تعرف الضريبة على انها "مبلغ نقدي تتقاضاه الدولة من الأشخاص والمؤسسات بهدف تمويل نفقات الدولة، أي تمويل كل القطاعات التي تصرف عليها الدولة كالجيش، والشرطة، والتعليم، أو نفقاتها تبعا للسياسات الاقتصادية، كدعم سلع وقطاعات معينة، أو الصرف على البنية التحتية، كبناء الطرقات والسدود، أو التأمين على البطالة".

وتعرف ايضاً بأنها "مساهمة ماليّة إلزاميّة يتمُّ فرضها على الأنشطة، والنّفقات، والوظائف، والدخل سواءً الخاص في الأفراد أو المنشآت، وتُعرَف الضّريبة أيضاً بأنّها نوع من أنواع العوائد الماليّة، وتُفرَض من قِبَل حكومة الدولة على مجموعة من القطاعات، ومنها الأعمال التجاريّة، مثل الخدمات والسلع".

وإذا كان الهدف من وراء فرض الدولة للضرائب على الافراد والمؤسسات هو تقديم الخدمات العامة لمواطنيها وتمويل قطاعات مهمة لديمومة استمرار عملها فلماذا تتسبب (الضرائب) في احتجاجات وتظاهرات وثورات عارمة عند فرضها؟ ولماذا لا تلقى تجاوباً ايجابياً معها من قبل المواطنين وهي تفرض لصالحهم بحسب الرؤية الحكومية؟ وهل هي فعلا تفرض من اجل مصالح الشعوب؟

الموت للضرائب

لعل التاريخ هو خير شاهد ودليل يستطيع الإجابة على هذه التساؤلات من خلال استقراء التجارب والاحداث والعبر التي مرت في دورة التاريخ المستمرة، ومن هذه الاحداث هي الثورة الفرنسيّة التي اندلعت في الفترة (1789-1799) م، وأدَّت إلى حدوث تغييرات كبيرة في المُجتَمع الغربيّ بشكلٍ عامّ، وفرنسا بشكل خاص، وقد تضافرت عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية في وقوعها، لكن ما يهمنا في الامر هو العامل الاقتصادي حيث "جاءت قِمَّة المأساة الاقتصاديّة لفرنسا باضطراب نظامها الماليّ، وقد تجلَّى سُوء وَضْع فرنسا الماليّ بأعلى مُستوياته في النفقات التي اضطرت الحُكومة إلى تحصيلها من الشعب، وتمثَّل ذلك بفَرْض الضرائب المُباشرة على العَقارات، وضريبة الرؤوس، وضريبة الملح التي فُرِضَت بسبب احتكار الحُكومة للملح، وبَيْعه لشركة ذات امتياز، وإجبار كُلّ رَبّ أُسرة على شراء كمّية مُحدَّدة سنويّاً تتناسب مع عَدَد أفراد الأُسرة، وغالباً ما تكون هذه الكمّية أكثر من الاستهلاك الفعليّ للعائلة، كما أنَّ هذه الضريبة تختلف من مُقاطَعة لأُخرى، ومن الجدير بالذكر أنَّ الكيفيّة التي كان يتمّ فيها تحصيل الضرائب قد زادت من سوء وَضْع النظام الماليّ الفرنسيّ؛ حيث إنَّ التحصيل كان مسؤوليّة أشخاص يُعرَفون باسم (المُلتزمين)، وكان يُتطلَّب منهم جَمْع مَبلغ مُحدَّد لخزينة الدَّولة، والمَبلَغ الزائد يذهب إلى جيوبهم الشخصيّة، عِلماً بأنَّ المُلتزِم الكبير كان يُعيِّن مُلتزِمين أصغر لجَمْع الضرائب، وينتفع كلا الطرفَين، ويقع العِبءُ، والضَّرر في النهاية على الفلّاح، والعَامِل".

والغريب في الامر ان فرنسا وبعد قرون من ثورتها الشهيرة ضد الضرائب عادت الشرطة الفرنسية لاستخدام الغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين الغاضبين الذين رفعوا لافتات حملت شعار "الموت للضرائب".

