تنقسم خلايا الجسد البشري إلى نوعي، خلايا سليمة وأخرى ليست حميدة أو خبيثة، الأولى تنشِّط الجسد وتدفع به نحو النمو والحيوية، والثانية تقوم بتسميم الخلايا السليمة وتحيلها إلى خلايا خبيثة تصبح عبئاً على الجسد الذي يعاني من المرض، هذا السيناريو الواضح المعالم يمكن إسقاطه على العراق بجهازه الإداري المريض، فهناك خلايا مصابة بالوباء البيروقراطي أصبحت بمثابة السرطان في الجسد السليم، تنمو، تتطور، لتنتهي بالنتيجة إلى شلّ الجسد وتدميره وهو ما يحدث في الجهاز الإداري، حيث بات الفساد علّة أو مجموعة علل وبائية، لابد أن يتعاون العراقيون على مكافحتها بالعقارات والعلاجات القادرة على وقف نشاطها الخبيث.

هناك تعريفات عديدة للفساد الإداري وقبل الخوض فيها وبيانها، علينا أن نذكر بأن البيروقراطية تمثل الداعم الأقوى لمثل هذا النوع من الفساد، فالبيروقراطية مفهوم يستخدم في علم الاجتماع والعلوم السياسية يشير إلى تطبيق القوانين بالقوة في المجتمعات المنظمة، فينتهي بها الأمر إلى الفساد في الإجراءات، ويعود أصل كلمة البيروقراطية إلى مفردة بيرو (büro)، وهي كلمه ألمانية ومعناها مكتب، وقد تم استخدامها في بداية القرن الثامن عشر ليس للتعبير عن كلمة مكتب للكتابة فقط بل للتعبير عن الشركة، وأماكن العمل، ثم كلمة قراطية وهي مشتقه من الأصل الإغريقي كراتُس (κράτος) ومعناها السلطة والكلمة في مجموعها تعني قوة المكتب أو سلطة المكتب.

وقد عُرِّفَ الفساد الإداري بأنهُ استغلال منصب ما، من أجل القيام بأعمال وخدمات لمجموعة من الأشخاص، بشرط الحصول على مقابل مادي لذلك، ويُعرف أيضاً، بأنه الاستخدام السيّئ للوظيفة، وعدم تطبيقها بأسلوب مناسب، ولا يعتمد الفساد الإداري على وظيفة معيّنة، بل على طبيعة الشخص الذي يقبل الحافز نحو الفساد، ويرتبط عادةً بقبول الرشوة، وهي عبارةٌ عن مقابل يحصل عليه الشخص لإتمام عمل ما دون وجه حق، أي بالاحتيال على قوانين العمل من أجل تمرير شيء ما، يحقق مصلحة لفرد، أو مجموعة من الأفراد، على حساب أفراد آخرين.

وتوضع صفات محدّدة للفعل الذي يدخل ضمن توصيف الفساد الإداري وفي المقدمة من هذه صفات، عدم احترام قانون العمل، ويشمل حالة عدم الالتزام الدقيق بالواجب الوظيفيّ، وهناك عدة أطراف تدخل في عمليات الفساد الإداري من هذه الأطراف، الموظف، والشخص الذي يسعى لتحقيق شيء ما عن طريق الفساد، وتتم خطوات الفساد الإداري بشكل سريّ، يعتمد على منفعة متبادلة بين الأطراف التي تشترك في إبرام صفقة الفساد سواءً كانت بسيطة أم ضخمة ومعقدة.

بخصوص العراق، أين يمكن أن نجد ما تطرقنا إليه في أعلاه، وأين يمكن أن نجد الموظف الذي يضرب بقوانين العمل غرض الحائط، وأين يمكن أن نجد اللجوء إلى أسلوب الرشوة مقابل إنجاز عمل إداري ومن هم الأطراف الذين يشاركون في هذا النوع من الفساد؟، نحن بدءاً لا نلج في تحليلاتنا أسلوب التعميم، ولكن حتى ندعم أقوالنا بالوقائع، نقول إن ذهاب أي مسؤول أو أي شخص آخر إلى إحدى الدوائر الرسمية، كدوائر الضريبة، أو دوائر التقاعد، أو مديريات التسجيل العقاري، أو سواها من الدوائر التي تقدم خدمات إدارية للمواطنين، يمكنه أن يكشف بسهولة أسلوب استخدام الرشوة في إنجاز معاملات المواطنين.

