يتخبَّط العراقيون في وحل المناكفات، يحيط بهم الطامعون من كل حدب وصوب، يغرزون في جسد وطنهم براثن الطمع، وينشرون الفساد في كل مكان، يساعدهم على ذلك من العراقيين أنفسهم، دوّامة الفساد تفتك بكل شيء، لسنا هنا ممن يسعى لرسم أو ترجيح سوداوية لا وجود لها، فإن لم نرَ الواقع كما هو بالفعل، سيكون من الصعب علينا تغييره أو معالجاته، مشاكل في السياسة والاقتصاد والاجتماع والصحة والزراعة والصناعة والتعليم والثقافة، مشاكل كبيرة ومعقّدة تفتك بنا، وتراجع في جوانب الحياة كافة، ولا يمكن لأحد إنكار ذلك.

هناك من يرى الحل في تصحيح المنظومة السياسية وتبديل وجوهها التي لم تعد صالحة للعمل في هذا الميدان، وإطلاق برامج سياسية وطنية جديدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وانتشال البلاد والناس من الدرك الأدنى، وهناك من يرى العلة في الاقتصاد ومنهج الدولة الريعية وإقصاء القطاع الخاص واعتماد النفط مصدرا وحيدا للموارد، وهناك من يرى في تدمير الصناعة والزراعة السبب الأكثر تأثيرا، وهناك من يرجّح كفة تهاون القوانين فيما يجري، ويرى آخرون أن تراجع الثقافة وتهرّب المثقف من أداء دوره له حصة الأسد فيما يحدث في العراق اليوم، ونحن من وجهة نظر شخصية نرى في اضمحلال الثقافة وضمور القيم السبب الأقوى لتردّي العراق وأوضاع العراقيين.

الثقافة إذا هزلت سوف يصيب الأمة كلها الهزال والضمور والتردّي، قول يذكره مفكرون تعرضت بلدانهم لمثل ما يعانيه العراق اليوم من تعقيدات كبيرة، وشخصوا العلة في الثقافة الضامرة، فمع كل هذا الضجيج الذي يدور في ربوع العراق أرضا وشعبا، في مجالات السياسة والتخطيط والاقتصاد والتعليم والصناعة وسواها، ومع كل هذه الفوضى التي تجتاح جسد العراق، نلاحظ تحييدا مبرمجا لتغييب المثقف، أو غيابه، وانتفاء أي دور مبرز له، وانزواء الثقافة جانبا، أو دخولها في حومة الفساد.

هل الثقافة هي التي تقودنا؟

إننا نتفق كما تؤكد التجارب في الأمم والشعوب المختلفة، أن نخبة المثقفين، في الغالب، هي التي تقود الطبقات والشرائح المجتمعية الأخرى، أو يفترض أن يكون الأمر كذلك، وهي التي تتحكم في دفة التوجيه، وتنشر الوعي بين من أهم أقل وعيا، وأقل معرفة ببواطن الأمور وخفايا المخططات السياسية مما يحيط بهم، فالثقافة يمكن أن تكون القارب الأخير والمنقذ الأول فيما لو قيّض للقائمين عليها معرفة دورهم ودور الثقافة في إنقاذ العراق.

إن المثقف لم يعد يستحق حمل هذه الصفة، والثقافة التي تركت مرتبة الصدارة، لا يمكن أن تكون محط إعجاب وأمل، ففي ظل مثل هذه الأوضاع التي يعيشها العراقيون منذ سنين، وفي ظل تداخل الأوضاع واشتباكها واختلاطها، الى درجة فقدان الرؤية والسلوك معا، وعدم معرفة الاتجاه الأبيض من الأسود كما يقال، ومع الحاجة القصوى لمساعدة الشعب على الإبصار، ومضاعفة البصيرة لدى الشرائح الأقل وعيا، مع هذا كله، نلاحظ تراجعا غريبا لدور المثقف، فيُثار التساؤل مجددا، لماذا لا نلمس حضورا واضحا للمثقف، أين دوره؟ لماذا هذا الغياب الغريب، وهل هو غياب بمحض الإرادة، أم تغييب قسري تقوم به جهات أخرى، تعمل بالضد من إرادة المثقف، فتحجّم دوره في نشر الوعي وقيادة المجتمع نحو الأفضل؟ ثم بالنتيجة ماذا يعني هروب أو تهرّب المثقف من دوره وأين هي أدوات الثقافة وقدراتها على انتشال العقل من حالة الركود واللامبالاة التي يغرق فيها؟.