ازمات مستمرة

يخلق فرض الضرائب المزيد من الازمات في مختلف بلدان العالم بدلاً من إيجاد الحلول الاقتصادية والاجتماعية الناجعة لها، ولا فرق في ذلك بين البلدان المتقدمة وبين الدول الفقيرة، فمثلما اتسع نطاق التظاهرات في فرنسا وبلجيكا وهولندا، فان مصر وتونس والأردن هي الأخرى تشهد احتجاجات لنفس الأسباب.

ففي تونس، على سبيل المثال، "تسع حكومات تولت زمام البلاد لم تتمكن منذ ذلك الحين من علاج المشكلات الاقتصادية المتزايدة مع ارتفاع معدلات البطالة إلى ما يزيد عن 15% من بينها 30% في صفوف الشبان وارتفع التضخم أيضا إلى 6.4% وهو أعلى معدل منذ أربع سنوات، واندلعت احتجاجات بسبب الغضب من زيادة الأسعار والضرائب في ميزانية السنة الحالية، وارتفعت أسعار الوقود وبعض السلع الاستهلاكية من بينها البنزين والغاز، إضافة إلى زيادة الضرائب على السيارات والاتصالات الهاتفية وخدمات الإنترنت وخدمات أخرى".

ولم تستطع الضرائب منذ تاريخ فرضها وحتى الوقت الراهن ان تقدم البديل الناجح في توفير حياة كريمة للأفراد بعيداً عن اجبارهم بدفع المزيد من الأموال، ويعود ذلك لجملة من الأسباب منها:

1. الضرائب تتسبب بالمزيد من الضغط الاقتصادي على حياة المواطن العادي اليومية وتقتطع جزء من مدخوله لصالح الدولة.

2. فرض الضرائب يؤدي الى فرض المزيد من القيود على حرية الاقتصاد وحركة رأس المال والاستثمار.

3. الضرائب سبب رئيسي من أسباب انتشار الفساد والمحسوبية والرشى في قطاعات الدولة المختلفة وبين موظفيها نتيجة حجم الأموال الضخمة الناتجة عن هذه الضرائب.

4. استخدام التعسف واجبار الموطنين على الدفع للدولة حتى في حال عدم امتلاك الافراد لحجم الأموال المطلوبة فهي لا تستثني الفقراء والمعوزين.

5. الشعور بالظلم من قبل دافعي الضرائب نتيجة لعدم المساواة بين الجميع، خصوصا مع وجود فارق طبقي كبير داخل المجتمع.

6. بعض الدول التي تجبي الضرائب مقابل الخدمات المقدمة لمواطنيها لا تقدم خدمة بمستوى هذه الضرائب ما يؤدي الى شعور عام بالغبن وعدم الفائدة من الاستمرار بالدفع.

7. ان هذه الضرائب لاتفرض بشكل مساوي على المواطنين فالأغنياء يستفيدون من الإعفاءات الضريبية اكثر من المواطنين من الطبقات الوسطى والفقيرة.

8. تتسبب الضرائب في هروب الكثير من رؤوس الأموال الى ما يسمى بالجنات او الملاذات الضريبية او الاحتيال والكذب على الدولة بالكشف عن حقيقة المداخيل، مما يتسبب بتحمل الطبقات الفقيرة للضرائب، وظهور عصابات غسيل الأموال.

لا ضرائب في الاسلام

بالعودة الى الإسلام وشريعته السماوية السمحاء وما فيها من منهاج متكامل شرعه خالق السماوات والأرض لعباده لجميع مفاصل الحياة ومعاملاتها، نجد ان الاقتصاد يشغل مكانة مهمة فيه بما يخدم الانسان ويحقق السعادة للبشرية جمعاء، وكما أوضح المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) بان "الإسلام هو منهج حياة متكامل، أنزله الله للناس كافة، يشمل عباداتهم ومعاملاتهم، ويراعي مصالحهم مع تطور الحياة، وإن علة تمكن الإسلام من حل مشكلات البشرية، هو كونه يؤمن بالعقل والنفس، ويرى الإنسانَ مركباً من الجسم والروح، ويعتقد بضرورات الدنيا وضرورات الآخرة"، لذلك فان الجانب الاقتصادي كان له مساحة أساسية ومهمة في التشريعات السماوية في الدين الإسلامي الخالد.

