يحمل عنوان هذه الكلمة شيئا من الغموض المغلَّف بالسخرية أو الجدّية بحسب رؤية القارئ، هكذا يبدو المعنى للرائي، وأول شيء يخطر في بال القارئ (العراقي)، هل نجحنا حقا في عامنا الذي سيلفظُ أنفاسه بعد ساعات وينضم إلى مقبرة التاريخ كملايين السنوات الميّتة؟، وإذا أجاب أحدُنا بالإيجاب، فإن هناك من سيُمسك به ويسأله بماذا نجحنا، حدد لي نجاحاتك أنت على الأقل!.

الحقيقة قضية النجاح والفشل نسبية، وقد تكون أحيانا فردية وفي أخرى جمعية، ولكن الطابع العام في العراق والإجابات الأكثر هي عكس النجاح، أي الفشل، كيف نجزم بذلك؟، إن نبرة الفشل هي السائدة اليوم أكثر من سواها، خصوصا إذا تعلق الأمر بالسياسة، أو بقادة العراق وأسلوب قيادتهم في المجالات السياسية والاقتصادية وما يتبعهما من نشاطات حياتية أخرى.

هل نجح السياسيون في عام 2018 بقيادة العراق، وهل ارتقوا به إلى ما هو أفضل من سنة 2017، إذا طُرح سؤال من هذا القبيل على الملأ العراقي، فماذا ستكون الأجوبة الغالبة؟، بالطبع وكما نراه ونسمعه في وسائل الإعلام المختلفة هو فشل الساسة في إدارة العراق بهذه السنة التي قاربت الرحيل، وإذا فشلت السياسة سيتبعها فشل المجالات الأخرى كونها تابعة أو معتمدة على الخطط السياسية للقادة، فالتعليم يتبع السياسة والصحة والاقتصاد والزراعة وكل المجالات الأخرى، فليس من المعقول أن تجد في دولة ما سياسة فاشلة واقتصاد ناجح أو تعليم رصين أو صحة مضمونة، فإذا فشلت السياسة فشل كل ما بعدها.

لو تطرقنا إلى حالات الأمل النجاح والفشل على المستوى الفردي، ما هو الغالب، في الحقيقة إن ما يلوح في الأفق شيئان، الأول هو فشل السياسة كما تم ذكره في أعلاه، والثاني هو نجاح الفرد العراقي في مشاريع فردية مختلفة معنوية ومادية، وهذا يختلف بشكل تام عن الفشل السياسي، وهذا أيضا هو السبب الوجيه الذي يجعل من كيان الدولة العراقية لا يزال قائما، فلو كان الفعل الفردي فاشلا كالفعل السياسي القيادي، لأصبح العراق كدولة في خبر كان.

ابتعد عن تفكير القطيع

لقد جرّبتُ دائما أن أكتشف الأشياء المختلفة بنفسي، في كل يوم دائما أسأل نفس ما هو الجديد في حياة العراقيين، ودائما أقارن بين الآن وبين قبل عشر سنوات أو عشرين سنة، بعد أن أتخلّص بشكل تام من الحكم السوداوي المسبق أو الآلي، لأننا في الحقيقة بسبب (تفكير القطيع)، صرنا نفكر بشكل آلي جمعي مسبق، ونعلن في مناسبة أو غيرها بفشل العراق والعراقيين ونجعل من الحال لوحة سوداء حاضرا ومستقبلا، وفي نفس الوقت نتجاهل مؤشرات النجاح الفردي أو الجمعي.

فمثلا في الأعياد لا أحد يتكلم عن الحشود التي تتكدس في المتنزّهات، وتبقى فيها حتى ساعات متأخرة من الليل، لا أحد يتكلم عن فتح مئات الطرق الرئيسة والفرعية في العاصمة بعد غلق بعضها عقدا ونصف من السنوات أو أقل بقليل، لا أحد يتكلم عن طفولة مشرقة تمضي إلى مدارسها بفرح، التركيز دائما على الجانب المظلم أو المحزن، لا أحد يتكلم عن انجازات شبابية، رياضية أو علمية مختلفة، دائما نضع ما هو جميل مغاير خلف ظهورنا، فيما نمتلك براعة في عرض اليأس بصور مختلفة.

