمل على اساس الفئة العرقية او الطائفية التي ينتمي اليها الواحد من اهل الحكم. وقد اوضح الرئيس الاسبق لمجلس النواب السيد محمود المشهداني هذه الطريقة في حديث صريح جدا لم يسبقه احد الى مثله، حين قال ان احدهم لا يهمه سوى ان يحصل على ما هو ضمن حصة طائفته في التقاسم المحاصصاتي لمواقع الدولة ومناصبها. وبناء على هذه الطريقة لا يفكر الشيعي الا ضمن دائرة حصة الشيعة (اي رئاسة الحكومة والوزارات المخصصة للشيعة) ولا يفكر السني الا ضمن دائرة حصة السنة (اي رئاسة البرلمان والوزارات المخصصة للسنة) ولا يفكر الكردي الا ضمن دائرة حصة الكرد (اي رئاسة الجمهورية والوزارات المخصصة للكرد)، ثم تأتي بقية المناصب على نفس النهج.ممكن ان يتوافق اهل الحكم فيما بينهم على الاسماء ضمن مبدا (المقبولية) لكن هذا المبدأ لا يتعدى هذه الدوائر المقسمة حدودها السياسية والجغرافية مسبقا. هذه هو حال الدولة العراقية الان، وهو نتيجة لسياسات الذين مسكوا بازمة الدولة منذ تأسيسها الى الان، وهي سياسات اتسمت بالاضطهاد والتمييز والقسوة، من جهة، ونتيجة ضعف الشعور بالانتماء الوطني عند عامة الناس ومعه ضعف الاندماج المجتمعي من جهة ثانية. ولم تفلح الطبقة السياسية بعد عام ٢٠٠٣ في معالجة هذه المشكلة التي نبه عليها الملك فيصل الاول قبل اكثر من ٨٠ سنة. بل لعل هذه الطبقة لم تفكر في معالجة المشكلة اصلا، لانها انطلقت ومنذ لحظة تشكيل مجلس الحكم وبعدها لحظة كتابة الدستور من مخاوف ومطامع فئوية، باسم الشيعة والسنة والكرد، وليس باسم المواطنين العراقيين.

وهذه من جوانب الخلل الحاد في المركب الحضاري الحالي للمجتمع العراقي. فقد تم تشكيله على اسس طائفية وعرقية وليس على اسس وطنية، وساعد في ذلك التخلف السياسي وغياب الثقافة الوطنية الديمقراطية الحضارية الامر الذي يجعل الناخب العراقي يعطي صوته لدوافع عرقية او طائفية لو عشائرية بل حتى شخصية اصلا.

معالجة هذا الخلل الثقافي-السياسي لا تتم باجراءات فوقية واصلاحات ترقيعية، وانما باعادة تأهيل المجتمع ضمن عملية تربوية طويلة الامد تستهدف تعزيز الشعور بالانتماء الوطني، وتشجيع الاندماج المجتمعي، وخلق حوافز ومشجعات الانتماء للوطن اقوى من محفزات الانتماء الفئوي، وترسيخ مفهوم الدولة الوطنية القادرة على احتواء الهويات الفرعية من منطلق الاعتراف بها الاحترام لها والتكامل والتفاعل بينها من اجل خلق وتعزيز الهوية الوطنية الجامعة للعراقيين، والتي يكون العراق محورها المركزي بوصفه وطنا موحدا نهائيا للعراقيين.

.......................................................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
بناء أى دولة على أسس فئوية أو طائفية يدخلها سرداب الفشل والصراعات
هذه الدولةالفاشلة تحصر اختياراتها في دائرة ضيقة وتحرم نفسها من الكفاءات
وهي في نفس الوقت تزكي عناصر الشعور بالغبن في نفوس تشعر بالإضطهادات
أحيائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الرض
جمال بركات....مركز ثقافة اللفية الثالثة2019-01-26

مواضيع ذات صلة

8