في سؤال وجه الى السيد محمد الشيرازي عن الاقتصاد في الإسلام؟

أجاب المرجع الراحل بأن "بيان الاقتصاد في الإسلام يحتاج إلى مجلدات ضخمة لكنا نوجزه في الخطوط الأساسية العامة التي وضعها الإسلام لنفي الفقر والحاجة عن المجتمع وترفيع مستوى المعيشة، والخطوط الأساسية هي:

الأولى: توسيع الحريات في جميع المجالات، فإن الناس حيث كانوا يتمتعون بحرية واسعة في ظل الحكم الإسلامي كانوا يعملون بكل جد وإخلاص، والطريق أمامهم مفتوح، ولهذا كانوا يثرون، وقلما يوجد إنسان محتاجاً… إذ من المعلوم أن المناهج الأصلية للثروة كانت مباحة بجميع أقسامها، ولم يكن عليها ضرائب واتاوات، كما لم تحتاج إلى قيود وشروط، فكان كل إنسان يشتغل ويعمل، وعمله كان يدر عليه الرزق ويفيض عنه.

أما في ظل القوانين الوضعية فمنابع الثروة محصورة، لا يحق لأحد الانتفاع بها. وما يجوز الانتفاع بها، عليها ضرائب ورسوم. ثم الانتفاع لا يكون إلا بقيود وشروط.

ولذا قلما يتمكن الإنسان من الانتفاع بالمنابع الأصلية، وفي صورة التمكن، تأخذ منه الشروط والضرائب كل مأخذ، ولو قلنا إن هذه القيود خفضت مستوى الثروة من المائة إلى العشرين، لم نكن مبالغين".

ولذلك فقد رفضت الشريعة الإسلامية رفضاً قاطعاً فرض الضرائب على مختلف القطاعات وبمختلف المسميات والذرائع واعتبرته امراً محرماً وتجاوزاً على الحرية التي منحها الله (عز وجل) للناس في البيع والشراء والتجارة والامتلاك والتنقل واستثمار الأرض وما فيها، وقد لخصها الامام محمد الشيرازي (رحمه الله) في عبارته الخالدة (لا ضرائب في الإسلام)، والاستثناء الوحيد في ذلك هو للزكاة والخمس (النظام الاقتصادي الاسلامي) التي تختلف اختلافاً جوهرياً عن (الضرائب الباهظة الوضعية).

وبالمجمل فقد لخص الامام محمد الشيرازي (رحمه الله) أهم الأمور التي ينبغي الإشارة إليها في الاقتصاد الإسلامي، هو السعي من اجل تحقيق ما يلي:

أن لا يكون هناك فقراء يعانون الجوع والمرض والفقر.

أن لا تكون هناك مشاريع معطلة.

أن لا تبقى طاقات إنسانية، أو غير إنسانية عاطلة.

أن لا يبطر الغني.

الخلاصة

للحكومات الحرية في فرض أنظمتها الاقتصادية ورسم سياستها المالية التي تعتقد انها الأقرب لتحقيق طموحاتها الاقتصادية وتحقيق الرفاهية والعيش الكريم لمواطنيها ورعاياها، لكن عليها التفكير مرة أخرى قبل اختيار أي الأنظمة هو الأقرب لحل مشاكلها الاقتصادية وتوفير السعادة لمواطنيها، ولتفكر مرتين قبل الاقدام على أي ضريبة او جباية على المواطنين لأنها لن تكون الحل بالتأكيد، وهو امر تمت الإجابة عنه في احتجاجات (السترات الصفراء) في فرنسا رغم مستوى الدخل العالي للفرد فيها، ومستوى الخدمات والرفاهية والحرية والديمقراطية التي ينعم بها مواطنوها.

وهذا التحذير سيكون مضاعف النتيجة، بطبيعة الحال، على الحكومات التي عجزت من الأساس عن تقديم الحد الأدنى من المستوى اللائق من الخدمات والرفاهية لشعوبها، في مقابل زيادة مستمرة في الضرائب كماً ونوعاً، وهو امر خطير قد يؤدي في نهاية المطاف الى عواقب وخيمة وانعكاسات لا تحمد عقباها على الدولة ككل.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2018Ⓒ
http://shrsc.com

...................................
المصادر
1. الموسوعة العربية العالمية
2.الثورة الفرنسية
3. الاقتصاد الإسلامي في سطور/ الامام محمد الشيرازي (رحمه الله)
4. فقه الاقتصاد/ الامام محمد الشيرازي (رحمه الله)
5. ويكبيديا

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1