بالطبع نحن لم نعش في نعيم ولا ننعم في بحبوحة العيش، ولكن عدم الإشارة إلى ما هو جميل ومختلف ومغاير للسائد أمر بات مقلقا حقا، نحن بحاجة إلى نضيء أصغر المصابيح التي تأتلق هنا أو هناك، في هذه التجربة أو تلك، وأن لا يتكدس الكلام أطنانا فوق أطنان عن الظلام والبؤس والخوف من الحاضر والمستقبل، أشعل شمعة بدلا من أن تلعن الظلام، مثل صيني شهير لا أحد يضعه في الحسبان، يسانده مثل آخر يقول إن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة.

مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة

فلنقل أننا بدأنا خطوة الألف ميل في سنة 2018 وعلينا أن نواصل خطونا في العام الذي سيليه عام 2019، نعم نحن لا نختلف عن الأمم والشعوب الأخرى، علينا أن نواصل المسير، خطوة بعد أخرى، وحين نقطع المزيد من الخطوات هذا سوف يقربنا من الوصول إلى نقطة النهاية وقطع مسافة الألف ميل بنجاح، هل علينا أن نجد لأنفسنا الأعذار والحجج كي نتوقف ونكف عن المضيّ قُدُما نحو الإشراق؟، بالطبع لا، هذا ليس صحيحا، نعم ستواجهنا عقبات وعقبات، مشكلات ومشكلات، وهل طرق الصعود إلى القمم مفروشة بالورود، هذا غير وارد، نحن لا نختلف عن غيرنا من الشعوب التي وقفت في وجوهها أقوى وأعقد المعوقات لكنها تجاوزتها ووصلت إلى ضالتها، ليس في يوم أو سنة أو عشر أو حتى مئة سنة، نحن نتكلم هنا عن أجيال تعقبُ بعضها تحثُّ السير والصعود نحو القمم رغم الصعاب.

في عام 2018 نجح العراقيون في طرد داعش من العراق، وهذا بحد ذاته منجز لا يحققه إلا الأبطال المؤمنين الكبار روحا وقلبا، عدة وعقلا، وفي هذه السنة التي ستمضي هبطت نسبة التفجيرات الإرهابية إلى أدنى مستوى لها خلال ما يقارب 15 سنة، وفي هذه السنة جرت أروع عملية تبادل سلمي للسلطة في تاريخ العراق كله، ولا أحد يستطيع نكران ذلك، في هذه السنة تزاوج كثير من الشباب بالفتيات الجميلات، ونجح كثيرون، وبٌنيت الكثير من الدور السكنية وأسست الكثير من الأسر التي تنظر إلى المستقبل بتفاؤل، نعم هناك نواقص هائلة، ولكنها تقع ضمن معوقات قطْعِنا لمسافة الألف ميل.

نحن كعراقيين لا زلنا نواصل المسيرة، هي ليست سهلة بالطبع، نحن نسعى إلى القضاء على الفساد، نحن نعي خطورته، ولا نرغب ببقاء الفاسدين والمفسدين طلقاء، نحن سوف نسعى لإزاحتهم، وإلقاء من يستحق في قبضة القضاء، نحن نتطلع إلى ما هو أفضل دائما، ليس من باب الأحلام الوردية في واقع مخرَّب، فمنذ أن خُلق الإنسان خُلقت معه المصاعب والمظالم، ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن وإلى يوم يبعثون سيواصل الناس مسيرة الألف ميل الملغّمة بالفساد والظلم وعدم الإنصاف، لكن علينا جميعا أن نواصل المسير، وهذا ما فعلناه سنة 2018، وما سنبقى نواصله في السنة القادمة، حتى الوصول إلى نهاية المسافة التي لا نعرف متى ستنتهي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0