أسباب التغييب أو الإقصاء أو التغيّب الذاتي تهرّبا من المسؤولية، يمكن أن نجده في المثقفين والثقافة، لكن بالطبع هناك عوامل خارج إرادة المثقف والثقافة، منها تحكم السياسة وصناعة القرار، ولكن هذا لا يعني الاستسلام، فكما هو متوقَّع، أن الغياب والتغييب، يؤديان الى الهدف المطلوب، بخصوص تحييد المثقف ودوره، وإبقاء الوعي الجمعي او الشعبي، في المستوى الأدنى دائما، وبالتالي يتحقق للجهات التي تسعى لتجهيل الشعب هدفها، وهو هدف خبيث وخطير، يعمل على تخدير الطبقة الكادحة من المجتمع، بشتى الوسائل، مع شن حرب ضروس على الفكر، وعلى مشاعل الفكر، وهو هدف واضح ومعروف.

العودة إلى الدور الثقافي الريادي

وكثيرا ما دخلت الطبقة المثقفة – كما تشير التجارب- في صراع ضخم وحثيث مع السلطة، أو الطبقة الحاكمة عموما، بيد أن الجانب الخطير في هذا الأمر عندما يقوم المثقف نفسه بتغييب دوره!، أي انه يقوم بمساعدة السلطة على تحييد دوره الريادي، بدلا من خوض الصراع مع السلطة لتعميق الوعي العام، وتحقيق الدور المطلوب للمثقف، فالخطأ يمكن أن يكون هنا ذاتيا مصدره المثقف نفسه والثقافة التي يجب عليها أن تنهض من جديد وتضع برامج التحديث المتجددة والمواكبة للعصرنة، حتى يكون بمقدورها إنارة العقول وإقناع الناس بمضامينها وحلولها ومتبنياتها.

إن الحل يكمن في الفرصة التي لا تزال متاحة للمثقف والقائمين على الثقافة، ولابد من الاعتراف ان دور المثقف ليس حاضرا كما يجب، وهناك مشاركة من المثقفين أنفسهم في تغييب هذا الدور ومحاصرة المثقف، من خلال السماح لمثقفين طارئين، بتصدر الحراك الثقافي، وتراجع النخبة الثقافية المعنية فعلا بتدعيم الوعي وقيادة الثقافة، فضلا عن إبداء المحاباة للسلطة، وهو أمر يثير الشكوك لدى الجميع، إذ كيف يلتقي المثقف والحاكم في ظل ظروف تؤكد الخلل في إدارة الحكم لشؤون المجتمع، خاصة ما يتعلق بالتجاوز على الحقوق المدنية، وحقوق الفقراء عندما تتعرض ثروات الشعب للتجاوز، في أشكال وطرق منظمة، تديريها عصابات، ومافيات، تمتهن سرقة قوت الشعب، على مرأى من المعنيين، بل وربما بحماية منهم لأسباب معروفة، لذا لا يصح أن يغيب دور المثقف، وينبغي أن لا يسمح المثقفون بتغييب دورهم، وبهذا فإن الغياب والتغييب لا يصبان في صالح المجتمع، وتقع مسؤولية الحل على المثقفين لمعالجة هذه المشكلة وتجاوزها فعليا، من خلال وضع تصورات دقيقة ووافية وقادرة على إعادة الأمور إلى نصابها، وتخليص العراق والعراقيين من دوّامة التردي التي لا يزال يدور في مدارها، على أن تكون الحلول جادة علمية وقابلة للتطبيق.

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
المجتمعات التي تستهين بالثقافة تصدر الى نفسها أشخاصا غير أسوياء
لايعرفون أبعاد مايفعلونه تجاه أنفسهم وتجاه الآخرين ويتصرفون بغباء
الثقافة بحق هي روح المجتمع التي تمنحه حياة ذات قيمة وليس بعض الدهماء
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه...واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات...مركز ثقافة الألفية الثالثة2018-12-05

مواضيع ذات صلة

0