ويمكن أن نجزم القول بأنه من الحال أن يتم إنجاز معاملة من قبل موظف بشكل طبيعي، من حيث وقت الإنجاز وسلاسته ورسوماته المستحقة رسميا من دون أن يكون هنالك مقابل يحصل عليه هذا الموظف أو ذاك من صاحب المعاملة، وما يساعد على تفشي هذا النوع من الفساد عاملان:

الأول: القوانين المعقدة، والروتين القاتل، والحجج المفتعلة التي ما أنزل الله بها من سلطان حيث يضعها الموظف كحجر عثرة في طريق انجاز معاملات المواطنين، حتى يتم إجباره على دفع رشوة من أجل الخلاص من دوام الذهاب والإياب الذي قد يستمر شهورا في معاملة يمكن إنجازها خلال أيام أو حتى ساعات!.

الثاني: المواطن أو المراجع الذي يتعاون مع الموظّف ويشجعه على ابتزازه وإجباره على تقديم الرشوة صاغرا، فهناك مراجعون يبحثون عن وسطاء أو (معقّبين) يقومون بمهمة الوساطة بينهم وبين الموظف لإنجاز المعاملة مقابل رشوة، ففي هذا نوع من التعاون الضمني من قبل المراجع لكي تستمر عمليات الفساد الإداري، علما أن جميع الدوائر في صناديق شكاوى، وخطوط اتصال ساخنة، ولكن كل هذه الوسائل لا تؤدي عملها كما يجب بعد أن وصلت حالة اليأس بالمواطن إلى ذروتها، فيبقى السبيل الوحيد المفتوح أمامه التعامل بالرشوة من أجل إنجاز معاملته.

ما هي النتائج التي يمكن أن تنتهي إليها مثل هذه التعاملات غير القانونية، وما الذي يتوقعه المسؤولون وحتى المواطنون مما سيحدث من عواقب وخيمة نتيجة وباء السرطان الإداري الذي يعيث فسادا في الجسد العراقي؟، إنّ الصبر له حدود، وإن الاستهانة بالناس لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، وأن تراكم الفساد الإداري في الدوائر الرسمية لا يمكن أن يكون بلا نتائج خطيرة ستحرق الأخضر واليابس في نفس الوقت، لهذا من غير الممكن أن تعض الجهات الرقابية أو الحكومية الطرف عن مثل هذه الظواهر المميتة!.

إن لجان النزاهة تتواجد في جميع المدن ويمكن لها أن تصل إلى جميع الدوائر الرسمية، كما أن مكاتب المفتشيات العامة موجودة في جميع المدن وتقع عليها مهمة الرقابة الدقيقة، كذلك صناديق الشكاوى والخطوط الساخنة ووسائل الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي التي وضعت كل شيء تحت المجهر، حتى بات من الصعب بل المستحيل إخفاء حالات الفساد والبيروقراطية والرشوة، ولكن مع هذا كله لا نجد ما يكفي من إجراءات قضائية تواجه سيول الفساد الجارفة التي تجتاح حياتنا برمتها!!.

إن خطر الفساد يهدّد الجميع، ولن يسلم من آثاره حتى الفاسدين والمفسدين أنفسهم، إننا في الحقيقة بهذه الظواهر القاتلة نشارك في بناء مجتمع يقوم على قيم فاسدة وفاشلة تجيز الرشوة وتتعامل مع من تبقى من عوامل وظواهر الفساد الإداري التي تجتاح العراق على مرأى ومسمع من المسؤولين والجهات الرقابية المختلفة، لذلك علينا جميعا أن نتعامل بجدّية قصوى مع سيول الفساد التي تسعى لتدمير قيمنا وأخلاقنا وإنسانيتنا وبالتالي تدمير المجتمع والدولة برمّتها، إن المسؤولية تتدرج من أعلى مسؤول وموظف إلى أدنى موظف ولا يُعفى المواطن من مسؤولياته في مكافحة هذا الوباء السرطاني المميت، لا يزال هناك وقت للتعامل مع الفساد الإداري بحزم وجدية، ولكنه يكاد يقترب من النفاذ والنهاية، فليتنبّه المعنيون جميعاً.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
الفساد الإداري هو مسمار في نعش المؤسسات
الفساد قد يكون فرديا وقد يكون منظما من جماعات
والتنظيم غير الرسمي داخل المؤسسة يمثل النموذج الأمثل للعصابات
ومن درسوا علم الإدارة ومارسوها يعرفون كيف توضع العراقيل امام أصحاب الحاجات
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-09
صادق الأسدي
العراق
يحتاج العراق لحملات مكافحة فساد مستمرة ومنظمة.. وإذا لم يتعاون جميع العراقيين، رجال دين، أساتذة، مثقفين، عامة الناس على السعي والمبادرة بمكافحة الفساد بإصلاحة القيم أولا.. فإن المستقبل سيضم للعراقيين كوارث كبرى2019-01-08

مواضيع ذات صلة

0